بيروت 1905: معركة “أم الطناجر”.. قوّاصو قناصل ومهجّرون

فاروق عيتاني|الثلاثاء06/08/2019
Almodon.com

وسط بيروت قبل إعادة إعماره في العقد الثاني من القرن العشرين (Getty)

في صيف 1905، وسط الظروف الدولية العاصفة  بالسلطنة العثمانية في عشايا الحرب العالمية الأولى، نشبت في ظاهر بيروت “معركة” أو هرجة محلية طائفية بين المسلمين السّنّة والمسيحيين الأرثوذكس الشوام الذين لجأوا إلى بيروت أثناء الحرب الأهلية الطائفية في سوريا ولبنان ما بين (1840 – 1860)، وأقاموا في أرض كانت خلاءً، هي المزرعة، على حدود أحياء المصيطبة والبسطا والنويري الإسلامية السّنّية. حاصر أهالي هذه الأحياء السنية المزرعةَ الأرثوذكسية، واستُعملت اللهجات دليلاً في عمليات الخطف على الهوية بين الطرفين اللذين تبادلا الغارات الليلية. أما معارك القنص النهاري بينهما فقادها قوّاصو القناصل الأجانب المقيمين في بيروت. وشاركت النساء في الهرجة من محور حي اللجا (كان سكانه من السنة بعدُ) في مواجهة المزرعة على حدود ما يعرف اليوم بشارع واصف البارودي، فقادت خديجة عيتاني الملقّبة “خدرج” النساء المسلمات المتسلحات بالنبابيت والعصي، فيما طناجر الطبخ النحاسية تحمي رؤوسهن.

أسباب الهرجة واصطفافاتها طائفية جهوية في ظاهرها، لكنها كانت تستبطن الصراع على منطقة “رمول” ما يعرف اليوم بالطريق الجديدة، للسكن والإقامة فيها، عندما كانت خالية بعدُ، قبيل الانفجار الديموغرافي الإسلامي في قلب بيروت القديمة وامتدادتها الجديدة إلى البسطة والنويري وبرج أبي حيدر.

المزرعة وأرثوذكسها
الحضور الأرثوذكسي قديم في بيروت، ويعود إلى تحوّلها مع المشرق من الوثنية إلى المسيحية. ولم يتهدد هذا الوجود إلا أثناء الحملات الصليبية، حينما أعدم الغزاة الصليبيون في القدس وحدها ثلاثين ألفاً من أرثوذكسها، واندفعت كثرة منهم إلى النزوح نحو الداخل.

حوادث (1840 – 1860) حصلت في جبل لبنان إبان التفاهم البريطاني – الفرنسي على تقاسم العالم وتركة “الرجل المريض” العثماني، فامتدت تلك الحوادث إلى دمشق، حيث دفع الأرثوذكس ثمناً كبيراً من الضحايا والتهجير، فلجأ قسم كبير منهم إلى بيروت: ميسوروهم استقبلهم أقرباؤهم في الرميل والأشرفية، وفقراؤهم لجأوا إلى الأرض الخلاء جنوب وسط بيروت. وهكذا نشأت ما سميت المزرعة الأرثوذكسية، منفصلة عن قلب بيروت، وعلى تماس مع منطقة النويري، وتفصلها رمال تلة الخياط عن رأس بيروت، وحرج صنوبر بيروت يفصلها عن رمال الأوزاعي. أما جنوبها فمتصل بالأشرفية عبر رأس النبع.

كان عدد سكان بيروت في 1860 نحو 46 ألف نسمة، وقفز قفزات متتالية عندما صارت بيروت عاصمة ولاية عثمانية (1888 – 1920)، ليصل إلى 110 آلاف نسمة ونيف في العقد الأول من القرن العشرين.

