الرئيسية / أضواء على / بيروت في البال: الشّروال سحر الشرق والغرب، طوله رمز للرفاهية ولونه رسالة لمن يحتذي

بيروت في البال: الشّروال سحر الشرق والغرب، طوله رمز للرفاهية ولونه رسالة لمن يحتذي

صورة من ذاكرة بيروت الجميلة.

إذا تصفحنا صوراً قديمة من أرشيف الذاكرة اللبنانية والعربية، نلاحظ بوضوح دور “السروال” أو “الشروال” كزيّ رئيسي عند العامة، ولا سيما في بعض أعمال الرحابنة ومنها “سفر برلك” مثلاً، وصولاً إلى شخصية أسعد، الذي قام بها الممثل القدير عبد الله حمصي في برنامج بعنوان “صبحك بالخير ستنا بيروت”، والذي بثّه تلفزيون لبنان، وشخصية أسعد المعروف ببساطة إبن الضيعة، الذي ينزل بسرواله وطربوشه لاكتشاف بيروت المدينة. كما عُرف السروال كظاهرة “توغّلت” في القصص القديمة التي كنا نتصفحها في الروايات الخيالية المقتبسة بشيء من الواقع. “النهار” سألت الإعلامي والباحث في التراث الشعبي الإعلامي زياد عيتاني عن تاريخ السروال وتطوره في المنطقة.

“هو سحر الشرق الذي سمع عنه الغرب من خلال حكايات ألف ليلة وليلة”، قال عيتاني في بداية لقائه مع “النهار”. وذكر أنه قيل “إن أصل اللفظ آرامي، وبعضهم رأى أنه من الكردية انتقل إلى العرب بواسطة الفرس الذين عُرف عندهم باسم “الشلوار”، وعُرِّب باسم “شروال” أو “سروال”.

من الزاوية الدينية، أكد عيتاني أنه “ورد ذكره في التوارة (سفر الخروج 42:28)”. وأشار إلى أنه “جاء في صحيح البخاري أن النبي محمد أشار على الحجاج باستبدال السراويل بالإيزار، ما يؤكد أنه كان قيد الاستعمال أيضاً في العهود الإسلامية الأولى”.

أصله وفصله

ثنائي من الجيل القديم.

وعرّف عيتاني “الشروال” بأنه “لباس ستر النصف الأسفل من جسم الرجال، وهو عبارة عن بنطال واسع، عُرف منذ أيام الأيوبيين والمماليك والعثمانيين”. أضاف: “إن البعض اعتبره زيّاً خاصاً بحوض البحر الأبيض المتوسط، والبعض الآخر اعتبره زيّاً فارسياً دخل إلى العرب أثناء الخلافة العباسية”، مشيراً إلى أن “أكثر الباحثين يجمعون أن “الشروال” لباس شرقي أصيل عُرف منذ أقدم الأزمنة، مع الإشارة إلى أنه زيّ يظهر أيضاً في باكستان وإيران والصين والهند”.

“ستّ كروزة” و”شروان” الفرسان

صورة تذكارية .

“رغم أن “الشروال” كان زيّاً شعبياً، إنما تصميمه كان يختلف بحسب الطبقات الشعبية”، قال عيتاني في تعليقه على انتشار هذا الزيّ بين طبقات اجتماعية عدة. وشرح أن “شروال” العلماء والأثرياء وكبار التجار كان طويلاً يكاد يلامس الأرض، ما يدل على الرفاهية وسعة العيش، ويكون غالباً من الحرير “ستّ كروزة” صيفاً، ومن الجوخ الفاتح اللون شتاءً، وهو مطرز لدى الأغنياء على جانبه بالحرير المقصب”. أما “شروان” الفرسان، وفقاً له، “فكان أسود اللون مثبتاً بواسطة “شملة” توضع فيها “الغدّارة” و”اليطقان”، أي السيف الصغير العريض والمستقيم”.

