الرئيسية / home slide / بيروت في البال”: “الطنطور” تحول حجر عثرة لطالبي الزواج بسبب كلفته الباهظة

بيروت في البال”: “الطنطور” تحول حجر عثرة لطالبي الزواج بسبب كلفته الباهظة

الطنطور (الصورة من كتاب ” الأزياء التراثية اللبنانية” للأديب القسيس).

الطنطور، من الأزياء المميزة، التي أعجبت الرحالة، وكانت دهشتهم عظيمة لدى رؤيتهم ذلك القرن الذي تزين المرأة الشرقية به رأسها.

رسم بالحبر الصيني للأمير فخر الدين للرسام الكبير مصطفى فروخ.

هذا ما جاء في كتاب “الأزياء التراثية اللبنانية، تاريخها-أنواعها – رمزيتها” لأديب القسيس. في لمحة تاريخية للطرطور أو الطنطور قديم العهد، فقد قيل، وفقاً لقسيس، “إن تاريخه يعود الى ما قبل المسيح، وذكر ابن منظور في لسان العرب أنه:” قلنسوة للأعراب طويلة”.

لبنان والفتح العربي

وأشار الى أنه “يرجح أن دخول الطرطور الى لبنان كان مع العشائر العربية ابتداء من عهد الفتح العربي، وللأميرة خاصكية زوجة الأمير فخر الدين، التي سافرت معه الى توسكانا صورة وضعت لها هناك تمثلها والطنطور على رأسها”.

رسم بالحبر الصيني للأميرة خاصكية وجة الأمير فخر الدين بريشة الرسام الكبير مصطفى فروخ.

وتوقف عند قول الدكتور لورته عن الطنطور بأنه “كناية عن قرن من الفضة، مجوف، بتزيينات منقوشة أو بارزة، يصل طوله أحياناً الى بضع أقدام، وعلى صفحته الأمامية صفاح من الذهب مرصعة بالحجارة الكريمة غير مصقولة، ويكون هذا القرن، الذي شبهه كل من يبلله وغالبير بلباس المرأة النورماندية، أحياناً متن النحاس أو الفضة أو الذهب، أحياناً أخرى من الخشب، وذلك تبعاً لمكانة صاحبته وتراثها”.

أناقة الطنطور

لفت الى أنه “كان هذا القرن الضخم، المخروطي الشكل يُركز على الرأس، وعلى حد تعبير السائح بلوندل، إما مائلاً الى الأمام، أو الى الوراء ذات اليمين او ذات اليسار، وذلك بنظره تبعاً لعادة كل قرية”.

ماذا عن أناقة الطنطور؟ برأي القسيس، “لا تكتمل أناقة الطنطور إلا بما سمي “الشمسية”، و”هي عبارة عن نقاب أو إزار، دعي أيضاً بالشنبر، كن يطرحنه فوق الطرطور ويسدلنه على الكتفين والبدن حتى القدمين، فيقيهن حر الشمس ويحجب عن العيون ما قد يكون في وجوههن من إغراء وفتنة”.

امرأة لبنانية تتزين بالطنطور (1780 -1894) الصورة من كتاب أديب القسيس.

عن ملاحظات الرحالة عن النساء والطنطور، ذكر القسيس أن الرحالة ذكروا بأنه “إذ كانت النساء، تبعاً للدكتور لورته، يثبتنه على رؤوسهن بأربعة أبازيم وبخنق من الفضة، يشبه حلقة الفك، ويركزنه على طاسة من المعدن نفسه، مطلية بالذهب، ومخرمة تخريماً دقيقاً، ويعلقن في رأسه خماراً طويلاً يسترسل بأناقة على العنق والكتفين”، مشيراً الى أن “المرأة كانت تستعين بهذا الخمار على إخفاء وجهها عن الأنظار لدى خروجها من المنزل”.

