الرئيسية / home slide / بيروت على مشارف زمن بناء الجامعة الأميركية

بيروت على مشارف زمن بناء الجامعة الأميركية

هنا لبنان
أوراق لبنانيّة – يوسف ابراهيم يزبك
10032021



قصر المدوّر في منطقة المدوّر – 1864
تراث بيروت Beirut Heritage

بيروت ذلك الزمان لم تكن بيروت . ففي ذلك الزمان كانت منطقة المنارة حيث الجامعة الأميريكية اليوم صحراء مقفرة تعرف باسم الراس. أما الدرب الى تلك البريّة النائية فضيّق ومقفر لا يجرؤ الإنسان أن يسير عليه وحيدًا.

لما عرف الناس أن المبشرين الأميركان سيبنون كلية في الراس قالوا عنهم أنهم سوف يسكنون بين الواوية.

كانت بيروت القديمة في أواسط القرن التاسع عشر قرية كبيرة متلاصقة البنيان، ذات ممرّات ملتوية وازقّة مظلمة ودروب ضيّقة يحيط بها سور متداع. ولكن بعد جلاء الجيوش المصرية عنها عام 1840 بدأت تمتد خارج بواباتها السبع، وتتسع في محلات متباعدة حتى تألفت مع الأيام أحياء صارت اليوم عتيقة.

كانت البيوت تنار بأسراج زيت الزيتون، وتنقل إليها مياه الشرب على الظهور في قُرَب من الجلد وجِرار من الفخار . أما مياه الخدمة المنزلية فتُسحب من الآبار المحفورة داخل البيوت.

عمّرت أحياء المصيطبة ومار متر وزقاق البلاط والأشرفية  والمدوّر وما إليها بين بساتين التوت التي كانت في القرنين السابع عشر والثامن عشر تحيط ببيروب وتمتد حولها مسافات بعيدة جدًا وبينها كروم العنب  والتين والزيتون وشجر الجميز والزنزلخت.

وجميع الأحياء التي عمرت على بعد كيلومتر  أو أكثر عن المدينة عدّت  “ضواحي”  . وكانت الطرق إليها رمليّة ضيّقة مسيّجة من الجانبين بالصبّار أشهى الأثمار البلديّة في ذلك الزمان. فأما مواصلاتها فعلى البهائم وأكثرها الأمهار والحمير السود والبيض وأقوى هذه وأحسنها : القبرصيّة.

وسمِعتُ من المعمّرين الذين عاشوا تلك الأيام نوادر طريفة عن حميرهم وسباقاتها  وشهيقها ولا سيما إذا كانت تلتقي في الدرب . وكثيرًا ما دارت معارك بينها فوقع عنها ممتطوها وأحدثت غبارًا يعمي الأبصار.

ونمت تلك الضواحي لا سيما المسيحية منها نموا سريعًا إذ نزلها كثيرٌ من الأجانب تجارًا ومرسلين و قناصل ومن اللاجئين الذين فروا من الشوف ودمشق على أثر فتنة الستين التي نفخ المستعمرون في نارها وقدّموا اللبنانيين وقودًا لها.

كان يطلق على أبناء الضواحي إسم ” أولاد البريّة” وهم قوم شديدو الشكيمة لهم بنية حديديّة، فرسان من الطراز الأول متمسكين بفروض الدين، مسيحيين ومسلمين ، لا يعاشرون أصحاب الموبقات وكانوا إذا ما ذهبوا الى داخل الأسوار قالوا رحنا عاالمدينة وجينا من المدينة…

وفي مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان عدد سكان المدينة بجميع محلاتها يقدر بأربعين ألفًا ، بلديين وأجانب، يرتدون بأكثريتهم الساحقة الملابس العربيّة والنساء جميعهن محجبات . والمسيحيات يضعن الإزار الأبيض على رؤوسهن ويدخلن الكنائس من أبواب خاصة ويقفن منعزلات عن الرجال وراء السُّجوف والشعريات.


من تلك المحلات الجديدة يومها حي زقاق البلاط  وقد إمتاز بطابع أرستقراطي إذ شمخت فيه قصور بعض الأسر الوجيهة وحولها بيوت متواضعة لأفراد ينتمون عصبية أو إستخدامًا الى أرباب تلك القصور. وإمتاز على الأخص بأنه مبعث إشعاع العلم والمعرفة في جميع الشرق إطلاقا إذ قامت فيه المدرسة الوطنية لمؤسسها المعلّم بطرس البستاني (1863) ، ومدرسة المرسلين الأميركيين (الكلية السورية الإنجيلية، موضوع مقالنا). وبقرب المدرسة الوطنية الى الغرب قامت مدرسة  راهبات الناصرة والى الغرب منها مدرسة مار يوسف الظهور. وقريبًا من زقاق البلاط الى الشرق المدرسة البطريركية . وما لبثت أن انتقلت الأميركية الى راس بيوت ومدرسة الناصرة الى الأشرفيّة.


قصر حنينه – زقاق البلاط 1893
تراث بيروت Beirut Heritage

أما القصور والبيوت الكبيرة التي بنيت في زقاق البلاط فأجملها على الإطلاق القصر الذي بناه يوسف جدَي وقد قال عنه إبراهيم اليازجي بأنه أجمل دار في “الأقطار الشاميّة” وقد بُني الدار عام 1862 كما جاء شعرا في تاريخ بنائه. ويرجّح أن قسما من بقايا قصر جدي هو جزء من حرم مدرسة مار يوسف الظهور .

أما الأسر الوجيهة التي عمّرت في زقاق البلاط فكثيرة من مختلف المذاهب وكانت إثنتان منها تتنافسان على الحكم والزعامة. إحداها أسرة بيهم  وتشكل هي وبيت الحص فرعين من عائلة العيتاني الكبيرة العريقة المغربيّة الأصل . وأسرة حمادة السنّيّة المصريّة الأصل، الصغيرة بعدد أفرادها والخطيرة بثروتها ونفوذها.


قصر موسى دو فريج 1890
تراث بيروت Beirut Heritage
(يتبع)