الرئيسية / مقالات / “بيضا فون”… لزمن كورونا!

“بيضا فون”… لزمن كورونا!

قد يكون أكثر إنتاجات الواقع اللبناني اثارة للاستغراب في هذه الظروف ان تغدو خطبة الشيخ أحمد قبلان الحدث المالئ اربعة أيام متعاقبة من يوميات لبنان المختنق حتى الذروة بأزماته. هذا البلد يعاني فائضا من الصدمات الذاتية بالإضافة الى تداعيات الجائحة الوبائية، ومع ذلك نراه يعود بلحظة الى قديم أكله الاهتراء في ادبيات هالكة يتوسل ابطالها استحضار النزعات العصبية والطائفية ليعوموا أدوارا مصطنعة او يقدموا خدمات لمشاريع فاشلة. ليس مهما ابدا ما ومن وراء استثارة مناخ طائفي ومذهبي راهنا في لبنان ولاي هدف، فهو امر لم ينفصل يوما ولا في أي ظرف عن واقعه. لكن المفارقة التي تستوقفنا تتمثل في استعارة العتيق من وسائل الصراعات الداخلية من مثل الشعارات التي رفعت أخيرا سواء في خطبة رجل دين او اثارة مسائل الفيديرالية والتقسيم وكل ما اثارته من جدل عقيم بما يكشف ان “غالبية” الطبقة السياسية والدينية بلا مبالغة لم تكتشف بعد لبنان القائم أمامها وانه ينزلق بسرعة ضوئية الى مصير زلزالي اسوة بمعظم بلدان العالم في عصر كورونا وما بعدها. هذه الشعارات البائدة عن الوحدة والتقسيم والفيديرالية والتخوين السخيف المرتبط بعقائد وأنماط خشبية لا تزال تظن ان الترهيب الفكري لا يزال يصلح للهيمنة والسيطرة على السلطة والشارع والحكم وإقامة القواعد الخفية التي تتحكم بواقع لبنان كلها صارت اشبه بمهزلة حقيقية لا تفضح الا تهالك الخردة السياسية حين تتوسل العتيق المهترئ لتلميع مشاريع متقهقرة. لقد انفجرت في لبنان قبل انتشار جائحة كورونا احدى اكبر الثورات الاجتماعية في تاريخه التي لولا تمدد الانتشار الوبائي الى لبنان لكانت على الأرجح أقامت دعائم تغيير ساحق غير مسبوق من ابرز نتائجه اسقاط كل قواعد الصراعات الداخلية السابقة التي يتغذى عليها دعاة النفخ بالطائفية والانقسامات ومصادرة حرية الرأي والقمع الفكري والتبعية للخارج. هذا الواقع بذاته صار مانعا طبيعيا وبديهيا لاستعادة أنغام اللعب على الاستثارة او اصطناع أدوار جديدة مزيفة تتماهى مع شعار الدولة المدنية فيما هي تقدم أوراق الاعتماد المذهبية لمشاريع الهيمنة على الدولة لا اكثر ولا اقل. ومع ذلك بدت الأيام الأخيرة بالغة الإفادة لجهة انكشاف ضحالة هذه اللعبة عَل الطبقة السياسية والدينية تتعظ وتتنبه الى لبنان المنخرط بآلامه ومعاناته الاجتماعية والمالية والاقتصادية والصحية وفي أسوأ ما يواجهه العالم بات يلفظ حكما وتلقائياً تلك الاستحضارات البائدة. نتساءل هنا ماذا لو يدرك كثيرون من هذه الطبقة ان العالم كله مقبل على زلزال تسلسلي احدثه وباء كورونا وان لبنان الذي كان سباقا في المخاض بفعل انهياراته، سيكون جزءا أساسيا متقدما من صورة عالمية متغيرة ستجتاح كل انحاء المعمورة؟ ماذا لو تعودون الى التاريخ حيث لا اجتهاد في الوقائع التي تثبت ان الجوائح هي التي تبدل قسرا وبأقصى الاهوال المصائر الاستراتيجية للعالم والبلدان وليست أي عوامل أخرى؟. ثم اين انتم من شعارات لا تذكر اللبنانيين الا بزمن “الأسطوانات” العتيقة. هل تذكرون “أسطوانات بيضا فون” الرائدة التي كانت تبث روائع الأغاني المصرية واللبنانية ولكننا بالكاد نعثر الان على أسطوانة منها في ارشيف مغبر؟

nabil.boumounsef@annahar.com.lb