الرئيسية / أضواء على / بيروت في البال: من يوم الشكّ إلى ثبوت رؤية هلال رمضان خارج سور بيروت القديمة وفي أيامنا

بيروت في البال: من يوم الشكّ إلى ثبوت رؤية هلال رمضان خارج سور بيروت القديمة وفي أيامنا

موكب رؤية هلال رمضان.

ينتظر العالم بأسره، بكثير من الشوق والحنين، حلول شهر رمضان المبارك، ضيفاً عزيزاً، يُدخل البهجة والسكينة إلى قلوبهم، وخصوصاً أنه يكتسب مذاقاً خاصاً، حيث تمتزج فيه الروحانيات والنورانيات مع عبق  العادات والتقاليد والذكريات الرمضانية ذات الطابع التراثي.

“في التاسع والعشرين من شعبان، يترقب المسلمون بشوق ولهفة، السماء الرحبة الفسيحة، علّهم يلمحون تولّد هلال شهر رمضان المبارك، فيتحقق أول شهر الصيام ويحق الصوم، والليلة التي يُترقب فيها هلال رمضان تُسمى ليلة الرؤية”، هكذا بدأ الإعلامي والباحث في التقاليد التراثية والشعبية زياد عيتاني حديثه لـ”النهار” عن عادات المسلمين في رؤية الهلال والاحتفالات لاستقبال هذا العيد.

استهل عيتاني حواره مشيراً إلى أن “ثبوت شهر رمضان المبارك بالوجه الشرعي يقتضي التماس ولادة هلاله، الذي يعني أول ليلة والثانية والثالثة، قبل أن يتحول إلى قمر بعد ذلك حتى آخر الشهر، وفقاً لتقويم الأشهر القمرية، وذلك عملاً بقول النبي محمد: “صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين”.

مواضيع ذات صلة

وتوقف عند “العادة التي جرت منذ العصور الإسلامية الأولى على خروج المسلمين في آخر شهر شعبان لرؤية هلال رمضان، حيث إن رؤية الأهلّة اعتبرها الفقهاء من فروض الكفاية، لما يترتب عليها من الأحكام الفقهية والشرعية، وكان الرسول لا يأمر بصوم رمضان إلا بعد رؤية هلاله على التحقيق، أو بشهادة الواحد العدل”.

يوم الشكّ… والرؤية

ما هو يوم الشكّ؟ أجاب عيتاني: “مثلما هو معروف، فإن الثلاثين من شعبان هو يوم شكّ، فإما أن يكون مكمّلاً له، أو يكون غرّة رمضان، الأمر الذي دفع إبن الوردي إلى رسم هذا الموقف شعراً بقوله:

قلتُ هِلالُ الصيام ليس يُرى

فلا تصُوموا، وارْضَوْا بقولِ ثِقهْ

فغالطوني حقَّقوا فرَأوا وكل هذا من قوة الحَدَقَه”.

في جردة تاريخية، تناول عيتاني “رؤية هلال رمضان، التي تتم قديماً في ظاهر بيروت، أي خارج سورها، وتحديداً من المناطق العالية والمرتفعة كمحلة رأس بيروت والأشرفية ورمل الزيدانية وشوران”، مشيراً إلى توجّه “الناس من أصحاب الاختصاص، الذين يفقهون في عملية الاحتساب وفقاً للقواعد الشرعية والفلكية، إلى تلك المناطق لتحرّي ولادة الهلال”.

برأيه، “إنْ شاهده أحدهم يتوجه إلى المحكمة الشرعية للإدلاء بشهادة الرؤية أمام قاضي بيروت الشرعي، الذي بدوره وبعد التأكد من صحة الشهادة، يسطر محضراً شرعياً بذلك، ويرسله إلى والي المدينة إعلاماً وإيذاناً ببدء شهر الصوم”، مشيراً إلى أنه “يأمر الوالي بإطلاق المدفعية التي كانت تنصب على تلة “القِشلة” (السرايا الحكومية حالياً) 21 طلقة احتفالاً بالضيف العزيز الذي يحمل تباشير الخير وجليل الرحمات، ولإبلاغ من ينتظر تنسم أريجه بحلوله بعد إثبات رؤية هلاله، كما كانت ترفع البيارق على مآذن المساجد وتضاء مصابيحها”.

اللقاء العلمائي في دار الفتوى والاحتفالات

ماذا عن يومنا هذا؟ أشار عيتاني إلى أنه “في العصر الحديث، وبعدما انتقلت سلطة إثبات رؤية هلال شهر رمضان إلى دار الفتوى، بعدما كان مناطاً بالمحكة الشرعية، وبعد أن ساهمت التكنولوجيا المتطوّرة والحديثة في عملية تحرّي وإثبات ولادة هلال شهر رمضان وفقاً لحسابات فلكية بواسطة الأقمار الاصطناعية المنتشرة في الفضاء الكوني، أو بواسطة المناظير المتطورة”، يتمّ “تبادل المعلومات بين مختلف المرجعيات الدينية في سائر بلاد المسلمين بواسطة شبكات الإتصالات الحديثة، فقد استعيض عن الطرق والأساليب التقليدية التي كانت سائدة لترقب الهلال، بأن يجتمع المفتي في 29 شعبان في بهو دار الفتوى يحيط به مفتي المناطق ورؤساء المحاكم الشرعية والقضاة الشرعيين والعلماء الأجلاء، ويبقى على اتصال مع المراجع الإسلامية، لا سيما الأزهر الشريف في مصر، وهيئة كبار العلماء في بلاد الحرمين، إستبياناً لثبوت رؤية الهلال من عدمه، فيصدر عنه بيان رسمي بتحديد موعد الصيام”.

