بيروت في البال”… الوالي يصلّي الأضحى في جامع العمري الكبير وحلاّقون جوّالون يؤدّون “واجبهم” في فسحة الدار!


ساحة السبيل الحميدي ( رياض الصلح) حيث كانت تقام الاحتفالات الشعبية بالعيد( من مجموعة زياد عيتاني).

يطل عيد الأضحى ليجمع شمل العائلة وأفرادها في محاولة لاستقبال هذه المناسبة بأمل وخشوع وصلاة. لكن الزمن الجميل حمل في طيّات عيد الأضحى عاملاً أساسياً تفتقده الغالبية الساحقة من اللبنانيين وهو “راحة البال”، وهي باتت عملة نادرة في خضم الركود الاقتصادي المقلق في بلدنا.

الصلاة والمؤمنون

استقبال الوالي وتهنئته بالعيد. ( الصورة من مجموعة زياد عيتاني).

كيف كانت التحضيرات لعيد الأضحى في الزمن الجميل، وما هي أبرز المحطات للاحتفال بالمناسبة؟ الجواب الوافي هو في حديث في حلقتين، الأولى تنشر اليوم عن أهمية الصلاة وتجهيزات الأهل للعيد بين الأمس اليوم، والحلقة الثانية تنشر غداً الاثنين عن فرحة الأولاد في العيد وعادات احتفالهم في حرج العيد، واللعب في القلابات والأراجيح وتذوقهم سكاكر العيد وحلوياته، وذلك في مقابلة أجريناها مع الإعلامي والباحث في التقاليد الشعبية والتراثية زياد عيتاني الذي استفاض في شرحه عن التحضيرات في العيد وخلاله…

من البرج إلى الجامع العمري

صورة للجامع العمري الكبير (من مجموعة زياد عيتاني).

الصلاة هي من أولويات العيد. ذكر عيتاني أن المؤرخ الاجتماعي لبيروت عبد اللطيف فاخوري “وثّق عن صلاة العيد”، مشيراً إلى أنه “في الزمن الجميل وعند ثبوت العيد، تطلق المدافع من ساحة القشلة العسكرية، وتصطف الجنود صباح يوم العيد على جوانب “سوف الفشخة”، أي الطريق الممتدة من دار الحكومة -السرايا الصغيرة في ساحة البرج- إلى الجامع العمري الكبير”.

وشدد على أن “الفاخوري لحظ تفاصيل تاريخية مفادها أن “الوالي كان يتوجه بعربته يرافقه المفتي والنائب -القاضي- ونقيب السادة الأشراف، وكبار المأمورين، إلى الجامع المذكور من بابه الشمالي الذي فتح بعد توسيع “سوق الفشخة”، حيث تستقبله الجماهير المحتشدة هاتفة: باد شاهم جوق يشا (أي يعيش مولانا السلطان)”.

باحة الجامع (من مجموعة زياد عيتاني).

الوالي وتهاني العيد

وأكمل عيتاني شرحه قائلاً: “ركّز المؤرخ فاخوري أنه بعد صلاة العيد ينتقل الوالي إلى القشلة العسكرية-السرايا الكبيرة، حيث يقدم التهنئة إلى قائد الموقع، وكبار العسكريين، ثم ينتقل مع مرافقيه إلى مستشفى العساكر الهمايونية – الخستة خانه، التي أصبحت فيما بعد قصر العدل، فتقدَّم الهدايا للمرضى، ويعود الوالي بعد ذلك إلى دار الحكومة ليستقبل تهاني العيد”. قال: “قبل توسيع “سوق الفشخة” وفتح الباب الشمالي للجامع العمري الكبير، كان موكب الوالي، وفقاً لفاخوري، يتوجه من دار الحكومة سيراً على الأقدام ويدخل الجامع من الباب الغربي، وذلك لتعذر مرور العربة في الأزقة والزواريب الضيقة”.

يوم كان البيروتيون يتنقلون على عربات الخيل (من مجموعة زياد عيتاني).

وذكر عيتاني أن “الفاخوري أشار الى أن صلاة العيد كانت تقام قديماً في الساحة التي كانت بجانب السرايا، أو باب المصلى الملاصق للسرايا القديمة التي حلّ مكانها “سوق سرسق”، مشيراً الى أن “الساحة المذكورة تمتد شرقاً حتى ساحة البرج لتصل الى جبانة المصلى، وكانت تنظف ليلة العيد وترش بالماء وتفرش فيها الحصر المصرية، ويوضع فيها منبر نقّال يؤدي فيها الرجال صلاة العيد ويعايد بعضهم بعضاً، ثم يتوجهون بعدها لزيارة المقابر بعد عصر يوم وقفة العيد، أو في اليوم الأول منه”.

