الرئيسية / home slide / بيروت تقاوم الاحتضار الرسمي بالنشاط الثقافي الأهلي

بيروت تقاوم الاحتضار الرسمي بالنشاط الثقافي الأهلي

مسارح وسينما ومعارض تشكيلية تعيد ألق المدينة على الرغم من الدمار المادي والنفسي

فيديل سبيتي  الجمعة 25 مارس 2022 15:31

مقهى في شارع الحمراء بريشة الرسام أمين الباشا (صفحة الرسام  – فيسبوك)

في العاصمة اللبنانية بيروت، قد لا تجد وقوداً لسيارتك أو بعض المواد الغذائية على رفوف الدكاكين، لكن سيمكنك مشاهدة مسرحية أو زيارة معرض للرسوم في غاليريهات كثيرة، كما ستصادف فيلماً سينمائياً جديداً لتستمتع به في دار السينما أو مهرجاناً للأفلام أو الموسيقى يقام في مكان ما من الأمكنة الثقافية البيروتية الكثيرة، ولا بد من أنه بإمكانك المشاركة في أمسية شعرية أو موسيقية، ما يبدي المدينة وكأنها تعود إلى الحياة من تحت الركام، كما قمح الإهراءات المدمّرة في مرفأ بيروت الذي أنبت سنابل في محيط الانفجار بعد سنتين من تدميره.

الثقافة الأهلية لا تموت

دائماً ما تجد بيروت مخرجاً من موتها عبر الثقافة، وكأن مجالات التعبير الثقافي وحدها التي لا تنضب في تلك المدينة المنهكة والمتمايلة من التعب والآيلة إلى السقوط، ولكنها لا تسقط.

في بيروت، تجد الصراع الثقافي أيضاً، فالثقافة هناك على قياس السياسة أو تتولّد منها وتنتشر بحسبها، فيمكن لمعرض بيروت الدولي للكتاب، الذي توقف لمدة عامين متتالين، أن يضم في مركزه عند افتتاحه بالسنة الثالثة مجسماً لقاسم سليماني، قائد الحرس الإيراني السابق، وفسحة واسعة له فقط، ما استدعى خلافاً داخل المعرض بالأيدي والأرجل على الطريقة اللبنانية بين من يريد لبنان المستقل المحايد، ومن يريد مدّ السياسة الإقليمية الإلهية إلى الثقافة اللبنانية العامة أيضاً، وليس داخل جماعته واجتماعه فقط.

مشادة بالأيدي تعبّر عن وضع الثقافة والمعرض اليتيم والمهلهل لشدّة فقره في الكتب والمشاركين ودور النشر والزوار، مع ملاحظة غياب أبرز الدور الأدبية اللبنانية والعربية، التي كانت من نواة معرض بيروت الدولي للكتاب في دوراته السابقة، مثل دار الآداب والساقي وهاشيت أنطوان والتنوير والجمل والمدى وسرد وضفاف والدار العربية للعلوم ومؤسسة الجديد، وهي أبرز الدور التي تطبع الروايات العربية والمترجمة والكتب الأدبية.

barzakh_hamra_5.jpg

مقهى برزخ الذي تحول مركزا ثقافيا (صفحة المقهى – فيسبوك)

ومن ضمن التنويع الثقافي، الذي يدور في فراغ المدينة، يمكن لبيروت أن تحتضن أسبوع “أيام الفجر الثقافي”، الذي حضر من أجله وزير الثقافة الإيراني إلى بيروت في أواخر شهر فبراير (شباط) الماضي، وكان في استقباله في المطار وزير الثقافة اللبناني محمد مرتضى والسفير الإيراني ومسؤولون في “حزب الله” اللبناني، وجرى هذا الأسبوع الثقافي بالتوازي مع فعاليات ثقافية مضادة تماماً في مناطق أخرى من بيروت، تلك التي تطالب بكفّ يد النظام الإيراني وأتباعه عن الثقافة اللبنانية، أو الفعاليات الثقافية، التي تحمل هموم الحرية والعلمنة وتطوير الثقافة اللبنانية لتواكب العصر، وكأن الصراع الذي ينزل من السياسة يهبط على الثقافة أيضاً، وبطبيعة الحال، فكلاهما مربوطان ببعضهما، والثقافة سياسة كما السياسة ثقافة في أحيان كثيرة أيضاً.

فنون على مدّ العين… لا اليد

في بيروت، عروض الغاليريهات كثيرة لرسامين لبنانيين وغير لبنانيين كانوا قد أُجبروا على البقاء في مشاغلهم ومراسمهم طيلة فترة جائحة كورونا، والجوائح اللبنانية الخاصة بعد انفجار المرفأ، الذي دمّر عشرات الغاليريهات، التي كانت تنتشر في شارعَي الجميزة ومار مخايل، أي منطقة انفجار المرفأ التاريخي والعظيم، والذي دمّر آخر تعبيرات بيروت عن نفسها، أي كونها مرفأ تلاقي الشرق والغرب عبر شرق المتوسط.