مذهّب ومرصّع باللآلئ

وتابع “قد شبه كل من السائحين ديدو ودلارواير هذا الطنطور، الذي كان يعتلي رأس المرأة، وهو مائل الى الأمام بقرن الكركدن أما دي نرفال، فقد بدت له إحدى ربات البيوت بقرنها، الذي كان يتأرجح على جبينها، وهي أشبه ما تكون بالاوزة”.

الطنطور المذهّب ورقصة الجرة في بعلبك (صفحة لبنان التراثية )

ويستكمل القسيس سرد معلومات عن القنصل هنري غيز الذي يورد وصفاً دقيقاً للطنطور، فيقول:” أما حلية الرأس، فطنطور مذهب مرصع بحجارة كريمة دقيقة تكون من ألماس ولآلئ”، لافتاً  إلى أن “هذا الطنطور، الذي يقوم مقام القبعة عندنا، هو ذو رأس حاد يبلغ طوله حوالى السبعين سنتيمتراً”.

أما المنديل الذي يشد به الطنطور حول الرأس، “فهو مرصع باللآلئ، تعلق في أطرافه نحو عشرين شريطة، وفي رأس كل منها يُعلق دينار أو قطعة من الذهب. وعلى جانبي الرأس صفيحتان من الذهب معلقتان بالطنطور تزينهما حجارة كريمة، وتتدلى هاتان الصفيحتان على الصدغين ثم تشدان حول العنق بشريطة، وتزدان كل من هاتين الصفيحتين بزهاء عشرين ديناراً ذهبياً”.

واعتبر غيز، كما نقل القسيس، “أنه لم تكن النساء تتخليّن عن الطنطور مطلقاً، لا ليلاً ولا نهاراً. لذلك كن يضطررن الى تأخير فرشهن عن جدار الغرفة، التي ينمن فيها مقدار ذراع ونيف ليستطعن النوم والطاسات على رؤوسهن”.

في النوم..

في شهادة أخرى للورته، نقل القسيس أن هذا الأخير كان يعتبر أن “الطنطور عذاب حقيقي وخصوصاً في الليالي الحارة”، مشيراً الى أن “النساء اللواتي يلبسنه كن يستخدمن لنومهن قطعة من الخشب صغيرة، وفي شكل وسادة، لما قد يحدث في جهاز زينتهن من التشويش الذي يصعب عليهن إصلاحه في ما بعد…”.

وشدد على أن الطنطور دخل في نمط عيش المسيحيات والدرزيات “حيث بقي حتى أواسط الأربعينات من القرن التاسع عشر مع إختلاف بسيط في التزيين، على حد تعبير القنصل غيز، إذ ذكر أن عادة استعمال الطنطور ترجع الى الدروز، والملاءة الى مسيحيي كسروان، ثم ما لبث أن اتبع القسم الأكبر من هؤلاء، وعلى الأخص اللواتي يقطن البلدات الدرزية، عادة لبس الطنطور”.

لباس الطنطور في قلعة بعلبك (موقع صور قديمة من لبنان).

حظر لباسه

برأيه أن “المهم أن الأميرات وزوجات المشايخ والأشراف يلبسن طناطير من ذهب”، مشيراً الى أن ” اللواتي يتعاطين الحرف، فطناطيرهن من الفضة يُحلى قسم من مقدمتها بالذهب…”.

متى بدأ لباس الطنطور يتراجع؟ ذكر القسيس أنه “بعد حوادث عام 1845، بدأ يضمحل لباس الطنطور… وتحول حجر عثرة لطالبي الزواج بسبب كلفته الباهظة، مما دفع الكثير من قادة الرأي الى المطالبة بالتخلي عنه”، مشيراً الى أن ” رجال الدين المسيحيين كانوا في مقدمة من نادى بتركه، وأصدر البطريرك الماروني يوسف حبيش أمراً بتحريمه، وتجند المطران طوبيا عون رئيس أساقفة بيروت لمنعه ضمن نطاق أبرشيته…

اللافت، وفقاً لقسيس، “منذ ذلك الوقت بدأ لبس الطنطور يتراجع، وأصبحت قلة من النساء تستعملنه على رؤوسهن وقد اكد الكونت دي باراديو هذا الرأي”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel