بيروت في البال: “سوق النورية”، “سوق السمك”، “سوق سرسق” قصص أماكن متحرّكة بناسها

جانب من سوق النورية

ولى زمن البسطات وزمن أسواق بيروت الخاصة ببيع الفاكهة، الخضار، اللحوم… كل شيء من الزمن الجميل ولّى “عتال السل”، صمتت اصوات الباعة بالجملة أو حتى من كانوا يتاجرون بالمفرق في تلك الأسواق. وضاعت علينا – نحن جيل الحرب – فرصة مرافقة اهلنا في شراء مونة الأسبوع بفاتورة سجلت ثمن سلع لا تتعدى بعض القروش وذلك في اسواق بيروت القديمة. 

مشهد عام يؤدي الى السوق.

صاحب الحانوت وحماره

في العام 1894 كتب داود نقاش في وصف اسواق بيروت بأن “من تأمل في سوق الخضر الذي يكاد لا يبلغ عرضه أربع أذرع، وأنه هو السوق المطروق أكثر من سواه، ورأى الفروش والسحاحير والسلال والأطباق والكراسي مكردسة تلالاً تلالاً على الجانبين أمام الحوانيت، وصاحب الحانوت وأولاده وحماره وخروفه، حكم حالاً بأن شكوى المارين هي بمحلها أيضاً…”.

حمّال يجول في “سوق النورية”.

وأكمل وصفه مشيراً الى انه “والألطف والأظرف من ذلك تبسيط بائعي البوظة في الأسواق ونشر أوايلهم مثل تنكة البوظة وعلبتها وصندوق الملح وطبق الثلج وتنكة الأقداح والملاعق والمنشار والمضرب والمقشط. وهكذا بائعي الحلاوة جزرية وسكرية وسمسمية مع الفرش والسيبة، ومثلهم حاملي قرب السوس والليموناضة وبائعي المعلل والكعك والفول النابت…”.

لا ملل

زحمة ناس في “سوق النورية”.

قصص أسواق بيروت متحركة، لا ملل فيها وفقاً لما يرويه اهلنا وحتى اجدادنا. كل شيء يتصل بهذه الحركة، أي بالحياة او بتفاصيل الحياة اليومية. لا مجال ان يشعر اي زائر لـ” سوق النورية” او ” سوق السمك” او “سوق سرسق” بالملل لأن مجرد التحديق لدينامية الباعة وتجوال الناس يعطي للحياة معنى اجمل وأوسع بكثير من الأسواق الحالية “المعلبة”!

“عتال السل”

في السوق.

من كان يقصد ” سوق النورية”، أو “سوق اللحامين” في بيروت القديمة؟ استعاد الإعلامي والباحث في التراث الشعبي زياد سامي عيتاني في حوار مع “النهار” وفي حوزته بحوثه عن تاريخ بيروت القديمة الماضي الجميل في كل من “سوق النورية” و”سوق اللحامين” في وسط العاصمة بيروت، لشراء حاجاتهم من اللحوم والخضار والفواكه المتوافرة بأسعار معتدلة وموزعة في البسطات والمحلات وعلى جانبي السوقين”.

حمّال يهتم بحمّال صغير في سوق النورية.

“المشهد كان رائعاً”، قال عيتاني، “كان الناس يجولون في الأسواق بصحبة احد الحمالين، الذي كان يعرف “بعتال السل”، كانوا يتبضعون، ويضعون سلعهم في السل المصنوع من القش، يملأونه بكل ما يحتاجونه من خضار، فاكهة ولحوم وسمك، ويطلب من الحمال إيصالها الى المنزل مقابل خمسة قروش”.

الخضار بالجملة

عجوز يرتدي الطربوش والسروال يحدّق في الأرضي شوكي.

ماذا عن سوق النورية؟ أجاب عيتاني بثقة: “ينطلق السوق من جامع الأمير عساف ويصل الى “سوق اللحامين” وهو يحاذي “سوق سرسق”. كان تجمع مهم لباعة الخضار والفواكه وبيع البضاعة كان بالمفرق. السوق لا يهدأ، بسطاته الخشبية وغالبية محاله لا تقفل أبوابها ليلاً ونهاراً ، بل تستقبل تجار الجملة، الذين يوصلون البضائع من السوق الخاص بفهم خلف سينما الريفولي وهو سوق معروف بسوق الارجنتين”. قاطعناه سائلين:” لِمَ عرف باسم ” =سوق النورية؟” أجاب :” الجواب بسيط لأن في السوق توجد كنيسة “سيدة النور” للروم الأرثوذكس، ما حفز تسمية السوق بسوق النورية”.

الناس في سوق النورية والحمالة يمشون معهم وعتال السل يحمل السلل لمساعدة في وضع مشترياتهم في داخلها.

“من لا يعرف الطريق المؤدي الى السوق”، وفقاً لعيتاني، “فما كان عليه إلا ان يهتدي اليه، إذا قصدت عجقة الناس، واصوات الباعة، الذين ينادون على سلعهم المعروضة للبيع، ويبقى الصوت الأهم هو لحوار لا يخلو من الجدال على تخفيف سعر سلعة محددة بين البائع والمشتري، وتهافت الباعة لكسب الزبون بأي سعر ممكن!

” سوق اللحامين”.

“سوق اللحامين”. هل سمعتم به! هو ايضاً، كما ذكر عيتاني، “يقع بين “ساحة السمك” شرقاً و “سوق الأرمن” شمالاً، اي بين ساحة المعرض وسوق النورية…”. دون طول سيرة، فإن عيتاني ذكر أن لتجار سوقي “النورية ” واللحامين” نقابتين، مشيراً الى “انه تولى رئاسة نقابة الخضار بالجملة أبو حسن شاتيلا، ثم تولى منير فتحة فعبد الفتاح سعود ثم فتحة مجدداً ليخلفه بعد وفاته سعد سمهون. اما نقابة تجار المفرق فرأسها جميل الدنا ثم يوسف دوغان ومن بعده عثمان المعبي في حين رأس نقابة اتحاد القصابين منذ تأسيسها عبد الرحمن بكداش العدو”.

” سوق السمك”

الطريق تؤدي الى “سوق سرسق:، قال عيتاني. أين يقع تحديداً؟ قال:” يوازي “سوق النورية” و”سوق السمك” وهو يمتد من كنيسة سيدة النور الى شارع ويغان”. ووصف “السوق بأنه طريق ضيق، وهذا لا يسهل دخول السيارات اليه”، مشيراً الى انه “خاص بالمشاة وهو ملتقى لباعة الثياب الجاهزة والأقمشة، والمكان المناسب للصيارفة”. لِمَ سمي بسوق سرسق؟ قال: الجواب بسيط لأن عائلة سرسق كانت تملك الحصة الأكبر من مبانيه ومحاله التجارية”.

كل شيء ما زال محفوراً بذاكرة جيل يكاد أن يندثر، فيما نحن، جيل الحرب، لا نملك غير الرغبة بتخيل تلك اللحظات المنقولة لنا –نحن جيل الحرب- عبر الكتب او من خلال حوارات مع باحثين في التراث الشعبي.

* الصور من أرشيف الإعلامي والباحث في التراث العربي زياد سامي عيتاني. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*