لكن على الرغم من كل الدمار المادي والنفسي، تحاول بيروت بثقافتها وأماكنها الثقافية، وعلى رأسها الغاليريهات، استعادة ألقها وبريقها سريعاً لتعود إلى العرض، فكثرت معارض الفنون التشكيلية وظهرت دفعة واحدة خلال الشهرين الماضيين. كل التشكيل الفني في هذه المعارض يتناول هذه الفترة من الأزمات المتلاحقة في لبنان والعالم، وفي نفوس أهل البلاد التي حاول الفنانون عرضها في لوحاتهم وتشكيلاتهم، كإطلالة على نفس الفنان الذي يُفترض أنه يمثّل نفوس كل الذين سيأتون لمشاهدة معرضه، كمرآة لما في نفوسهم.

معر.jpeg

معرض بيروت للكتاب وصورة سليماني التي أحدثت مشكلة (الخدمة الإعلامية للمعرض)

هناك معرض شوقي يوسف، الذي خطّ على لوحاته قصائد للشاعر اللبناني جوزيف عيساوي في محلة مار مخايل، ومعرض آني كوركدجيان في “Lt Gallery”، وآخر لفاطمة الحاج في غاليري “مارك هاشم”، وعرض ديما رعد faces in a row في “غاليري كاف”، ومعرض درويش شمعة (من مواليد 1981) تحت عنوان “ذكريات بيروت”، لدى “غاليري شريف تابت”، وأقام غاليري أليس مغبغب بين بيروت وبروكسل عرضاً لأعمال حديثة لستّ فنانات هنّ إيتيل عدنان وجانين كوهين وهدى قساطلي ومالغورازاتا باشكو وكليمانس فان لونين ولي واي.

كما أُقيم معرض للوحات ديجيتال لسمير الصايغ ومحمد الروّاس وحسين ماضي في غاليري “صالح بركات”. وبعد انقطاع طويل عن العرض في لبنان، عاد الرسّام جورج ندرة من باريس إلى بيروت عبر غاليري “92 داون تاون”، وأقيمت معارض في متحف قصر بسترس الذي أُعيد بناؤه بدعم من مؤسسات كثيرة جهدت للحفاظ على هذا القصر البيروتي القديم، الذي استطاع أن يفرض حضوره عالمياً بمعارضه الكثيرة والعالمية والمنتقاة بجدّية، قبل أن يصدّعه انفجار مرفأ بيروت القريب في 4 أغسطس (آب) 2020. 

طائر الفينيق المتردد

إلى جانب الرسم، دعت المكتبة العامة لبلدية بيروت إلى قراءات شعرية بمركزها في 21 مارس (آذار) الحالي، لنصوص لا تتخطى مدة قراءتها خمس دقائق، بالعربية والفرنسية والإنجليزية. ويواصل نادي “برزخ”، وهو مكتبة عامة ومسرح ومقهى افتتحه الفنان منصور عزيز في شارع الحمراء، نشاطاته شبه اليومية بهدف إعادة الحياة الثقافية إلى سابق عهدها في هذا الشارع، الذي أدت الأزمة الاقتصادية إلى خفوته. والشعر لا يتوقف في بيروت، سواء في السهرات الثقافية أو الصالونات المنزلية أو الحانات والمرابع.

شوقي.jpg

المقاومة بالفن : لوحة عن انفجار المرفأ للرسام شوقي شمعون (صفحة الرسام – فيسبوك)

وإضافة إلى الرسم والشعر، هناك الموسيقى في حانات “رواق” و”ناو” و”البارومتر” بشكل يومي تقريباً لفرق جديدة من الشباب الذين يعبّرون من خلال أغانيهم عن تطلعاتهم وآمالهم، لكن ليست الأغاني وحدها التي تُحتسب هنا، بل الحراك العام الذي تتركه الموسيقى في فضاء بيروت، وتعيد من خلاله فرحاً ناقصاً عن المدينة، وبعض السرور والأمل لدى مثقفيها وحالميها. أما في المسرح، فما زالت مسرحية يحيى جابر “تعارفوا” في عروضها، وكذلك مسرحية زياد عيتاني في مترو المدينة في شارع الحمراء، ومسرحيات الشباب وفرقة زقاق في مسرح دوار الشمس. والعروض السريعة في مسرَحي المدينة ومونو.

إذاً مشكلة الثقافة البيروتية لا تبدو معقدة. ومقولة طائر الفينيق تنطبق على بيروت، ليس في لحظة عودته من الموت بعد احتراقه، بل في اللحظة التي سيعود فيها إلى الحياة، ولكنه لا ينجح بذلك، فتبقى محاولاته حثيثة من دون أن تنتهي إلى العودة، هذه حال بيروت الثقافة، التي أثخنتها جراح الأعوام الماضية، لكن قيام بيروت الثقافة لا يعني قيامة بيروت نفسها، فالثقافة تصارع من أجل الحياة في مكان شبه ميت، ناسه مثقلون بهموم معيشتهم اليومية، وفي قلق المقبل من الأيام، وهذا ما تخفّفه الثقافة، ولكنها لا تقضي عليه.