اب يلبس الشروال والطربوش مع ابنه الصغير بتذوق الكعكة.

ووثّق عيتاني ما تناوله الرحّالة الأجانب الذين زاروا بلادنا منذ القرن السادس عشر في هذا السياق، مشيراً إلى أن “أهلنا كانوا يلبسون في الصيف “شراويل” بيضاء كالثلج واسعة تنزل حتى كعوبهم، وهم يتخذونه إما من الجوخ أو من الخام البلدي، ومنهم من يطرزه بالحرير الأحمر والأصفر على جيوبه وأطراف رجليه”.

“دكّة الشروال” ونوعان آخران

في بيروت ” ايام الزمن الجميل”.

وانتقل عيتاني إلى ثلاثة تصاميم أساسية في الشروال، مشيراً إلى أن “النوع الأول تكون رِجله رفيعة تكاد تلاصق الجسم ابتداء من الركبة وحتى القدم، أما الجزء العلوي الممتد من الخصر حتى الركبة فهو واسع جداً بحيث يتدلى الجزء الخلفي من الشروال”. قال: “يُثبَّت السروال على الجسم بواسطة حبل أو خيط مجدول رفيع طويل وقوي موضوع داخل الجزء العلوي للحزام، ويُعرف شعبياً باسم “دكّة الشروال”، والخيط يوضع بداخله أو يتدلى من خلال فتحتين تبدآن من الأمام، حيث يتدلى من فتحتيهما أمام منطقة الوسط أو الخصر”. وشدد على “أنه يُصنع من قماش التفتة، أو التوبيت الأبيض أو الأسود، ولكن اللون السائد هو الأسود، ويوجد في الشروال المطرز من الأسفل، ويربط عليه حزام يعرف بالشملة، والشروال له جيبان على جانبيه”.

أما النوع الثاني للسروال، وفقاً له، “فهو يشبه الشروال في شكله العام، إلا أنه أضيق “وليّته صغيرة”، بحيث تعطي حرية في الحركة، وفي الغالب لونه أبيض، له فتحتان على جانبي أرجله من الأسفل، يطرز عليهما بعض الوحدات الزخرفية”. وتوقف عند النوع الثالث والأخير وهو عبارة عن اللباس، وهو مثل السروال ولكنه “بدون ليّة”، ويصل طول ساقيه إلى الحد الأعلى من الركبة، وهو واسع نوعاً ما عن الجسم” .

في عالم الموضة العالمية 

الصيادة بالشروال والطربوش ( من مجموعة المهندس نبيل إسماعيل).

برأيه، “رغم أن “الشروال” لم يعد زياً معتمداً إلا نادراً في عالمنا العربي، فإنه وبفضل المصممين العالميين من عرب وأجانب الذين أدخلوه في تصاميمهم، عادت موضته لتدرج من جديد خلال الأعوام الماضية، إلا أنه فقد بُعده التراثي والشعبي، ليكتسب بالمقابل العالمية”. وتابع تقديم أهميته على مرور الوقت مشيراً إلى أنه “تسلّل مع مرور الزمن إلى عالم الأزياء ليحتل حيزاً كبيراً في تصاميم كبار المصممين العالميين الذين رأوا فيه قيمة مضافة وجمالية إلى إبداعاتهم، فالزي التراثي الشرقي التقليدي أولته دور الأزياء العالمية اهتماماً خاصاً، حيث باتت اللمسات الشرقية تجتاح في وقتنا الحالي واجهات المحلات في عواصم الموضة العربية”. وختم قائلاً: “لعل من أبرز هذه المظاهر دخول “الشروال” تصاميم كبرى دور الأزياء العالمية، الذي سرعان ما لفت الإنظار وشد الإنتباه، حتى أصبح الأسلوب الشرقي نهجاً يعتمده كبار المصممين في عواصم الموضة”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

الصور من مجموعة كل من الإعلامي زياد عيتاني والمهندس نبيل إسماعيل. 

اضف رد