الرئيسية / home slide / “بيروت في البال”: نيقولاي بيرغ أتى إلى بلادنا ونقش اسمه في معبد باخوس ببعلبك

“بيروت في البال”: نيقولاي بيرغ أتى إلى بلادنا ونقش اسمه في معبد باخوس ببعلبك

صورة لنقش اسم نيقولاوي بيرغ في معبد باخوس في قلعة بعلبك (الصورة من كتاب المؤلف عماد الدين رائف).

لا يختلف اثنان أن مخزون الأدب الروسي سخي جداً، وله أثر كبير على الفكر عموماً. ولكن المفارقة المهمة، التي نراها في هذا الموضوع، هي ما نشره الصحافي والباحث عماد الدين رائف من بحوث معمقة جمعها في كتاب بعنوان “من بيروت… وعنها- أوراق أوراسية في التفاعل الحضاري”، والتي نجح في ترجمتها من اللغة الروسية الى اللغة العربية.

“بيرغ 1860”

يخصص رائف القسم الخاص في كتابه للحديث عن نيقولاي بيرغ “يوم كانت أفلام الكاميرات الفوتوغرافية 36 صورة، صورت نقشاً بالأحرف السيريلية أعلى الجدار الداخلي لمعبد باخوس في مدينة بعلبك وفيه “بيرغ 1860”. ويكشف “كان النقش واضحاً محشوراً بين عشرات الأسماء المحفورة على صخر باخوس بالعربية واللاتينية”.

لقطة أخرى لنفشع بيرغ والصورة الشخصية الوحيدة له (الصورة من كتاب المؤلف عماد الدين رائف).

من هو بيرغ؟ ذكر رئيف بأنه شاعر ومترجم وصحافي ومؤرخ روسي (1884-1823)، وهو لديه عدد كبير من الكتب والمقالات والترجمات الشعرية من اللغات السلافية والأوروبية والعربية… “تصعب الإحاطة بكل ما كتبه بيرغ عن بلادنا، وقد حظيت بالاطلاع على بعض المذكرات التي تركها، ودليل تفصيلي عن مدينة القدس، وسنة أعداد من مجلة “سوفريمينيك” (المعاصرة) الشهرية بين العامين 1862 و1864، حيث نشر على صفحاتها المقالات والتحقيقات الصحافية تتحدث عن بيروت، صيدا، صور، بعلبك، دمشق، جون، دير القمر، الأمير بشير الثاني، النبيلة الإنكليزية ليدي ستانهوب…”.

بين بيروت ودمشق

يتحدث رائف عن أنه تظهر في المقالات انطباعات غزيرة ومشاهدات عديدة بأن بيرغ “أقام بين بيروت ودمشق لأكثر من سنتين، وكتب مقالاته تحت تأثير حوادث العام 1860، وتطرق في بعضها الى المعارك الدامية وأسباب التناقضات، وهو يعيدها الى الصراع بين البريطانيين والفرنسيين، الذين يؤججون الخصومات القبلية القديمة…”.

وقارب رائف وصف بيرغ في أحد مقالاته “حال استقبال بيروت لفؤاد باشا” بالقول: “يوم الثلثاء في السادس من أيار 1862، عند الخامسة بعد انتصاف النهار، شهدنا وصول الأمير محمد فؤاد باشا الى مدينة بيروت، وقد كان وافداً إليها من دمشق، تجمهر أهل المدينة كلها لاستقباله على طريق الشام، كما تجمعوا في المقاهي وعلى جانبي الطريق، وفي الحدائق وعلى سطوح المنازل”.

معبد باخوس (أرشيف “النهار”).

أهل المدينة

وذكر أن “بيرغ لحظ أنه كان بإمكانك مشاهدة كل نساء بيروت ذوات الأصول العربية على تنوعهن، كن في أردية بيض ….جمعهن اللون الأبيض، وتنافرت ألوان أغطية رؤوسهن فوق الإزارات، وكن يثرن جلبة، يثرثرن في ما بينهن عن الحدث المنتظر”. ويتابع “….هنا كان بإمكانك أن تشاهد جميع أهل المدينة، ومن غير الممكن أن تتحقق متى خرجوا من منازلهم، وتجمهروا على هذا الشكل فوق سطوح المنازل وعلى جانب الطريق والمقاهي”.

وتحدث بيرغ عن نفسه، كما وصف رائف الحال، قائلاً:” أما أنا فلم أخرج من الفندق إلا في الساعة الثالثة بعدما وصلتني معلومة مؤكدة أن الأمير بات على مسافة ساعة واحدة من المدينة، وهو في محلة الشياس (ربما يقصد الشياح). ولم يخل الأمر من هرج ومرج، فالضباط الأتراك كانوا متوجسين من العرب المبتهجين، الذين حاولوا استقبال الأمير الى عيد، فقد كانوا يجوبون الطرق مبتهجين، فيما كان الضباط يرسلون الجنود إليهم بين الحين والآخر لزجرهم…”.

مشاهدات بيروتية

وانتقل الى مشاهدات بيرغ اليومية ومقارنته بيروت بباقي المدن السورية. يقول بيرغ:” اخترت أن تكون بيروت مكان إقامتي الرئيس في الشرق، ففيها من الأوروبيين حيث يمكنك الحصول على أي شيء ترغب فيه. هنا، الكتب والمجلات والصحف على أنواعها متوافرة، تحملها يومياً الى بيروت السفن المختلفة. أما السفن الروسية فتصل الى بيروت مرة واحدة كل أسبوعين”. وانتقل وصف بيرغ، وفقاً لرائف، الى “المدن الأخرى فالحال مختلفة، فهناك حتى أنهم لا يعرفون ما هو جواز السفر، ويعيشون اليوم كما كانت الحياة أيام يسوع المسيح، هناك يمكنك أن تسير بين الحشود أينما أردت بدون أي أوراق رسمية”.

بيروت ملهمة بيرغ ومستشرقين أوراسيين كثر.

وفي مقطع آخر، ذكر رائف أن شغل بيرغ “خلال إقامتي في بيروت سؤال محدد: أين ذهب فقراء المدينة. هل من المعقول ألا تجد متسولاً واحداً بين نحو مئتي ألف نسمة؟ لم أجد حلاً لهذه المعضلة…” أما في القدس، مثلاً، فقد نقل رائف عن بيرغ أنه ” بين مجموعات المصلين الأوروبيين (تشكل النساء الروسيات العدد الأكبر منهم)، تمتد إليهم أيدي المتسولين والشحاذين، ومعظم المتسولين شبان ذوو هندام حسن وبصحة جيدة، ينوحون بالقرب من المصلين بكلمة بخشيش…”.

الذهب والفضة

ويخلص بيرغ، وفقاً لما ذكره رائف، الى أنه “في بيروت كذلك، إن أردت أن تبيت في فندق، فاعلم أنه لا توجد مفاتيح للغرف، ولن تسمع هنا عن حادثة سرقة واحدة”، مشيراً الى أنه “لا وجود للنقود الورقية بين أيدي الناس، فهم يتعاملون بالذهب والفضة، وكل شيء رخيص، فمقابل قضاء يوم وليلة في أحد أفضل فنادق بيروت دفعت نحو سبعة وثمانية فرنكات”.

ويكمل:” مقابل كل شيء: غرفة واسعة على الطابق الأول، سرير وأغطية وبياضات، خدمة الغرف وطعام الغذاء، قهوة وشاي، وقنينة من النبيذ المجلي الأبيض أو الأحمر، بحسب الرغبة”.

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel