الرئيسية / home slide / بيت العائلة أم البيت الأبيض؟

بيت العائلة أم البيت الأبيض؟

14-10-2020 | 00:30 المصدر: النهار

سمير عطالله

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يؤدي التحية العسكرية.

  وقف دونالد ترامب على شرفة مستشفى “والتر ريد” مشرّع الصدر العريض، وبحركة مسرحية نزع كمامة كوفيد عن وجهه، ورفع التحية العسكرية  للكاميرات، وظل كذلك طويلاً. بلا أي مناسبة. وعلى رغم أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة من حيث الدستور، فالرجل لم يؤدّ الخدمة العسكرية يوماً. وأي تحية عادية كانت لتقوم بالمقام. لكن موعد الانتخابات الرئاسية وشيك وولايته يجب ألّا تنتهي، لذلك، حشد لها كل ما يُحشد وما لا يُحشد: الله تعالى، والقوات المسلحة، والأدوية غير المجرَّبة بعد. وفي صراعه المقلق مع الخانوق غير المرئي، قدَّم خلال ثلاثة أيام عرضاً لا يُصدَّق من عروض “تلفزيون الواقع”، التي كان يقدمها في الماضي. المعضلة الإنسانية التي لا حل لها، كان يقول الفيلسوف الدانماركي سورين كيغورد، هي اقناع الإنسان بأن ثمة موعداً للنهايات. لكن هذا أكثر ما يرفضه البشر. لذلك، طرح بعضهم فكرة القيامة، والبعض الآخر فكرة التقمّص، والبعض الثالث فكرة الخلود. سمَّى فاليري جيسكار- ديستان مذكراته “السلطة والحياة”. كلاهما واحد. أو بالأحرى الأولى أكثر اهمية. في سبيل هذه السلطة، لم يترك ترامب شيئاً لم يفعله. لم يترك صديقاً من حوله. لم يترك موظفاً لم يُقِله. لم يترك موضوعاً لم يتحدث فيه. في العلم والطبابة والجراثيم المُعدية. قَبِل جميع الصداقات وأنكرها جميعاً. وجعل من صهره كبير مستشاري البيت الأبيض، ومن ابنته مستشارة الرئيس. وفي النهاية أبلغ الاميركيين أنه إذا كانت نتائج الانتخابات متقاربة، فلن يُخلي البيت الأبيض. بكل بساطة، رأى في مركز السلطة الأقوى في العالم، عقاراً آخر. كان جناح ديغول في الاليزيه 250 متراً مربعاً. إذا اضطر الى إنارة الكهرباء في مكتبه بعد الثامنة، دفع الفاتورة. هذا مال الدولة. مال الناس، حق الفقراء. كتبتُ لجنابكم، غير مرة، رواية المؤرخ يوسف ابرهيم يزبك، عن القاضي الدرزي في الحدت، الذي كانت زوجته تتلقى الخبز من أهلها، لأن راتب زوجها مال حرام. مال دولة. مال الناس. أسوأ ما قيل بعد مناظرة ترامب – بايدن ان لغة الرئيس قد “أهبطت مكانة اميركا في العالم”. وقد صفّق قساوسة التلفزيون طويلاً للمسيحي العجائبي الذي قهر كورونا، خلافاً لحوالى 250 ألف اميركي من ضعفاء البشر الذين قضوا بالخانوق. المشكلة مع رئيس أميركا أنه على شاشة كل منزل في العالم، وانه المقياس بين زعماء الدول. فحيث تتدهور الديموقراطية في الأمم الصغيرة، ويعمّ الفساد ويسود سلوك فاقع من السلوكيات غير اللائقة بأهل الحكم، يتذرع هؤلاء بالنموذج الأعلى. كان الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف يهوى جمع السيارات الفخمة من فئة فيراري وما أشبه. وكانت كاراجات الكرملين مليئة بها. هدايا. وكانت لعديّ صدام حسين الهواية نفسها. لكنه لم يكن ينتظر ان تُهدى إليه، فيرسل رجاله في نقلها الى كاراجه. هل تتخيل ما هي مشاعر الناس أمام منظر هذه الكاراجات الاشتراكية؟ بعد جورج بوش الأب والإبن، خاض الإبن الثالث، جب، معركة الرئاسة. على رغم سمعته الحسنة سارع الى الإنسحاب. لم تطق أميركا الجمهورية فكرة التوارث ولو بالانتخاب المباشر. المبادىء لا تحتمل الفذلكة، والدساتير أقدس من ان يفسرها علماء النحو. كان أحمد فارس الشدياق من أعظم علماء اللغة، وفي رأي مارون عبود، أعظمهم، ومع ذلك ضاق صدراً بعلماء النحو: “قال الفراء أموت وفي نفسي شيء من حتى. وقد مات سيبويه وبقي في قلبه مِن فتح أن وكسرها أشياء. ومات الكسائي وفي صدره من الفاء السببية والفصيحة والتفريعية والتعقيبية والرابطة حزازات. ومات الاصمعي وفي عنقه من رسم كتابة الهمزة غدة”.  وماذا لو قرأ الشدياق فتاوى القانون والدستور والتعليل اليوم؟ الأرجح ان الإصابة ستكون بالفتق لا بالغدة. لأن حِملها ثقيل وعروق الاحتمال مهترئة. ولماذا الانحشار بالقوانين في أي حال؟ مَن لا يزال يفكر بها؟ مَن يتذكرها؟ بيروت على المرفأ ممزقة الثياب مشقوقة الصدر، قلبها حزين حتى الموت، وجنابك واقف عند الفاء السببية ورقم المواد والبنود؟ هذا زمن لم يعد، أي أنه مضى، على ما كان يقول شيخ القوّالين في العالم، عمّنا شكسبير. الترحم ليس إلا من باب الترحم. على كل شيء. قال حبرنا الكبير الياس عودة في خطبته الاسبوعية مخاطباً غياب الدولة: لا نطلب منكم شيئاً سوى الرحمة. قالها وهو يطل من المطرانية على شرايين الميناء المفجرة تحتها، فسارع الناقد اليومي وليد جنبلاط، الى تذكير العاصمة المنكوبة: ما في حدا. ما في حدا. ما في حدا. على الأقل لا بد ان يكون لهؤلاء المقهورين شجاعة الكنيسة. لقد تأخرت بكركي في الانضمام الى قلوب الناس وجروحهم وكراماتهم الذبيحة. ولن أسارع إلى القول، سامحها الله، فعلاقتها بالله أعمق بكثير من علاقة الخطأة. لكنها تأخرت. كان البطريرك الراعي يرى من المطل إلى أين تنزلق بنا الدولة، لكنه فضَّل التمهل قبل أن يكشف عن وقوع الخلاف التاريخي بين بكركي والرئاسة. آثر صمت نصرالله صفير على صراحة بولس المعوشي. لا يريد ان يشقَّ الموارنة أكثر من تشققهم الأزلي. لكنه كان يمكن ان يحقق شيئاً من التوازن، الذي قال العالِم الصيني لاو تسو، إنه أعظم ما في البشرية. لا نعتقد ان رجلاً في معرفة البطريرك الراعي صدَّق هو أيضاً “حقوق المسيحيين”. مَن يريد حقوقاً للمسيحيين لا يمنع ان تضم حكومة الخطوة الأخيرة القاضي  سهيل عبود. وتهمته الكبرى نزاهته وشجاعته والعدل فوق كل شيء. أما التهمة الأكبر فإنها مواصفات مواطن أول بكل المقاييس. شعرت بحزن وعتب عندما كشف الرئيس سعد الحريري ان جبران باسيل عارض ضم سهيل عبود الى حكومة مصطفى أديب. كان الأفضل لنا جميعاً ألّا نعرف. يكفي ان نعرف الذين جيء بهم، من أجل “حقوق المسيحيين”، فهل من الضروري ان نعرف ايضاً من حُظر مجيئهم؟ يشعر العالم أجمع بخوف شديد من الاضطراب الحالي في اميركا. الشغب في الشوارع وسهولة التحدث عن حرب اهلية كأنما لبنان، وآثار كوفيد 19 المدمرة، وأعلى سياسيَّين يقول أحدهما للآخر، اخرس انت، كما لو كان نائباً في لبنان. تقبض الصدور هذه المستويات. لا أحد يريد لأطفاله ان يسمعوا هذه اللفظة. ولا لشبابه هذه الهجرة. ولا لكهوله هذه الآخرة. ولا لعاصمته هذا الهوان. لا أحد يريد ان يفيق ذات يوم على وطن كان يُعطى للعالم كنموذج للجمال والحياة والثقافة، فأصبح يُقدَّم كمثال للبؤس والخوف والمجاعات. وطن هارب من أبنائه، ودولة يتوسلها الناس المساعدة، فتقدم لهم سعر الصرف. ولا تتعب من شرح الفاء السببية والتفريعية والواو العاطفة والاستئنافية والانكارية والقسمية… والله أكبر. 

twitter: @samir_n_atallah