بومبيو مع “عضلاته” في بيروت … لحظة ثنائيّة صعبة

تعيد الجولة الشرق أوسطيّة لوزير الخارجيّة الأميركيّ مايك بومبيو تسليط الضوء على فريق عمل بارز في الوزارة الأميركيّة يُعنى برسم السياسة الأميركيّة المتشدّدة تجاه إيران. إنّ كلام بومبيو عن أنّه سيتحدّث مع “الحكومة اللبنانيّة حول كيف يمكننا مساعدتها على فكّ الارتباط عن التهديد الذي توجّهه إيران وحزب الله إليها” يوحي بوجود خطّة أو خطوط عريضة أميركيّة لذلك. إذا صحّ هذا الاعتقاد فقد لا تكون “مجموعة العمل حول إيران” بعيدة عن خطّة كهذه. 

مجموعة العمل ورئيسها

بعد الانسحاب الأميركيّ من الاتّفاق النوويّ في أيّار ومع إعادة فرض العقوبات تحديداً، أعلنت الولايات المتّحدة عن تأسيس مجموعة العمل لتنسيق السياسات الأميركيّة حول إيران. وشرح بومبيو في 16 آب الماضي أنّ المجموعة ستكون مسؤولة عن توجيه ومراجعة وتنسيق جميع جوانب النشاطات المتعلّقة بإيران وتحويل تقاريرها “مباشرة” إليه.

بومبيو مصغياً لكلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماع حكومي، 16 آب 2018 – “أ ب”

وقال حينها إنّه يأمل توصّل بلاده إلى اتّفاق جديد مع طهران لكن ليس قبل رؤية تغييرات كبيرة في سلوكها داخل وخارج حدودها مشيراً إلى أنّ الشعب الإيرانيّ يطالب حكامه التصرّف ك “دولة طبيعيّة”. وأضاف أنّ مجموعة العمل ستعمل بشكل يوميّ على تحقيق هذه الأهداف، فيما ستسعى إلى بذل جهود متنامية مع دول “تشاركنا فهمنا للتهديد الإيرانيّ” جاعلة هذا الجهد أكثر تعدّدية على مستوى مشاركة الحكومات.

وعيّن بومبيو براين هوك رئيساً للمجموعة وفقاً لمنصب الممثّل الخاص حول إيران وقد أدّى دوراً مهمّاً في صياغة الاستراتيجيّة الأميركيّة القائمة على الضغط الديبلوماسيّ والاقتصاديّ الأقصى، بحسب ما أوضحه الوزير نفسه. ولم يوضح بومبيو ولا هوك أسماء أو حتى عدد أعضاء المجموعة في ذلك الحين، وإن ذكر متابعون لاحقاً بعضاً من شخصيّاتها.

تاريخ تأسيسها … مصادفة؟

رأى بعض الخبراء أنّ أهمّيّة تأسيس مجموعة العمل هذه لا يمكن فصلها عن أهمّيّة تاريخ تأسيسها. فهو صادف الذكرى الخامسة والستين على دعم وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة “سي آي أي” انقلاباً أطاح رئيس الحكومة الإيرانيّ السابق محمد مصدق من أجل تعزيز موقع الحليف الأميركيّ الشاه محمّد رضا بهلوي.

حينها، قال هوك إنّ الأمر “صدفة بحتة”. لكنّ مديرة “مبادرة مستقبل إيران” في “المجلس الأطلسي” باربارا سالفين قالت لمجلّة “ذي اطلانتيك” إنّ التوقيت هو “ببساطة مثلٌ عن عدم قدرة تمييز التفاصيل الدقيقة في سياسة هذه الإدارة حول إيران”. وما يلفت النظر في هذا التزامن أنّ بومبيو نفسه كان مديراً ل “سي آي أي” قبل أن يتولّى منصبه الجديد خلفاً لريكس تيليرسون.

“عضلات فعّالة”

بعيداً عن تاريخ تأسيسها، بدت المجموعة “فعّالة” في عملها بحسب البعض. نِك وادامز وخافيير بلاس كتبا في موقع شبكة “بلومبيرغ” في الرابع من تشرين الأوّل الماضي أنّه لما أمكن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلقاء كلمة في الأمم المتّحدة مفعمة بالثقة حول عودة إيران لعقد اتّفاق معه لولا مجموعة العمل هذه.

وقال أنتوني رابا، محامٍ متخصّص في شؤون العقوبات ضمن شركة “كيركلاند أند إلّيس” للموقع نفسه: “مهما يكن ما قد تقوله عن الرئيس وخطابه، فإنّ الأشخاص الذين يديرون هذا الملفّ يعلمون ماذا يفعلون”. وحتى ذلك الوقت، كان ممثّلو المجموعة قد زاروا ثلاثين بلداً وأقنعوا حوالي 80 شركة بإيقاف تعاملها مع إيران. هذه المجموعة التي وصفها الكاتبان ب “عضلات” ترامب ضمّت وفقاً لهما مسؤولين مثل الخبير السابق في قانون المتفجرات جايسون شل والخبير في شؤون العقوبات دايفد تسلر وليون خودركوفسكي الذي ينسّق حملة بومبيو المناهضة لإيران وغيرهم.

“صقر متجذّر”

لا شكّ في أنّ “عضلات” ترامب في تنفيذ سياسته الإيرانيّة هي نفسها التي رافقت نظريّاً بومبيو اليوم إلى بيروت ورافقته سابقاً في عدد من رحلاته الخارجيّة الهادفة إلى تطويق إيران. مجموعة العمل هذه ليست الأولى بطبيعة الحال التي تتولّى إدارة الملفّات الخارجيّة في الوزارة نفسها أو حتى في وكالات أمنيّة أخرى. لكن يبقى لهذه المجموعة بحسب عدد من المتابعين تأثير بارز جداً في السياسة الأميركيّة حول إيران كما في نتائجها. فكيف يمكن فهم زيارة بومبيو وفقاً لعلاقته بهذه المجموعة؟

وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل مستقبلاً نظيره الأميركي مايك بومبيو، 22 آذار 2019 – “أ ب”

“ليس سرّاً أنّ وزارة خارجيّة بومبيو عدوانيّة جداً تجاه النظام في طهران. يرأس مجموعة العمل حول إيران براين هوك، المستمرّ في منصبه منذ عهد ريكس تيليرسون – صقر متجذّر”، يجيب مراسل الشؤون الخارجيّة في مؤسّسة الرأي الأميركيّة “ذا ناشونال إنترست” كيرت ميلز عن سؤال “النهار”.

جزء من “إمبراطوريّة إيران”

ميلز الذي يغطّي شؤون وزارة الخارجيّة ومجلس الأمن القوميّ إضافة إلى شؤون رئاسة ترامب، يتابع: “إلى الحدّ الذي يرى بومبيو ومحيطه لبنان كبند سياسيّ جوهريّ في إمبراطوريّة إيران الإقليميّة الأوسع – وهم يفعلون ذلك – ستغرس (هذه النظرة) جميع أجزاء مقاربتهم (في محادثات بومبيو مع المسؤولين اللبنانيّين)”.

أثبت بومبيو إمكانيّة تولّيه ملفّات خارجيّة حسّاسة مثل كوريا الشماليّة التي أوفده ترامب لزيارتها حتى في الفترة التي كان مجلس الشيوخ يدرس إعطاءه الموافقة النهائيّة على تعيينه. لكن يبقى للموضوع الإيرانيّ أهمّيّته البارزة بالنسبة إلى شخصيّة خلفت وزيراً أقاله الرئيس الأميركيّ عبر “تويتر” لأنّه اختلف معه في هذا الملفّ تحديداً. ويبدو أنّ لبنان لن يكون منفصلاً عن الصورة الواسعة التي رسمتها الولايات المتّحدة للشرق الأوسط ككلّ، في وقت كان تصريح بومبيو من وزارة الخارجيّة اللبنانيّة واضح التشدّد بالنسبة إلى “حزب الله”. بذلك، قد تترك الزيارة بصمتها على الروابط بين البلدين.

“هذه لحظة حادّة بالنسبة إلى علاقات واشنطن-بيروت”، يختم ميلز.لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*