“تعزيلة العيد” والمعمول

ماذا عن التحضيرات اللوجستية للعيد؟ “أول ما يقمن به النساء كان تنظيف الدار خصيصاً للعيد، وعملية التنظيف هذه كانوا يسمونها “تعزيلة العيد”، وهي تختلف عن غيرها بأن تشمل البيت بأكمله بكل جدرانه ومحتوياته ومقتنياته، وذلك حتى يكون جاهزاً لاستقبال الضيوف والمهنئين بالعيد”. بعد الانتهاء من التنظيف، تأتي مرحلة إعداد المعمول”، هذا وصف كلاسيكي لتحضيرات العيد، قال عيتاني.

الأسواق مكتظة بالناس قبيل العيد (من مجموعة زياد عيتاني).

ما هي العادات القديمة التي مضى عليها الزمن؟ أجاب بحماس: “من العادات التي درجت عليها البنات والصبايا عشية العيد هو نقش كفوفهن بالحناء بأشكال فنية مزخرفة، وهي علامة عن بهجتهن بالعيد”.

ثياب العيد

جرت العادة، وفقاً لعيتاني، أن “تسهر خيّاطة المحلة طوال الليل حتى تتمكّن من إنجاز خياطة ثياب الزبائن ليرتدوها صبيحة العيد”، مشيراً الى أن لباس المرأة في ذلك الوقت عبارة عن فستان ترتدي فوقه عند خروجها من البيت “الجبّة”، أو كما كانت تسمى “الملايّة” وهي عبارة عن معطف واسع مفتوح من الأمام وله أكمام يسمى “دراعة”، إضافة الى وشاح يغطي الرأس والوجه يسمى “الفيشة”.منظر عام للسوق (من مجموعة زياد عيتاني).

وتوقف عند الرجال “الذين كانوا يقصدون خيّاطيّ “سوق البزركان” المحاذي لجامع “النوفرة”، لخياطة ملابسهم العربية في العيد”، مشيراً الى أن “أهمية هذا السوق كانت تكمن في دكاكينه المتخصصة للخياطين العربي، الذين يبرعون بخياطة القنابز والسراويل والعباءات…”، ولفت الى أنه “بعد إزالة معالم “سوق البازركان” و”سوق الأحذية”، بات شراء الألبسة الجاهزة رائجاً ولا سيما بعد تأثر بيروت بالحضارة الغربية”، مشيراً الى أن “الألبسة الفرنجية متوفرة في محلات كائنة في أسواق عدة وأشهرها “سوق سرسق” و”سوق الطويلة” و”سوق أياس”، حيث بيع الأقمشة والثياب الجاهزة يشهد إقبالاً لافتاً في المناسبات”. 

الحلاقة والطرابيش

الحلاقون الجوالون يقصون شعر الصبيان والرجال في فسحة الدار قبل العيد

“ولا تكتمل التحضيرات”، وفقاً لعيتاني، “إلا بتوجه الرجال إلى “سوق الأحذية”، أو “سوق الإسكافيه”، كما كان يسميه البعض ليفصّلوا أحذية لهم ولأولادهم قبل أن تدرج العادة بشراء الأحذية والألبسة قبل أيام قليلة من الأعياد كما الحال في هذه الأيام”.

كوي الطرابيش ( من مجموعة زياد عيتاني).

ماذا بقي بعد من التحضير للعيد؟ أجاب عيتاني: “كان على الرجال والأولاد زيارة دكاكين الحلاقين لحلاقة شعرهم”، مشيراً الى أن “بيروت عرفت في الماضي ظاهرة الحلاقين المتجولين الذين يحضرون إلى البيوت وقفة العيد، ويقومون بقصّ شعر أو حلاقة الذقن في فسحة دار المنزل…”.

كوي آخر الطرابيش (من مجموعة زياد عيتاني).

“لا تكتمل فرحة العيد”، وفقاً لعيتاني، إلا بأن “يقصد الرجال أيضاً دكاكين الطرابيش لكي يكوون طرابيشهم الخمرية اللون بشرابييها السوداء من خلال وضعها في القوالب النحاسية وإشعال النار تحتها لـ “تكبس” الطرابيش تمهيداً للاحتفال بالعيد”.

و…. العمل مستمر في كوي الطرابيش ( من مجموعة زياد عيتاني).

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*