الرئيسية / home slide / بيروت في البال: راوي ذكريات في الترامواي… داخل التران من نزلة البسطة الفوقا إلى المنارة

بيروت في البال: راوي ذكريات في الترامواي… داخل التران من نزلة البسطة الفوقا إلى المنارة

صورة للترامواي وتذكرة الراكب (من صفحة “أنتيكا”).

ليس أجمل من أن تقع في مكتبة بيسان في شارع الحمراء على كتاب راوي ذكريات جمعها تحت عنوان “بيروت والذكريات” لكامل العيتاني، فيه تفاصيل عن مدينة بيروت من ماضيها البسيط الهادئ وناسها الخلوقين والكسالى…

ما جذب انتباهنا أنه يمتلك قدرة هائلة على وصف لحظات عدة من زمن بيروت، الذي لم نعرفه، ومنها انتقاله بالتران لأعوام طويلة، فهو “وسيلتي الوحيدة للتنقل، والتعود عليه كبقية ألوف الناس، حيث ركوب السيارة مُكلف، كما امتلاكها مستحيل، فلا يوجد أمامنا سوى ركوب التران، أو السير على الأقدام…”.

لمَ الحديث اليوم عن التران؟ في الحقيقة، قراءة مشاهدات العيتاني تدغدغ القلب والعقل، لأنك تشعر كأنك تقرأ وقائع من بلد آخر غير لبنان الحاضر.

أسلوب كتابة العيتاني يكشف تفاصيل ما يجول في رأسه، أو حتى ما يمر في باله من مخزون الذاكرة، وحتى تمنياته القابعة في اللاوعي.

النظام والقانون

ذكر العيتاني في تمهيده للفصل الخاص عن الترامواي أنه “للمفارقة ما هو سائد اليوم، أن النظام في تلك الأيام كان يُحترم، مثلاً، داخل التران درجتان، عادي على مقعد خشبي بخمسة قروش، ومقعد مريح بعشرة “بريمو” والركاب يحترمون القانون. الذي يدفع خمسة قروش لا يتجرأ أن يجلس على المقعد الشاغر، فتجد التران مزدحماً والركاب واقفين ومقاعد البريمو شاغرة لا يجلس راكب إذا كانت تذكرته صفراء عادية لأن قاطع التذاكر يملك سلطة تطبيق القانون…”.

ذكر العيتاني “أن سير التران صعوداً بعد ساحة السور، مكان جسر الرينغ اليوم، كان يمشي إلى جانب دكاكين صغيرة منخفضة، يعمل فيها حدادون ونجارون وعمال آخرون وهم جالسون، ولم يمكن خط التران يبعد أكثر من نصف متر عن الدكاكين، ما يعرّض الواقف على باب أي دكان للخطر…”.

من صفحة فايسبوكية لـ”أنتيكا”: بعض عربات الترامواي في منطقة الرملة البيضاء عام 1970 وقد تحولت إلى مطاعم بعد تقاعدها.

خطوط التران

عن مشوار التران، ذكر العيتاني أن “الطريق من الحرش لغاية الباشورة هادئة والدكاكين والسيارات قليلة وبيوت السكن على الجانبين، وكل ما يلزم من مشتريات كانت من الأسواق المخصصة كالنورية، وسوق اللحامين وسوق الأرمن للأحذية وسوق أبو النصر وسوق الصاغة…”، مشيراً إلى أن خطوط التران “كانت خط البسطة إلى شارع فوش يمشي لغاية آخر البرج ويلف وراء السرايا القديمة، التي هُدمت عام 1951”.

أما الخط الثاني، وفقاً له، “فيبدأ من أول الخط في محلة الحرش سيما سلوى، نزولاً إلى المحطات: المزرعة، النويري، وطان مستشفى رزق قبل أن ينتقل للأشرفية قائماً بين المزرعة والنويري تجاه بنك مصر الآن وبعدها محطة العريس، البسطا الفوقا والتحتا والباشورة، الى قبر الوالي لغاية ساحة السور مكان تمثال رياض الصلح اليوم، ويمشي لغاية البرج، فينزل ركاب من فئة معينة ويصعد ركاب من فئة أخرى مختلفة، ذاهبون لمحلة برج حمود لغاية آخر خط الدورة”.

شارع ويغان 1963 (عن صفحة فايسبوكية “نافذة على بيروت المحروسة”).

“دار التران”

صورة من صفحة فايسبوكية “قدماً” للواجهة البحرية لمدينة بيروت وملاهي وفنادق ميناء- الحصن كما كانت تبدو من سطح فندق #فينيسيا عام 1967 (للمصوّر بيار معدنجيان).

هل للتران دار خاص به؟ نقل العيتاني الأجواء العامة عن الترامواي مشيراً إلى أنه “عندما تصل لآخر الخط، وللرجوع، كان على السائق الانتقال لآخر التران حيث جهاز قيادة آخر، ويعود به من حيث آتى، ويطلق عليه الركاب هناك “دار التران” لذلك سميت الدورة…”.

