بيروت تستحق المخاطرة

أحمد الغز
اللواء
05102019

 حجم الخط تعرضت فكرة الدولة المركزية اللبنانية لاستهدافات ممنهجة هذا الصيف، بداية من قبرشمون وإيقاظ الماضي القديم الجديد مع محاولة الاحياء المقنع لتحديات لبنان الصغير، وصولا الى زعزعة مؤسسات الدولة المركزية عبر استهداف الجيش وقيادته والمؤسسات الأمنية الضامنة للانصهار الوطني ووحدة الكيان، ثم استهداف حاكمية مصرف لبنان والاستقرار المالي والنقدي، الى استهداف رئاسة الحكومة وبيئتها الوطنية، وتلك العمليات استهدفت فكرة الدولة الوطنية المركزية وبالتزامن مع تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا ومشاريعها الفيدرالية وصولا الى التحركات العراقية والتي تطالب بتعزيز الفيدرالية العراقية.
إن استهداف مؤسسات الدولة المركزية المتمثلة برئاسة الحكومة والجيش وحاكمية مصرف لبنان كانت الغاية منه صناعة أزمة كيانية تنطلق من فكرة تغيير النظام ومصادر الدخل والإنتاج بعد انتهاء وظيفة لبنان كاحدى ساحات الصراع البديلة وبناء نظام جديد قائم على اعتبار الثروة النفطية البحرية مصدر دخل بديل للكيانات الساحلية، واعتبار موارد اعادة اعمار سوريا من لبنان حق حصري لبعض المكونات للتعويض عن خسائرها بامتيازات اقتصادية في سوريا مما يستدعي صياغة كيانات في المناطق الحدودية مع سوريا في البقاع وعكار.
ان بيئة رئاسة الحكومة في بيروت وطرابلس وصيدا والأطراف تشكل عائقا حقيقيا وتاريخيا امام فكرة الدولة الفيدرالية، وذلك بسبب التكون الوجداني لهذه البيئة وعدم وجود كيانية مذهبية، لانها مجتمعات مدينية منفتحة على الآخر وحاضنة للتنوع الطائفي والفكري للمجموعات والأفراد في إطار المواطنة. ولا تزال بيئة رئاسات الحكومات المانع الطبيعي لعدم طرح فكرة الدولة الفيدرالية بشكل علني، بالاضافة الى الذكريات السيئة لدى عموم اللبنانيين في كافة المناطق ابان الحرب الأهلية مع المليشيات من قمع واستبداد داخل كل طائفة.
تدرك القوى الفيدرالية من مكونات السلطة ان العودة للانتظام والانصهار في الدولة المركزية دونها شروط بالغة الدقة والوضوح، وتدرك هذه المكونات انه من غير الممكن الاحتفاظ بقوتها القاهرة والاستثنائية بعد التحول من النزاع الى الانتظام، وان القوة الرديفة للدولة مانعة لقيام الدولة وفاقدة لاسباب الحياة والاستمرار، وهذا ما دفع قوى الفيدرالية المقنعة الى تحريك الأزمات والاستهدافات وكان آخرها محاولة تفكيك بيئة رئاسة الحكومة في بيروت وطرابلس على اساس خلق بيئة مذهبية طائفية في الشمال حيث الأكثرية، وتشتيت بيروت المدينة وسقوطها لتصبح بدون خصوصية او هوية مجتمعية كعاصمة فيدرالية.
العراق الان دولة فيدرالية ومنذ الاحتلال، وسوريا بعد الدستور ستكون الدولة السورية الفيدرالية، واسرائيل بعد ضم الجولان والقدس والضفة وغور الاردن ومع نموذج الكتلة العربية في الكنيست فان اسرائيل تسعى لتكوين دولة فيدرالية بنواة يهودية صلبة مع حزام من الكانتونات المنزوعة القوة، وبذلك تصبح اسرائيل اكبر دولة في المشرق والدولة المحورية في منظومة جنوب غرب اسيا او دول (الأسكوا).
اعرف جيدا خطورة هذه المقاربة على المستوى الشخصي، لانها تضع عملية الحراك والترويج للتغيير الحكومي امام حقيقة منطلقاتها وأهدافها، لان الجميع يعرفون استحالة تشكيل حكومة سياسية من المكونات ذاتها بسبب العقوبات والتحديات الأمنية والشروط الدولية، واعرف ايضا خطورة وضع الأمور في نصابها في زمن التيه اللبناني الكبير، وهنا تأتي أهمية الحفاظ على بيروت الوحدة الوطنية ومدينة الحريات والاحلام والإبداعات والإنجازات والتضحيات والعيش بسلام بعيدا عن تسلط الطوائف والقبائل والعصبيات، وبيروت عاصمة التنوع والتجدد تحتاج الى نخبة وطنية استشرافية تؤمن بكل ثقة وحرية ان بيروت تستحق المخاطرة.

ahmadghoz@hotmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*