“بيروت في البال”- “سوق الطويلة” الغنّي بالمعالم الرائدة… مبنى جريدة “النهار” يشهد

مشهد عام لمبنى النهار

بيروت القديمة بحر من المعالم والأمكنة التي وثقت لتاريخ جميل وغنّي. نتابع في سلسلة “بيروت في البال” الغوص في الذاكرة البيروتية.  وبدءاً من سوق الطويلة، و”من المعالم الأساسية في السوق مبنى صحيفة “النهار” القرميدي”،  وفق ما ذكره الإعلامي والباحث في التراث الشعبي زياد عيتاني.

مبنى “النهار”لقطة جوية لمبنى جريدة “النهار”.

ويصف تلك المعالم قائلاً: “في نهاية هذا السوق كانت تقع مكاتب جريدة “النهار” في مبنى قديم متواضع قبل انتقالها الى مبناها الحديث في شارع الحمراء”. وأكمل وصفه مشيراً الى انه “على بعد أمتار من “النهار” وفي الشارع المواجه كان يوجد مبنى قديم من ثلاث طبقات، تقع في الطبقة الثانية منه جريدة “الأوريان”، بينما في الطبقة الاولى جريدة “الجريدة” التي كانت تعتبر وقتذاك من كبريات الصحف”.

زوار يطوفون في احياء “سوق الطويلة”.

أما طبقته الثالثة، فكانت “تضم في قسم منها مكتب الرئيس الأسبق لمجلس النواب المرحوم الرئيس عادل عسيران، حيث كان مقصداً للكثير من النواب بعد انقضاء الاجتماعات في مجلس النواب لاستكمال التشاور والتداول بقضايا الساعة آنذاك في مطعم العجمي”.

رجال يبحثون عن احدث موديلات البسة.

شهرة السوق

لنعيد معاً عقارب الساعة الى ستينات او بداية سبعينات القرن الماضي لنعيش يوميات واحد من أبرز أسواق الزمن الطويل “سوق الطويلة”، الذي ارتبط طابعه ببيع “الألبسة، إضافة الى العطور والأحذية وأدوات الخياطة ومساحيق التجميل وسواها”، وفقاً لما ذكره عيتاني.

“سوق الطويلة الذي كان سوق الشياكة والأناقة وأحدث الموديلات وصيحات الموضة ذات الشهرة العالمية، كان عبارة عن حركة لا تهدأ خصوصاً في مواسم الأعياد وقبل بداية فصلي الشتاء والصيف لشراء كسوة كل واحدة من هذه المناسبات والفصول”، قال عيتاني.

في سوق الطويلة، كل الألبسة في خدمة الزبائن.

لماذا سمي بسوق الطويلة؟ الجواب واضح لديه ويرتكز على روايات ومرويات عدة “قد قيل إن سوق الطويلة اشتهر بهذا الاسم لوجود سيدة نمسوية طويلة القامة تتعاطى مهنة الخياطة في أحد محاله”. كما لفت أيضاً الى أنه “قيل أيضاً أنه حمل هذا الاسم لأن عائلة الطويلة كانت تمتلك جزءاً كبيراً منه”. لكنه أوضح أن “التسمية الأكثر رجحاناً ومنطقاً لحمل اسم سوق الطويلة بسبب طوله مقارنة بباقي أسواق بيروت القديمة التي كانت في أغلبها صغيرة وضيقة، خصوصاً أن بعض المراجع التاريخية يؤكد أنه قبل أن يكون سوقاً كان يعرف بدرب الطويلة لتميزه بطوله عن بقية دروب المدينة.” ويتابع:” كان يمتد سوق الطويلة شمالاً من شارع طرابلس لجهة ساحة العجمي لغاية شارع ويغان عند باب إدريس، وكان يتفرع عنه ممر ضيق ينحدر إلى سوق أياس، أي اليوم من مدخل أسواق بيروت-ساحة الإمام الأوزاعي حيث قبة ابن عراق نزولاً حتى جامع المجيدية”.

أحد احياء السوق.

واعتبر أن شهرة “سوق الطويلة بدأت أواسط القرن التاسع عشر في ازدياد المحال، التي باتت تتكاثر لتصبح الدكاكين والمخازن في تلك المحلة، بعدما جعل تجار المدينة يأخذون منها مركزاً لعرض وبيع بضاعتهم، وهي في غالبيتها مستوردة من البلدان الأوروبية، لا سيما فرنسا والنمسا وإنكلترا”.

