الرئيسية / مقالات / بيروت عاصمة بلاد الشام

بيروت عاصمة بلاد الشام

أحمد الغز

اللواء
09102021

   شعوب بلاد الشام تعيش حالة من المراجعة الذاتية القصرية الشديدة القسوة بعد عقود من تغليب الاوهام الوجدانية على الحقائق الواقعية، تبدأ المراجعة من اوهام الثورة العربية قبل مئة عام الى اوهام حنان الانتداب والمستعمرات المستقلة، الى اوهام تأسيس الجامعة العربية والامم المتحدة وشرعة حقوق الانسان، الى نكبة فلسطين ومذلة اللجوء والشتات واوهام الثورات والاحلاف ودولة الوحدة والانفصال والانقلابات والنكسات وتوسع الاحتلالات، الى حروب التحرير الشعبية والمنظمات المسلحة على حساب سيادة الدولة والكيان، الى ايلول الاسود والنزاعات الاهلية المسلحة والاجتياحات والاحتلالات، الى الثورات الاسلامية ومختبرات دول المحيط على حساب دول الجوار الى حروب الخليج وعواصف الصحراء واوهام السلام الى الفوضى الخلاقة وتفكيك المجتمعات وربيع الاوهام والشعب يريد اسقاط النظام الذي جعل من السلطة الوطنية الفلسطينية الهشة والممزقة النموذج الامثل للسلطات الوطنية المنقوصة السيادة في سوريا والعراق ولبنان

بيروت عاصمة بلاد الشام الخلاقة والمتجددة قبل ان تتجرع مرارة الغدر والقهر والطغيان بعد ان فتحت بيروت بيوتها ومدارسها وجامعاتها ومستشفياتها واسواقها وفنادقها وشوارعها ومسارحها وصحفها ومطابعها وناشريها وشاشاتها ومنابرهاومنتدياتها وجبالها وشواطئها ومرافئها لكل عشاق الحرية والتقدم والازدهار، وتشاركت بيروت مع شعوب بلاد الشام احلامهم في الانخراط بالعالم الكبير وتكوين الجمعيات المدنية والاحزاب والتيارات اليمينية واليسارية والتموضع مع الكتل الشرقية او الغربية وتصديق اكاذيب حماية الحريات الفردية او الدفاع عن حقوق المسحوقين من الطبقات وذلك قبل سقوط جدار الفشل وتمزيق الاقنعة عن وجوه الكبار وتجرع شعوب بلاد الشام السوداء مرارة الخيبات. 
شعوب بلاد الشام السوداء لهم مع بيروت قصص وروايات من احتضان الشتات الفلسطيني وكلفته العالية التي تفوق الخيال على مدى عقود طوال ولا تختصر ببعض الكلمات، وبيروت احتضنت نخب بغداد والنجف وكردستان والاهواز وشرعت الابواب لابداعاتهم وطموحاتهم ومعارضاتهم وتحملت معهم مرارة الاحتلال والتحولات، وبين بيروت ودمشق قصة اجيال واقدار وتداخل وتفاعل وقصائد وغناء وسنوات من الصمت والكتمان والعض على الجراح، وبقيت بيروت الجوار الآمن لعموم السوريين يوم فقدوا الامان، وبيروت لا تزال تحتضن اوجاع شعوب بلاد الشام رغم تغول المستعمرين الكبار وحماقة المستكبرين الصغار على اوجاع وسكينة شعب لبنان. 
يتميز الشعب اللبناني بانه تجرع باكرا مرارات تجربته الوطنية وتجرع معها مرارات تجارب كل شعوب بلاد الشام يوم اصبحت بيروت عاصمة الاحلام والتجليات والخيبات والانهيارات العربية والمشرقية والاشتراكية والرأسمالية، يوم اختبر في بيروت جدوى اثارة النعرات الدينية والمذهبية والقبلية والعرقية التي بددت اوهام الدولة الانصهارية السيادية وشرعت السلاح الاهلي على حساب السلاح الشرعي، واختبرت في بيروت قوة التغيير بالاغتيالات السياسية والعقائدية والدينية والإعلامية، وهنا اختبروا كيف يقتل الاخ اخاه وكيف تسود شريعة الغاب على حساب القيم وقواعد الانتظام. 
 منذ ايلول الاسود عام ٧٠ وبيروت تواجه موجات الاحقاد السوداء التي تستهدف ريادة روادها وارادتهم في التغيير والتقدم والازدهار والتنعم بالحريات السياسية والاعلامية والفكرية الحقيقية، والتعمق في معرفة العالم من دون توهم او إلتباس، لكن الاحقاد السوداء جعلتهم يتذوقوا اوجاع الدمار والقتل والتهجير وخطوط التماس والاحتلال والوصايات والانهيارات، واحد وخمسون عاما وبيروت تدمر وتغتال وتحبط وتقسم ثم تنهض وتسامح وتتوحد وتتجدد باعتبارها عاصمة الدولة الحلم ومدينة الانصهار الوطني، ومع اجتماع القاهرة وعمان وبغداد ودمشق من جديدة حول بيروت كنقطة ضوء في نهاية النفق المظلم الذي دخلت فيه بلاد الشام السوداء منذ ايلول الاسود حتى الان فهل تعود بيروت عاصمة بلاد الشام الجديدة . 
ahmadghoz@hotmail.com