بورتريه عن لبنان

  • دومينيك إده
  • المصدر: نيويورك ريفيو أوف بوكس
  • 23 تموز 2019 | 03:45
  • عن النهار

بيروت من أعلى بيت مري (أرشيفية).

أن تعيش في لبنان يعني أن تعيش في قلب العالم، وفي وسط المأزق. في القرية الصغيرة المحطّمة لكوكبٍ لا يسير على ما يرام. فهذا البلد الفوضوي والملوَّث والفاسد إلى حدود لا يتصوّرها عقل، لا تزال تتسلل إليه لمسات الجمال والدفء الإنساني. وبات مستحيلاً تحديد الشعور الذي يولّده لدى الشخص: إنه الشعور بأنك تتعرض للعدوان باستمرار ولكنك مفتون في الوقت نفسه.

أنت في المدينة، تسير على أحد الأرصفة التي لا يتجاوز عرضها نصف متر، وتهاجمك من كل الجهات غابةٌ من السيارات والمباني، تنجذب إلى سحر البحر وتنفر من رائحة النفايات، وفجأةً تُمتِّع نظرك بلعبة الضوء على جدار من الحجارة، وبشلال من الأزهار المتدلّية على شرفة عتيقة، وتُمتّع نظرك بالشرفة نفسها. تُكمل طريقك، مطأطأ الرأس. يتوسّلك أولادٌ لاجئون بنظراتهم كي تُعطيهم ما يقتاتون به. يحلّ الحزن وتأنيب الضمير مكان شعورك بنفاد الصبر. تدخل متجراً كي تشتري على عجل بكرات خيوط، فتبدأ رحلة حقيقية. يستقبلك البائع الذي لا تربطك به أي معرفة، في متجره وكأنه ينتظرك منذ ليل أمس، يُقدّم إليك فنجان قهوة، ويسألك عن أخبارك، ويخبرك عن أحواله، ويطمئن إلى صحة أهلك وأولادك، ويخبرك سيرة حياته فيما يصفّ بكرات الخيوط على المنضدة المليئة بالأغراض أمامه. ولدى خروجك من المتجر، يراودك شعورٌ مشابه لما تشعر به عند الانتهاء من قراءة رواية جميلة: لقد تغيّرتَ قليلاً. لا شك في أن هذا هو الحال في معظم الأحيان عند ضفاف المتوسط، لكن في لبنان، ثمة جرعةٌ إضافية دائماً وفي كل شيء. تنشأ حميمية شديدة من دون عقد وتحفظات إلى درجة أنها تُحوّل فجأةً المشهد الاجتماعي إلى مشهد مسرحي. وتولّد هذه الشحنة العاطفية حالةً من اللاوعي، حيث يُشكّل النضج والسلوك الصبياني حالةً واحدة لا نجد تسميةً تُعبّر عنها.

كل ما يُقرَّر في لبنان هو طعنةٌ في ظهره، وكل ما يجري فيه يختصر الحقبة الراهنة: مزيج الأشخاص، وهشاشة الحدود، والأكذوبة السياسية في أوجها، وبناء الحاضر على تدمير الماضي، وفرط السرعة، وعدم الوضوح في الرؤية. كلما ازداد فشل الدولة، أصبحت العلاقة بالله أكثر تملّكاً وانصهاراً. الرمز الديني في كل مكان، والصلاة على كل شفة. لا مجال للسؤال عن الطريق أو شراء كيلوغرام من البصل من دون إقحام المسيح أو النبي في المسألة. وموسى أيضاً. إنه في القرآن مَن تحدّث مع الله من دون وسيط. عندما يأتي اليوم الذي ستتفق فيه هذه الشخصيات الثلاث في المخيلات على احتلال حيّز أقل بقليل على أرض الواقع، لا شك في أن هذه المنطقة ستبدأ بتنفس الصعداء. عودة الدين صدمةٌ قوية لمن يتذكّرون الحقبة الزمنية التي عرفتها المنطقة قبل أقل من نصف قرن من الزمن، عندما احتفلت النساء بخلع الحجاب واحتلت العلمانية النفوس. كلما تفكّك البلد، أمعن الدين في شدّ العصبيات من جهة والتسبب بالانقسامات من جهة ثانية. صحيح أن هذه المعادلة هي في صدد الانتشار في مختلف أنحاء الكرة الأرضية، ولكن لبنان متقدّم دائماً بخطوة واحدة في ظهور العوارض وفي استنباط الحلول العرجاء.