أما احتفالات الرؤية، بحسب عيتاني، فهي مصرية النشأة، فقد ركّز على أن “مصر الكنانة كانت السبّاقة في تنظيم احتفالات الرؤية، حيث كانت الاحتفالات في مصر برؤية هلال رمضان تبدأ في يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وكانت الاحتفالات كبيرة وعظيمة على مدى التاريخ الإسلامي في مصر، يحضرها وجهاء الناس وكبار رجال الدولة في العاصمة والمدن الكبرى”.

وتوقف عند ما أكده “عضو إتحاد المؤرخين العرب، المؤرخ إبرهيم عناني، أنه في عام 155 هـجري خرج أول قاض لرؤية هلال رمضان وهو القاضي أبو عبدا، لذلك، ما إن يعلن ثبوت شهر رمضان حتى كانت تنطلق الفرق والأفواج الكشفية بمسيرات استقبال للشهر الكريم”. ووصف الأجواء الاحتفالية التي كانت تحصل في العاصمة “تتقدمها حملة الأعلام والمشاعل المضيئة ويرتدي أفرادها الزيّ الكشفي الموحّد على وقع الخطوات المنتظمة”، مشيراً إلى أن “الأهالي كانوا ينثرون عليهم الزهور والأرزّ وماء الزهر والورد، فيما بعد أصبحت المسيرات الكشفية أكثر رونقاً وبهجة في نفوس الأهالي، بعدما صارت تصاحبها الفرق الموسيقية، فتمتزج مشاعر الغبطة بقدوم شهر رمضان بين مختلف شرائح الناس في واحدة من أبرز المظاهر الاحتفالية التي كانت تتكرر كل سنة مع إطلالة شهر الخير والبركة”.

الديناميت… وتهانئ رمضان

بالنسبة له، “من العادات والتقاليد التي جرى عليها الناس إحتفالاً بشهر رمضان المبارك وبأعيادهم المجيدة في بيروت، ظاهرة إطلاق الأسهم النارية واستخدام المفرقعات. كما جرت العادة في الماضي عند الإعلان عن ثبوت شهر رمضان وعيد الفطر أن يعمد عدد من “قبضايات” بيروت أصحاب الشهرة الواسعة إلى تفجير أصابع من “الديناميت” في الجو، خصوصاً في المناطق المطّلة على البحر لخلوها من المارة، وذلك للتعبير عن مشاركتهم بالعيد على طريقتهم ولإعطاء الإنطباع للناس على مكانتهم المميزة في المجتمع، لأن تفجير “الديناميت” لا شك هو من المحظورات. ويُروى في هذا المجال أن أحد “القبضايات” في محلة عين المريسة كان يصعد إلى مئذنة مسجدها لإطلاق وتفجير أصابع الديناميت من أعلاها”.

واعتبر أنه “مع مرور الزمن، اندثرت الاحتفالات الكشفية لتحل مكانها خلال الأعوام الماضية المواكب الرمضانية السيّارة التي تجوب الشوارع والمناطق على متنها مجسمات تمثل معالم تاريخية وتراثية، مُطلقة العنان للأغاني الخاصة بالشهر الكريم، لا سيما أغنيات المبدع أحمد قعبور، وتقلُّ الأطفالَ الذين يرتدون ثياباً تراثية جميلة كثياب المسحراتي والعروس المكللة بتاج من الورود والأزهار، ويحملون الأعلام ملوحين بها، ويوزعون ابتساماتهم البريئة على المواطنين المنتشرين على الأرصفة وشرفات المنازل، فيضيفون أجواء البهجة والفرح والتفاؤل بقدوم شهر الخير والمبرات”. قال: “يعود الفضل لهذه الظاهرة الرمضانية في أرجاء العاصمة بيروت لمؤسسة الرعاية الاجتماعية دار الأيتام الإسلامية، ما يضفي على المدينة طابعاً رمضانياً زاهياً، يعود بذاكرة أهلها إلى الماضي الجميل، ويحفظ هويتها التراثية الخلابة.”

وذكر أيضاً أن “المواكب الإحتفالية بقدوم رمضان المعروفة “بمواكب الرؤية” أو “مواكب الركبة”، التي غدت من العادات الرمضانية”، مشيراً الى انها “ترجع إلى عهد الخلفاء الفاطميين في مصر، وتحديداً عام 362 هـ، مع قدوم الخليفة المعز لدين الله”، قال: “كان موكب الخليفة يبدأ من بين القصرين (شارع المعز بالصاغة الآن) ويسير في منطقة الجمالية حتى يخرج من باب الفتوح (أحد أبواب سور القاهرة الشمالية) ثم يدخل من باب النصر عائداً إلى باب الذهب (بالقصر)، وفي أثناء العودة توزع الصدقات على الفقراء والمساكين”. 

rosette.fadel@annahar.com.lb

twitter:@rosettefadel

اضف رد