بيروت القديمة بعيون زوارها الأجانب

 

حسن الساحلي
المدن
السبت10/06/2017

كرس المعرض حيزاً واسعاً للرسائل المكتوبة على البطاقات البريدية (منصور ديب)

يحاول معرض “زوروا بيروت” “ز، المستمر حتى أيلول 2017 في متحف سرسق، رؤية المدينة بعيون زوارها الأجانب في العقود الأخيرة من القرن التا سع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، عن طريق وسائط متعددة، منها البطاقات البريدية التي تحمل صوراً أو رسومات تظهر بعض معالم المدينة، الكتيبات السياحية وقصص الأسفار (مثل ستة أشهر في الشرق لبوتو دوليماس 1851 – 1852)، التي تصف المدينة وتعدد الفنادق الموجودة فيها والفئات التي تنتمي إليها، الرسائل الموجودة على خلفية البطاقات البريدية، التي يعود قسم منها إلى سياح وجنود فرنسيين عاشوا في بيروت، أو زاروها من ضمن رحلاتهم بين مناطق سيطرة الجيش الفرنسي.

أول ما كان يراه الزائر قبل وصوله إلى مدينة بيروت، وفق كتيب المعرض، كان قمم صنين الدائرية التي يكسوها الثلج في الجزء الأكبر من العام. وقد حظيت باستحسان المصورين الفوتوغرافيين في تلك الحقبة وعشقتها عدسات كاميراتهم. ثم عند وصول السفينة إلى مياه المرفأ، تحيط بها المراكب التي تأتي لنقل الركاب وحقائبهم، ثم يصل ممثلو الفنادق ووكالات السفر، الذين وفق الرحالة دوليماس، يرتدون ثياباً في غاية النظافة والترتيب، ويتحدثون الفرنسية والإنكليزية بطريقة سيئة.في إحدى صفحات كتاب دوليماس، الذي وصل إلى بيروت في شتاء العام 1851، يخبر تفاصيل مروره في المدينة خلال رحلته إلى دمشق. فبعد وصوله إلى المرفأ وعثوره على صاحب فندق “بيل فو” ، نقله الأخير عبر مركب تابع للفندق إلى خليج السان جورج لإمضاء الليلة. تحدث دوليماس بإسهاب عن مشهد قمم صنين الرائع، ورمال الشاطئ الممتدة من بيروت إلى نهر الكلب. وأعجب بأشجار رأس بيروت وغابات الصنوبر في الحرش، والقرى الكثيرة المتناثرة على سفوح الجبال الممتدة إلى الشمال والجنوب من بيروت. إلا أن الفندق كان سيئاً، وفق دوليماس، بعكس
المشهد الجميل الذي رآه من النافذة.

أول فندق بُني في المرفأ كان لوكندة أوروبا (بناه إيطالي في العام 1841)، وقد ذكره دوليماس أيضاً. لكن لم يبن فندق جيد نسبياً حتى العام 1861، حيث بني في ذلك العام فندق غران أوتيل دوريان، الذي استمر ذكره في كتيبات الدليل وقصص الأسفار كأفضل الفنادق الموجودة في بيروت حتى العقود الأولى من القرن العشرين.

في العام 1861، تضاعفت أعداد الفنادق لتصبح 17، موزعة بين ساحة البرج والواجهة البحرية لمينا الحصن. وفي أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، أصبح عددها 60 فندقاً، من بينها فندق السان جورج، الذي يعتبر أول فندق فخم في بيروت، والذي “بات يشغل حيزاً أساسياً في البطاقات البريدية، وقد طبع بداية عصر ذهبي للصروح العمرانية المهيبة، وكرت السبحة مع فنادق النورماندي وكابيتول وبالم بيتش”.

كرس المعرض حيزاً واسعاً للرسائل المكتوبة على البطاقات البريدية، والتي كتب أغلبها باللغة الفرنسية مع بعض الإستثناءات بالإنكليزية. لا يبدو واضحاً المسار الذي حاول القيمون على المعرض اتباعه في انتقاء الرسائل، خصوصاً أن هناك مشكلة واضحة في المعرض، هي عدم تحديد الزمن، الذي كتبت فيه بعض الرسائل وأخذت فيه بعض الصور الموجودة على البطاقات البريدية.

تنوعت أساليب النظر إلى المدينة في الرسائل الموجودة. فهناك زوار لم يعجبهم عدم وجود حيوانات زاحفة وطيور كثيرة في المدينة، وأخرون أبدوا إنزعاجاً واضحاً من أن بيروت تختلف عن المدينة التي قرأوا عنها في كتب الرحالة. فبيروت، وفق رسالة كتبت في العام 1926، مدينة تفتقد الأصالة، مبانيها على الطراز الأوروبي بعكس ما هو متوقع. كما أن “شوارعها وسخة مثل سكانها العرب”. وفي كل الأحوال، ما تدل عليه هذه الرسالة ورسائل أخرى، أن الأكثر إثارة بالنسبة إلى السياح هو ثقافة السكان الأصليين وطريقة لبسهم.

تتحرك الرسائل بين فرنسا ومناطق السيطرة الفرنسية خلال المرحلة الإنتدابية، أي الجزائر، المغرب، سوريا، والمدن الأساسية في المنطقة مثل بغداد وأنقرة والإسكندرية. توثق إحدى الرسائل بداية العصر الذهبي لفندق السان جورج، الذي أقيمت فيه الحفلات، وأحبه الجنود الفرنسيون الموجودون في لبنان. تخبر رسائل أخرى عن الوضع المعيشي في بيروت، التي لا تختلف أسعارها عن مدن فرنسا الأخرى، والتي يوجد فيها كثير من المشاريع التي افتتحها فرنسيون، بعثوا برسائل إلى أحبائهم يخبرونهم عن سير أعمالهم في المدينة.

تخبر رسالة أخرى عن وجود بدو في المدينة، يبدو مشهدهم مثيراً وجميلاً. كما تحدث قسم كبير من الرسائل عن الطبيعة الجميلة التي تتمتع فيها المدينة وأشجار الصنوبر في حرش بيروت والقرى الموجودة في الجبال المجاورة لها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*