الإمام الأوزاعي

زينة عيد الميلاد في “سوق الطويلة”.

وتوقف عند “معلم تاريخي وديني في غاية الأهمية كان موجوداً فيه، عنيت به زاوية الإمام الأوزاعي إمام ومؤسس العيش المشترك، والتي هي أي الزاوية عبارة عن مسجدٍ صغير للزهد والعبادة والذكر والتدريس، حيث كان الإمام منقطعاً فيها”، مشيراً الى انه “كان مقصداً لطلاب العلم والفقه والمستفتيين”. وأشار الى أنه “بعد وفاته تحولت الزاوية إلى مزار يقصده الناس من مختلف الطوائف للتبرك ولتقديم النذور. يذكر أن زاوية الإمام الأوزاعي لم يستهدفها الإفرنج عندما دمروا معظم زوايا وجوامع بيروت القديمة، بل أبقوا عليها دون سواها. وثمة مصادر تاريخية تشير إلى أن سبب ذلك يعود لمسيحيي المدينة الذين حالوا دون ذلك، كرد لجميل الإمام عندما حماهم في زمن الدولة العباسية”.

إعلان عن حسومات في بعض المتاجر.

في “منزول بيروت”، خصّ المحامي عبد اللطيف فاخوري (ص 146-148) قسماً من تحقيقه الموثق عن بيروت القديمة لسوق الطويلة مشيراً الى أن “الامام الاوزاعي سكن في المحلة التي عرفت في ما بعد بالسوق الطويلة ودرّس فيها وتوفي في حمام ملاصق لزاويته، وسكن قبالته في ما بعد محمد بن عراق الدمشقي، الذي بنى زاوية لا تزال قبتها موجودة الى اليوم”. ويسرد: “في آخر الطريق الطويلة بنيت الزاوية القادرية، التي عرفت بزاوية ابن الشويخ أحد احفاد عبد القادر الجيلاني، التي أصبح اسمها في ما بعد جامع المجيدية”.

جولة في السوق

متاجر على يمين وشمال ارصفة السوق.

وتوقف عند سكن آل ياسين “في وسط هذه الطريق أنشأوا لهم سوقاً يصل حتى سوق اياس…”، مشيراً الى انه “بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يحظى بالاهتمام ما دعا البلدية عام 1887 الى المباشرة بترصيفه برصيف ضيق لم يتمكن رجلان في حينه من المرور عليه معاً، فكان على أحدهما، إذا تصادفا، النزول أو الدخول الى دكان حيث يمر الثاني”.

“من أقدم المخازن مخزن الكف الأحمر الذي اعتاد ان يقتني من أصناف البضاعة اجودها وأحسنها، ومن ضمنها ورق التبغ”، قال فاخوري. وتوقف عند “محل مولومبرغ إخوان لنمسويين، وهم كانوا يبيعون الأثواب للرجال والسيدات والأولاد”، لافتاً الى ان “هذا المحل وضع آرمة على محلة بأنه ” أكبر محل في فيينا”. قال:” عندما اندلعت الأزمة بين تركيا والنمسا عام 1908 بسبب اقدام هذه الأخيرة على ضم البوسنة والهرسك، صدرت الدعوة لمقاطعة البضائع النمسوية، وتجمع الناس امام المحل المذكور، فقام أصحابه بنزع عبارة فيينا واستبدالها بـ “أكبر محل ايطاليني”.

مطر الشتاء لايمنع السيدات من التسوق.

وذكر أيضاً ان وجد في ذلك الزمن الجميل “مخزن عمر الداعوق للساعات والمجوهرات من المخازن الشهيرة في سوق الطويلة، وقد أعلن افتتاحه عام 1893.

العيد يشجع المارة على شراء الهدايا.

وعلى ذكر الساعات، كان “فضل الله الأسمر يبيع في سوق الطويلة الساعات ويصلح جميع الأنواع ومنها ساعة الحائط الدقاقة، التي زين بها آباؤنا واجدادنا جدران منازلهم، كما كان الأسمر يبيع ساعات نجمة القطب وفوتوغراف يرسل صوتاً طبيعياً الى مسافة نصف كيلومتر ليلاً…”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter :@rosettefadel

* الصور من ارشيف “النهار” وارشيف الإعلامي زياد عيتاني. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*