المعرض فكرة واسم فقط
في خضم موجة إحياء معارض دولية للعمارة والتخطيط المدني والصناعة والفنون الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين (أهمها معرضا باريس وشيكاغو)، بدأت سنة 1904 عملية التحضير لإحياء معرض في بيروت بهدم شطر من وسطها القديم. سمِّي ذلك الشطر مع محيطه بالمعرض الذي لم يُعرض فيه شيء. فالسلطات العثمانية التي كانت تقوم بعمليات الهدم، انهارت في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، وغادرت بيروت مع الجيش العثماني، تاركةً ذلك الشطر من قلب المدينة مدمراً. هذا بعدما اندفع سكانه السنة والأرثوذكس إلى الخروج منه، متوجهين، ليس غرباً إلى رأس بيروت، ولا شرقاً إلى الأشرفية، بل جنوباً إلى المزرعة، وإلى تلال رملية مقفرة قريبة منها، وعُرفت لاحقاً بمحلة الطريق الجديدة التي كانت تنتشر فيها سبل الماء، ويقوم أسفلها مسجد العرب منذ العام 1880. وذلك في محلة قصقص المغمورة بأشجار الصنوبر، والمُعسِكر فيها الجيش العثماني الرابع. وفي المناسبة شيدت معظم مساجد أحياء ظاهر بيروت سنة 1890: البسطة، المصيطبة، وعين المريسة. وفي السنة نفسها تبرعت أسماء عيتاني بأرض مسجد قريطم.

“الماما”  مدرسةً وشارعاً
في المزرعة الأرثوذكسية، وبمباركة من مطران بيروت للروم الأرثوذكس غفرائيل شاتيلا، افتتحت الرحالة/المبشرة الروسية ماريا شوركازوفا، مدرسة خاصة بها سنة 1887، وثانية سنة 1890 قرب كنيسة مارمخايل في المزرعة أيضاً، وثالثة في الرميل.

ولدت الأميرة الروسية، الأرثوذكسية طبعاً، في سان بطرسبورغ سنة 1840. وفي 1879 سافرت إلى اليابان للتدريس في المدرسة الروسية هناك مدة سنتين، عادت بعدهما، ليس إلى روسيا، بل إلى القدس، حيث عملت على تنشيط الجمعية الروسية الأرثوذكسية. وفي مدارس تلك الجمعية الفلسطينية تعلم الأديب اللبناني الأرثوذكسي ميخائيل نعيمة  (1889 – 1988) البسكنتاوي (نسبةً إلى بسكنتا)، بين 1905 و1911، قبل متابعته دراساته العليا في موسكو، ورحيله إلى الولايات المتحدة.

قبل وفادتها إلى بيروت، لم ترغب ماريا شوركازوفا التدريس في المدرسة الروسية الرسمية ببيت جالا، المخصصة للبنات. وبمساعدة القنصل الروسي في بيروت والمطران شاتيلا، سكنت في الشارع الذي عُرف لاحقاً بلقبها “الماما”، بعدما كبرت وأسنّت. وكانت أُجرة سكنها 258 روبلاً روسياً في السنة: كانت تساوي الراتب السنوي لموظف من الأفندية، أو راتب شهرين لمبعوث روسي للتدريس في المنطقة، أو أجرة سنتين لعامل فني مؤهل.

لم يختر القنصل الروسي لشوركازوفا بيتا في الأشرفية. كان على علم بعلاقة السراسقة الوثيقة بالدولة العثمانية، وعلاقة مدرسة الثلاث أقمار الملتبسة بالجمعية الروسية. اختار القنصل الروسي لـ”الماما” منطقةً بكراً وبيتاً شبه معزول وآمن، بعيداً من أرثوذكس بيروت الأثرياء. تحدّ البيت من الغرب كثبان رملية تعزله عن ساقية الجنزير، المعزولة أصلاً عن رأس بيروت، وعلى بعد أمتار من البيت غابة صنوبر تبعث على  الراحة والتأمل والعبادة.

في تلك الغابة القريبة من الأونيسكو اليوم، بنت الأميرة الروسية – قبل  وفاتها سنة 1917، حزناً على مصير ابن عمها نيقولا الثاني عشر – كنيسة صغيرة، نصفها لا يزال حتى اليوم داخل السفارة الروسية، ونصفها الآخر في خارجها، فيستطيع الموظفون الروس الصلاة فيها اليوم، إذا رغبوا، من دون حاجتهم إلى الخروج من سفارتهم.