والأهم وصفه لضواحي بيروت “الزراعية، وخاصة زراعة الحمضيات كالليمون بأنواعه والموز”.

بيروت بلونين

قال: “وفي ذلك الزمن كان يلف بيروت اللونين، أزرق البحر والأخضر لون الأحراج والبساتين والكروم، بالإضافة إلى الحدائق حول بيروت”. أما الضواحي، وفقاً له، “فكانت مثمرة بجميع أنواع المزروعات، الخضروات والفواكه وتكفي سكان بيروت بعددهم القليل نسبياً”، مشيراً إلى أنه “بسبب عدد السيارات القليل، وعدم وجود شاحنات صغيرة، كانوا يأتون بالمحصول إلى العاصمة بواسطة الطنابر أو على ظهور الحمير…”.

تذكّرَ أيضاً “دكان خالد الداعوق، في أول خط البسطة، مقابل مستشفى البربير، وكان يبيع صحفاً ومجلات وخرضوات وسجاير وأدوات الخياطة، وكان الوحيد الذي يملك خط تلفون في المنطقة، وكنا نأتي من الطريق الجديدة لنستعمل التلفون…”.

ناس وازدحام وترامواي في أحد شوارع بيروت مطلع الستينيات (صفحة فايسبوكية قديماً).

قبل عرضه لجملة حوادث مرّت بذاكرته، تحدث العيتاني عن خط تران ثان “يأتي من فرن الشباك المتحف الناصرة (سوديكو) نزولاً باتجاه فلافل صهيون وجل النار والنور إلى ساحة الدباس، فالبرج”. قال: “هناك ينزل الركاب ويصعد غيرهم قاصدين رأس بيروت أو إلى المنارة، فيمر إلى ساحة الدباس فالبرج، فيمر الى آخر البرج وبمحاذاة البلدية شارع ويغان باب إدريس، نزولاً باتجاه شارع جورج بيكو محطة الرينو (ستاركو) صعوداً محطة حاووز الساعاتية (هوليداي إن) إلى محطة الداعوق، محطة الديك، غراهام، فالجامعة الأميركية ومخفر حبيش لغاية السفارة السعودية في المنارة…”.

في البال…

نافذة على الماضي باب إدريس (صفحة فايسبوكية “نافذة على بيروت المحروسة”).

رصد العيتاني جملة حوادث “حصلت معه منها أن حافلة كانت متجهة نزولاً من الباشورة لمنطقة السور، السائق لم يخفف من سرعتها، وعند وصولها لمكتبة أبو عصام، لم تنحرف شرقاً باتجاه البرج، بل سارت إلى الأمام حيث البورة، مكان تمثال رياض الصلح اليوم، ودهست عاملي تنظيف كانا في البورة مستغرقين في النوم”.

برأيه، أنه “من النوادر، في التران وأثناء الازدحام فيه، أحد الركاب ومن عائلة معروفة، أراه يومياً، إحتك بامرأة كانت واقفة وملاصقة به، فاعتبرته يتحرش بها، صرخت وشتمته وسببت له فضيحة جعلت بعض الركاب ينهالون عليه بالضرب والإهانات، ترك التران وهو مبهدل”.

وشدد على “أنني كنت عند قضاء نزعتي نهار الأحد، أستعمل التران حتى أصل إلى المنارة، وأتمشى قريباً من البحر لجهة الصخور مكان اللونغ بيتش، وأحياناً أقف في زاوية محددة تطل على الحمام العسكري…”.

ذكريات في البال (صفحة فايسبوكية “نافذة على بيروت المحروسة”).

وخلص الى اعتبار أنه “بسبب ركوب التران لمدة أعوام… صادفت يومياً وجوهاً كثيرة فيه، منهم فتاة كانت في السادسة عشرة تقريباً تصعد باستمرار من محطة الحرش الساعة السابعة صباحاً في وقت نزولي نفسه إلى العمل، كانت جميلة جداً، بسيطة في ثيابها، ما يدل على حاجتها للعمل، والذهاب باكراً لممارسته..”. قال: “كنت مأخوذاً بجمالها، وأنتظر وصولها للمحطة لأركب التران وأنا أراقبها، وأتمتع بجمالها من بعيد، وكانت تنزل في محطة قب الوالي، وتذهب لجهة زقاق البلاط، لا أعرف من هي، وما عملها وما اسمها، وأين تسكن، إلى أن رأيتها مساء يوم راجعة فتعقبتها وكل ما استطعت أن أفعل أني علمت أن بيتها في طلعة مستشفى المقاصد في إحدى البنايات القديمة…”.

من ذاكرة بيروت القديمة (صفحة فايسبوكية قديماً).

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel