بيروت في البال: كيف ظهرت عملتنا الوطنية ومتى نالت “استقلالها” عن الليرة السورية؟

صورة هذه العملة من صفحة “تراث بيروت”.

في 2 كانون الثاني 1919، أسس الفرنسيون أول مصرف لهم باسم “البنك الفرنسي لسوريا”، الذي تحول في ما بعد الى ” بنك سوريا ولبنان الكبير”، وقد ورث هذا المصرف جميع فروع البنك السلطاني العثماني في بيروت وسوريا…. وأشارت المعلومات إلى انه “قيام دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920، ظهرت الليرة اللبنانية الى جانب الليرة السورية المتداولة، وقيمتها واحدة”.

القرش في زمن دولة لبنان الكبير، من صفحة “تراث بيروت”.

كيف نالت الليرة اللبنانية ” استقلالها”؟ المسار طويل والمراحل التاريخية من “ولادة” لبنان السيد، الحر والمستقل تثبت ذلك. فماذا في التفاصيل؟

العملة التركية على المحك

قروش (من صفحة “تراث بيروت”).

في كتاب إبرهيم نعوم كنعان عن “بيروت في التاريخ” في جزئه الثاني (ص. 235)، تركيز واضح على انتقال محيطنا من حكم الدولة العثمانية الى مرحلة جديدة بدأت مع دخول القوات الفرنسية. في المصدر، يتناول كنعان دعوة الحاكم الفرنسي دي بياباب جميع صيارفة بنوك بيروت ومديريها للاجتماع في 11 تشرين الأول 1918، وذلك للتداول بمصير العملة الورقية التركية المنتشرة، من دون ان يتخذ أي اجراء بشأنها بانتظار التطورات. رغم ذلك، امتنعت البنوك عن التعامل بالعملة التركية لأن قوات الحلفاء طرحت العملة المصرية للتداول واعتبرتها العملة الرسمية الموقتة، مما جعلها تحل محل العملة الورقية التركية.

صورة هذه العملة من صفحة “تراث بيروت”.

لا لإبدال الورق بالذهب

كيف تجاوب أهالي بيروت وجوارها مع القرار رقم 11؟ ذكر الدكتور عصام شبارو في كتابه عن تاريخ بيروت (ص. 1547) أن الاستياء عمّ أهالي بيروت وجبل لبنان وسوريا بعد إصدار الحاكم الفرنسي دي بياباب حدد القرار المذكور في اول تشرين الثاني 1918 وحدد فيه أن العملة الورقية المصرية عملة رسمية وحيدة، وفرض تداولها وصرفها بالليرة الذهبية العثمانية على أساس سعرها القانوني.

من مجموعة محمد الساعاتي (صفحة “تراث بيروت”).

إذاً شدد شبارو، نقلاً عن كتاب “القضايا النقدية في سوريا” لماكسيم نقولا (ص. 27) أن “هؤلاء الأهالي، الذين يتداولونها بحسم عن سعرها الذهبي، رفضا ابدال الورق بالذهب كما جرى خلال الحرب العالمية الأولى، ما دفع دي بياباب الى إصدار القرار رقم 31 في العام 1918 نصت فيها مادته الأولى على مداولة الأوراق النقدية مع ضرورة قبولها بقيمتها الأصلية…”.

عملة متداولة في العام 1935 (صفحة “تراث بيروت”).

أول مصرف فرنسي

ماذا يقول شبارو عن مرحلة تأسيس الفرنسيين لأول مصرف في العام 1919؟ ذكر في كتابه معلومات مهمة مستنداً على جريدة “لسان الحال” في عددها 7830 الصادر في تاريخ 2 تموز 1919 أن “رأسمال “البنك الفرنسي لسوريا” قدره عشرة ملايين فرنك فرنسي، موزعة على واحد وخمسين ألف سهم قيمة الواحد منها خمسمئة فرنك فرنسي”، مشيراً الى انه “بيع من الأسهم أربعين الفاً نقداً، وأبقى أحد عشر ألفاً للبنك السلطاني العثماني لقاء موجوداته والتنازل عن أسهمه”.عملة متداولة في العام 1948 (صفحة “تراث بيروت”).

وركز شبارو نقلاً عن المصدر نفسه أنه “أصبح مركزه الرئيسي في باريس، ومدته تسعاً وتسعين عاماً اعتباراً من يوم تأسيسه”، مشيراً الى انه “بذلك غدا البنك فرنسياً برأسماله ومركزه الرئيسي، ومجلس إدارته….. واتخذ فرع البنك في بيروت، مركزاً له في بناء يخص فرع بنك سالونيك، الذي تمت تصفيته، وعين سليم دانا مديراً للفرع، وابرهام وادوار ساسون وكيلين”.

دولة لبنان الكبير

نماذج لعملات من العام 1925 (صفحة “تراث بيروت”).

رغم احتجاج بعض البيروتيين ومنهم رئيس غرفة تجارة بيروت عمر الداعوق على قرار المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو الصادر في 31 آذار 1920 بمنح بموجبه البنك امتيازاً بإصدار الورق النقدي السوري، واعتماد نقد سوري على أساس الفرنك الفرنسي اعتباراً من أول أيار 1920، تمت عملية إنزال النقد السوري الجديد دون صعاب وحقق البعض أرباحاً في بيروت، بسبب المضاربات الناتجة من سعر العملات.

عملة عام 1939 (صفحة “تراث بيروت”).

بعد قيام دولة لبنان الكبير في أول أيلول 1920، ظهرت الليرة اللبنانية الى جانب الليرة السورية المتداولة وقيمتها واحدة. ذكر شبارو في كتابه (ص. 1550) انه “في العام 1922، أعلن قيام “بنك سوريا ولبنان الكبير” في شارع اللنبي قرب منطقة المرفأ، وهو عبارة عن شركة فرنسية، مركزها باريس…”.

“مصاري” و “مصريات”

عملة عام 1952 (صفحة “تراث بيروت”).

أنيط للبنك المذكور وحده حق إصدار العملة الورقي اللبنانية – السورية، وتم استبدالها بالعملة المصرية، التي تم منع تداولها بشكل نهائي في العام 1920 وبنمط تدرجي على امتداد لبنان وسورية. لكن شبارو أشار الى “انه رغم ذلك استمر البيروتي في استعمال عبارة “مصاري” او ” مصريات” حتى يومنا إشارة الى الأوراق النقدية”.

من مجموعة داني متى اصدار نقدي عام 1949 (صفحة “تراث بيروت”).

لكنه لفت الى أنه ” رغم قيام الجمهورية اللبنانية في 23 أيار 1926، استمر اسم لبنان الكبير على العملة، حتى ازيلت كلمة ” الكبير” من اسم “بنك سوريا ولبنان الكبير” اعتباراً من أيار 1937 وأصبح اسمه بنك سوريا ولبنان، وصدرت الليرة تحمل هذا الاسم الجديد، وحدّدت قيمتها بعشرين فرنكاً فرنسياً، ما أدى الى ربط النقد بالفرنك الفرنسي”. 

استقلال الليرة

صورة هذه العملة من صفحة “تراث بيروت”.

متى نالت عملتنا الوطنية “استقلالها”؟ الجواب بسيط عند شبارو، وهو يرتبط بتحرك في هذا الاتجاه بعد شهرين أو ثلاثة من استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني 1943. في التفاصيل، أنه “وقع اتفاق 25 كانون الثاني 1944، بموجبه انفصلت الليرة السورية اللبنانية عن الفرنك الفرنسي، الذي استعيد عنه بتغطية الجنيه الإسترليني”.

صورة الليرة اللبنانية من صفحة “تراث بيروت”.

وتقدمت الأمور في مسيرة استقلال عملتنا الوطنية حيث أشار شبارو الى أنه “بموجب اتفاق 24 كانون الثاني 1948، انفصلت الليرة اللبنانية عن الليرة السورية، مع الإشارة الى ان “بنك سوريا ولبنان” تابع بإصدار النقد اللبناني حتى عام 1963، تاريخ تأسيس مصرف لبنان او “البنك المركزي” في اول شارع الحمراء، في حين تحول “بنك سوريا ولبنان ” الى مصرف عادي…”.

اصدار نقدي (صفحة “تراث بيروت”).

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*