جميع اللبنانيين تقريباً ظرفاء، حتى أولئك الذين يفتقرون بينهم إلى حس الدعابة، وجميعهم تقريباً يتمتعون بحس الدعابة حتى عندما تتملّكهم الكآبة. والسخاء صفةٌ مشتركة بين الجميع أو الأكثرية الساحقة. والذكريات الفردية غنية وتُروى جيداً في حين أن الذاكرة الجماعية ضائعة تتعذر روايتها. وفي ما خلا استثناءات قليلة، السلطة الرسمية هي في أيدي الرجال. في الدولة كما في الحياة الزوجية والعائلية. تختلف درجة خضوع المرأة اختلافاً كبيراً وفقاً للبيئة التي تعيش فيها. ويعود الفضل إلى سيدة سنّية، وزيرة الداخلية ريا الحسن، في إعادة تحريك الاقتراح (الذي يُجبَه بالرفض) بتشريع الزواج المدني في لبنان. لعل النساء هنّ من سيُلهِمن في المستقبل تغيُّر الذهنيات. في الانتظار، يبقى وضعهن مقلقاً في بعض الأماكن، ولا سيما في مخيمات اللاجئين حيث كثيراً ما يتحوّل الإذلال على أيدي الرجال إلى اعتداء جنسي وعنف زوجي، مع إفلات تام من العقاب.

كل لبناني هو بمثابة بلدٍ متجوِّل لبلدٍ لم يعد موجوداً. لكل شخصٍ لبنانه يمتلكه مثلما يمتلك المرء سند ملكية. يشعر كل شخص بأنه مكلَّف مهمة الدفاع عنه وتدميره في آنٍ واحد، وبأنه، في الحالتَين، الأفضل للقيام بذلك. مما لا شك فيه أن رابطاً عائلياً أقوى بكثير من الرابط الوطني يجمع كل شخص بقطعة الأرض هذه. يريد الجميع أن يوضَع حد للسرقة ونهب الموارد على أيدي الزعماء السياسيين، إنما أقلّية صغيرة فقط تعمل من أجل تحقيق ذلك.

نعرف ما الذي يتكوّن منه لبنان إلى حد ما، لكننا لا نعرف كيف يعمل هذا البلد. إذا أردنا أن نرسل إلى الفضاء بلداً قادراً على احتواء العالم بأسره، فلبنان كفيل بالنهوض بهذه المهمة. وإذا أردنا إرسال بلد لا يحتوي على المقوّمات اللازمة التي تجعل منه بلداً بكل ما للكلمة من معنى، فلبنان مناسبٌ أيضاً لهذا الدور. فهذا المكان المتفوّق في حسن الضيافة يؤوي أيضاً أسوأ أشكال العنصرية. فمن جهة، عندما نتجوّل في قرية ما، يبادر الأشخاص الجالسون على سطيحاتهم إلى دعوتنا للانضمام إليهم. ومن جهة أخرى، نسمع كل خمسة عشر يوماً خبراً عن عاملة منزل أجنبية، من الجنسية الأثيوبية في معظم الأحيان، ألقت بنفسها من النافذة. وسرعان ما يُعتبَر الأمر حادثاً أو قضاء وقدراً. وتوضَع القضية في الأدراج من دون متابعة. وعند مدخل بعض القرى، في مناطق مختلفة من لبنان، ترتفع منذ فترة قصيرة لافتات كبيرة كُتِب فيها: “يُمنَع على العمّال الأجانب وعائلاتهم التجوّل في الطرقات”. يُنقِذ ناشطون وصحافيون وفنانون ماء الوجه عبر تنبيه الرأي العام إلى خطر هذه الممارسات. لكن العار يبقى ساحقاً. يضم لبنان الذي يبلغ عدد سكانه 4 إلى 5 ملايين نسمة، مليوناً ونصف مليون لاجئ. نحو ربع إلى ثلث سكّانه هم من الأجانب. إنهم فلسطينيون هربوا من حرب 1948 ثم حرب 1967، وسوريون وفلسطينيون فرّوا من القمع والحرب التي اندلعت في سوريا عام 2011، وعراقيون أبعدتهم حربا الخليج عن بلادهم… درجة الاستيعاب والاستضافة شبه متكافئة مع درجة التعصّب في لبنان. ولا شك في أن هذه العبثية ناجمة عن أن أبناء البلاد لم يعودوا قادرين على أن يُترَكوا لتدبّر أمورهم بأنفسهم ولا على أن يكونوا في الوقت نفسه تحت رحمة الآخرين! التناقض في كل مكان، وفي كل شيء. يعيش 360000 لبناني في البؤس الشديد في حين أن الزعماء السياسيين يتقاضون عمولات تصل قيمتها إلى مئات ملايين الدولارات. هذا الوضع يثير الغضب، ولكنه لا يؤدّي إلى اندلاع تظاهرات إلا في ما ندر من المرات. منذ الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975 وانتهت عام 1990، الانتماء المذهبي هو الذي يُحدّد الهويات. ففي حين أن العالم العربي تأسلمَ وانقسم داخل الإسلام، يقف لبنان، مرة أخرى، في الطليعة ويذهب بعيداً في الغلو والإفراط. فاللبناني هو شيعي أو سنّي أو ماروني أو درزي أو روم أرثوذكس قبل أن يكون فقيراً أو مقموعاً. وأكثر من ذلك: اللبنانيون هم شيعة أو سنّة أو دروز قبل أن يكونوا من الدين نفسه. وهكذا تصبح رافعات الثورات الاجتماعية رهينة لدى الاعتبارات المذهبية.

