بيروت في البال: من السهرات الطويلة عند “أبو متري” إلى ملتقى كبار القوم في البسطة

قهوة ابو متري ( من صفحة التراث اللبناني ).

في زمن الشوق إلى بيروت القديمة التي حرمنا منها واقتصر اكتشافها على قراءة الكتب وتصفّح الصور وبعض قصّاصات الجرائد، يأخذنا الشوق الكبير إلى مقاهي ساحة البرج وصولاً إلى مقاهي البلد…

من مقاهي ساحة البرج، الباريزيانا والنجار والزهراء، ومقهى كوكب الشرق الذي انهار على رؤوس زواره عام 1934، وقهوة فتوح، كما ذكر عبد الرحمن محمد السماك، في كتابه “قبضايات بيروت أهل الشهامة والمروءة والنخوة 1600-1946” أنها “كانت مقسومة إلى منطقتين، أمامية للسهرات العادية، وخلفية للأدباء والشعراء والصحافيين، كالشيخ أمين تقي الدين، جبرائيل نصار، الأخطل الصغير ومحمد كامل…”.

عند أبو متري

في قهوة ابو متري ( من صفحة التراث اللبناني).

كيف كان يمضي هؤلاء الأدباء والشعراء وقتهم في القهوة المذكورة؟ ذكر السماك أن “الأدباء والشعراء كانوا يجتمعون عند أبو متري، وكانت له قهوة في ساحة البرج، مقصودة لطيب مقبّلاتها، ومما يُروى عن أبو متري المذكور، أن إحدى السهرات امتدت ذات يوم حتى ساعة متأخرة من الليل، فلما انفضّ الاجتماع حوالي الساعة الثالثة صباحاً، تناول أبو متري المكنسة وأيقظ الجار النائم على الكرسي وقال له: قوم يا صبي، كنّس أشعار….”.

وانتقل في وصفه لساحة البرج، مشيراً إلى أن “مقاهي فلسطين وفاروق وكاراج صيدا ومقهى “إرسلان” كانت محيطة بساحة “عصور” الأكثر أهمية وازدحاماً، فهناك كانت كاراجات الصاوي وزنتوت للسيارات المنطلقة إلى صيدا وصور والقادمة منها، وكان مقهى فلسطين ملتقى الركاب القادمين من عكا وحيفا ويافا عن طريق كاراجات فلسطين لأصحابها فستق ومحيو…”.

النرجيلة عند ” ابو متري” ( من صفحة التراث اللبناني ).

الأدب والشعر

إلى مقهى فاروق، حيث مقهى النخبة إذا صح التعبير، قال السماك (ص 99)، وحدّد امتداده الجغرافي بأنه “يقع في بناية قدورة الشهيرة بزخارفها ونقوشها، كان لكل جماعة من الزبائن زاوية خاصة، من زبائنه الشيخ جميل الحسيني شيخ الطريقة الصوفية الرفاعية، والشيخ عبد الحليم بدير المصري الواعظ والداعية المشهور في زمنه، والاستاذ المدير محمد عمر منيمنة، والسيد عبد النبي حمادة، وبعض التجار من آل الشلاح والعيتاني والقباني وغيرهم”.

مقهى فاروق ( صفحة نافذة بيروت المحروسة).

وشدد على أن “أحمد الصافي النجفي يلازم الرصيف طوال النهار وبعض الليل، ويتردد عليه الشاعر محمد كامل شعيب العاملي والشاعر محمد علي الحوماني، فيتحلّق الناس حولهم، لسماع المناقشات والمطارحات الأدبية والشعرية الزجلية حتى الظهر، حيث ينتقلون إلى مطعم فلسطين المواجه، والذي أنشأه عام 1936 الفلسطيني رشيد كامل النابلسي، القادم من نابلس”.

“أما الرصيف الشرقي”، وفقاً له، “فكان ممر سينما التياترو الكبير، اتخذ منه الأديب الكبير عمر أبي النصر، مكتباً له، يكتب بيد، ويمسك نربيش الأركيلة باليد الأخرى، وهناك كتب أشهر مؤلفاته”.

 مقهى زهرة سوريا في المرفأ ( صفحة “تراث بيروت”).

لحمة غنم ومقهى الحمام

إلى مقاهي وسط البلد، ذكر السماك مقهى “قدورة المعروف بمقهى حسن حنكو في سوق اللحامين، في طبقة علوية فوق الدكاكين، وكان ملتقى تبادل، أي بيع وشراء اللحوم المؤصل الوارد مع تجار الغنم من حمص وحماة وحلب، وكان مقهى الحمام الثاني فوق سوق المنجدين، ومحل بنك أوف أميركا، في شارع المصارف حالياً، وكانت المراهنات على الحمام تتم في هذا المقهى…”.

وتناول السماك مقاهي البسطتين “والطريق الجديدة، ملتقى كبار القوم ليلاً، وخاصة في شهر رمضان بعد الإفطار، حيث تُقرأ سيرة عنترة والزير سالم وتغريبة بن هلال، وقصة بطولات الظاهر بيبرس، فكان الحكواتي هو البطل والاستاذ والمعلم والممثل والراوي…”.

بطاقة بريدية لمرفأ بيروت في العام 1890 ( موقع Old Beirut)

وتوقف عند مقهى البسطة التحتا، حيث كانت تقام حفلات خيال الظل كركوز وعيواظ، التي لا يزال بعض أشخاصها في أمثال العامة في بيروت، سعيد النصبة، وأم شكران، وبكري مصطفى الذي كان يمثل دور الرجل البليد الفهيم، فاستعمله البيروتيون لمن مثله وصاروا يقولون داير له بكري”.

الطريق الجديدة/البسطة 

وتناول مقاهي الأحياء وكانت “نهاراً ملتقى الشبان للعب الطاولة والدومينو والدامة والورق، وفيها كانت تقرر الاضطرابات والتظاهرات والتطبيقات وتُركَّب اللوائح الانتخابية”.

وشدد على أنه “من المقاهي القديمة قهوة المدور الكائنة في محلة الصيفي في باطن بيروت، وكانت تشمل على غرفتين مسقوفتين بالجسور والأخشاب وعلى رواق بقناطر أحجار، أنشأها يوسف المدور”.

مقهى المدور ( صفحة نافذة بيروت المحروسة ).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*