في العام 1905 بلغ عدد تلامذة مدرسة  “الماما” في المزرعة 550 تلميذاً. وفي سنة 1906 هبط العدد إلى حدود المئتين (قرأت الرقمين في كتاب “قصص بيروتية” الذي ترجمه عن الروسية عماد الدين رائف). لكن الكتاب لا يوضح أسباب هذا التناقص الكبير والمفاجئ في عدد تلامذة مدرسة “الماما” في المزرعة الأرثوذكسية، ولا ينتبه إليها.

والأرجح  أن التلامذة انتقلوا إلى الرميل مع عائلاتهم، هرباً من المعركة/الهرجة الطائفية بين السنة والأرثوذكس سنة 1905، والتي استمرت قرابة الشهر.

محلّيّة الصراع الدولي
في طريق رحيلهم من شطر قلب بيروت المدمر سنة 1905، عَبَرَ الراحلون الأرثوذوكس في البسطة والنويري، قاصدين الوصول إلى حيث يقيم أبناء ملتهم في المزرعة، باحثين عن مقام جديد لهم في ظاهر بيروت: كثبان الرمول القريبة الخالية، والتي صارت تسمى لاحقاً الطريق الجديدة، بعدما استوطنها بيارتة سنّة وكثرة من ملّتهم الوافدين من إقليم الخروب.

ساعد في تجرؤ السنّة على الأرثوذكس المحسوبين على الروس، انتصار اليابان على الروس الذي باغتهم اليابانيون ودمروا أسطولهم في بورت آرثر – منشوريا، على طريقة “بيرهابر” التي كررها اليابانيون في ما بعد ضد الأميركيين  (كرروها ثالثة ضد كارلوس غصن الذي انقضوا عليه في الأمس، بلا سابق إنذار أو تلميح أو إشارة، بل بسريّة كاملة!). وفي ثنايا التجرؤ السنّي البيروتي على الأرثوذكس البيارتة أيضاً عامل اللاوعي الطوائفي أو الديني التاريخي. لكن المعركة/الهرجة، ما كانت لتحدث لولا النمو الديموغرافي، ولولا مفهوم الحداثة المستورد، والذي أهاب بسلطنة مريضة وتعيش سكرات موتها البطيء منذ أكثر من قرن، أن تبدأ بهدم شطر من مدينة لإقامة معرض لم تكن تمتلك أياً من معروضاته الصناعية والمعمارية والفنية.

وأثناء المعركة/الهرجة التزمت الحامية العثمانية المعسكرة في الثكنة (السرايا الحكومية اليوم)، وكذلك الجيش الرابع العثماني المعسكر في حرج الصنوبر غير بعيد من المزرعة – التزما الحياد. على الرغم من أن الفريقين من التابعية العثمانية، وأبناء الرابطة العثمانية الواحدة، وموضوع النزاع محلي، ويختلف عن نزاع 1860.

قوّاصو القناصل
السلاح الذي استعمل في المعركة وانتشاره، يعودان إلى  قوانين الحماية في الإمبراطورية المريض. فحاملوه المشاركون في إطلاق النار من الفريقين، كانوا يتمتعون بالحمايات الأجنبية. إنهم “قوّاصو” القناصل الأجانب، ومن يقود القوّاصين (أي المسلحون المحليون من مرافقي القناصل وحُماتهم، لقاء جعالة مالية تُدفع للقواصين).

قوّاصو القناصل اليوناني والروسي والفرنسي اتحدوا ضد قواصي القنصل الألماني بقيادة جد المؤرخ اللبناني عمر فروخ وعناصره، مصدقين الشائعة القائلة إن الأمبراطور غليوم – وليم الأول قد أسلم حين زار دمشق سنة 1899. مصدر الشائعة صحيفة أبابيل البيروتية لصاحبها ابراهيم حبال، واستندت على الجو العام الذي رافق رحلة الأمبراطور الألماني التاريخية إلى الأستانة والقدس وبيروت، فدمشق، حيث وقف صامتاً خاشعاً أمام قبر صلاح الدين، قاهر أوروبا الحروب الصليبية، ثم تمتم كلمات ومسح وجهه كفيه على طريقة المسلمين حين يتمتمون الفاتحة. حدث وسط ألوف من أعيان دمشق، وفي مقدمتهم الشيخ الكزبري إمام المسجد الأموي.

أما قواصو القنصل البريطاني فظلوا بعيداً من مسرح الهرجة. وهم كانوا من الدروز، ولا مصلحة لبني معروف في الدخول في المعركة (“صوفتهم حمراء” منذ 1860).

جغرافية المعركة
محاور الصدام امتدت من تقاطع شارع عمر بن الخطاب مع شارع النويري، صعوداً إلى ما قبل مفرق برج أبي حيدر، واستؤنفت في نزلة واصف البارودي، عند جسر سليم سلام حاليا، فحي اللجا وصولاً إلى طلعة شحادة.

التزم عرب حي العرب، خلف المزرعة، الحياد. فعلاقتهم بالجيش الرابع، المعسكر قريباً من ديارهم، كانت تتطلب حيادهم. حدود حي العرب كانت مسجدهم. لذا راح أهالي المزرعة الأرثوذكس الفارين يسلكون تلك الجهة وصولاً إلى رأس النبع، حيث تكثر البساتين، وملاكها أرثوذكس، ليصلوا إلى طريق الشام ومقابرها – دائما تحدّد المقابر نهاية أحياء السكن لدى إنشائها – فإلى مستشفى الروم أو اليسوعية، وحتى مستشفى اللعازرية، من دون تعرضهم إلى الأذى.

الأحياء المسلمة المهاجمة كانت خطوطها الخلفية مفتوحة، ومستشفياتها متوفرة: المستشفى العثماني القديم في السرايا، والجديد و”خست خانة ” البروسي في مكان مستشفى الجامعة الأميركية حاليا. (خست خانه لفظة انتقلت إلى التركية من الأوردية، وتتألف من كلمتين: أست، وتعني مريض، وخانه  تعني بيتاً كبيراً). والأطباء كانوا إنجيلين أو بروتستانت، منهم فان ديك، وآخر بروسي  مشهور. الأطباء المسلمون متوفرون أيضاً، وهم من عائلة قدورة، وأطباء البعثة الخمسة الذين أرسلتهم المقاصد إلى مصر، فاجتازوا امتحان الكولوكيوم الإجباري للمهنة في اسطمبول التي كان فيها أكبر مستشفى ألماني خارج المانيا.

المسكوت عنه
لعبت الزعامات المحلية دوراً في ضبط الشارع. ونجح مجلس بلدية بيروت في إقناع الأهالي بفتح الطرق. وضغط القناصل في سبيل “ضبضبة” قواصيهم. وتوعّد الوالي العثماني المتقاتلين بانزال حامية بيروت العسكرية، وتوقيف كل من يشارك في المعركة، وفتح الطرق. وقررت بلدية بيروت دفع تعويضات للمتضررين من الفريقين.

وانتهى القتال بإعادة المهجرين في السنة التالية. وكانت أخبار معارك “أم الطناجر” من المسكوت عنه. لكن الأهالي من الفريقين ظلوا يتراوون أخبارها في ليالي الشتاء. والمسكوت عنه يأخذ مداه ويتضخم ويساء فهمه وتفسيره في المرويات الشعبية.

من مجموعة فيليب دو طرزي التي اطلعت عليها في أوائل سبعينات القرن الماضي، قرأت هذه الأخبار، وقرار المجلس البلدي بالتعويض على المتضررين من الطرفين. لكنني حين قرأت “قصص بيروتية” لأغاتا نغل كريمسكي، لم أجد اثراً لتلك المعارك. وجدت فقط تناقصاً في تعداد تلامذة المدارس الأرثوذكسية في المزرعة (350 تلميذاً)، وتزايداً مماثلاً في عدد تلامذة الرميل. وقد يكون هذا الرقم هو عدد الأسر الأرثوذكسية المهجرة من المزرعة.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*