لا نبالغ مطلقاً إذا قلنا إن لبنان يحطّم الأرقام القياسية في الفوارق الصغيرة. فهو يشهد على الدوام نقاشات عقيمة تتوقّف مطوّلاً عند التفاصيل الصغيرة، وكلها مصادَرة من المساحة الطائفية، ومهمتها تأمين الجرعات اللازمة للإبقاء على الاختلال في التوازن. إنه موئل الفوارق الصغيرة وموئل الصور الكاريكاتورية. وهو كذلك أيضاً على مستوى مناظره الطبيعية. فالحيّز الجغرافي والحيّز الذهني يعتمدان النمط نفسه المتمثل في توافق الأضداد. نعتاد الانتقال من الحر إلى البرد كل خمس دقائق بمجرد مغادرتنا المدينة. من الشمال إلى الجنوب، يُشوّه العمران الهمجي الشاطئ. ولا تزال بعض المخلّفات المبعثرة من الجنّة القديمة تُحرّك ذكريات الزمن الغابر عندما لم يكن الباطون قد اجتاح البحر. عندما نغادر المدينة، ينساب الضوء والطبيعة بسلاسة فائقة، لكن انتشار قصور حديثي النعمة، والمباني الشنيعة، والمنازل غير المكتملة التي لا تزال على الحجر وتُشوّه التلال، يُرغِم العين على التنقّل دائماً بين حقول الخشخاش وحقول النفايات. وفي الأماكن حيث لم يتفشَّ بعد الهذيان العقاري أو لم يسيطر بصورة كاملة، تولّد روعة المنازل المصنوعة من الحجارة وتنوُّع النبات انتقالاً فورياً وسحرياً من الطبيعة إلى أفضل ما في الذات. تدفع سنديانة عتيقة، وبستان زيتون، حين لا تحجبهما الصور العملاقة للزعماء السياسيين – يدفعان إذاً بقوة إلى تخيّل قرون من الصمت والأحاديث. لكل واحدة من هذه الواحات الصغيرة طابعٌ بيبلي ما. عند مغيب الشمس، ترتبط الألوان بعضها ببعض بخيوط من الذهب. وعند النظر، في هذه الفترة من النهار، إلى الجبال المتماوجة ترسم حدودها مع السماء، ننسى فجأةً أن البلاد صغيرة جداً عند سفوحها. وإذا بنا نعشق بشغف المكان الذي كنّا نكرهه قبل ساعة من الزمن.

يمكننا أن نقول، من دون مبالغة، إن في لبنان، كل شيء يُفسَّر ولا شيء يُفهَم. وهكذا، يُعوِّل الرئيس الماروني، العماد ميشال عون، على الدعم من حسن نصرالله، الأمين العام لـ”حزب الله”، للاحتفاظ بالسلطة في حين أن القوة المسلّحة لهذا الحزب الشيعي تُعرّض سلطة الجيش اللبناني للخطر. لبنان هو بمثابة مختبر لاستنباط مخارج موقّتة لمشكلات لا حلول لها. بالكاد تفصل بضع مئات الأمتار، في خط مستقيم، بين ضاحية بيروت الشيعية وحي الأشرفية ذي الأكثرية المسيحية؛ غير أن الهوّة التي تفصل بين هاتَين المنطقتين المتجاورتين شبيهة بتلك التي تفصل بين قارة وأخرى.

يُحطّم اللبنانيون الأرقام القياسية في التباعد الكبير والانقسام والتنافر. إنهم تهكّميون وعاطفيون ومنهَكون وممتلئون حيوية، وقادرون على بذل المستحيل من أجل المقرّبين منهم، ولكنهم غير قادرين على التوحّد في سبيل وطنهم. السرعة هي فعلٌ لاإرادي لديهم، طبيعة ثانية. عندما يكون سائق سيارة عالقاً وسط زحمة السير، سرعان ما تحلّ يده التي تضغط على الزمور مكان قدمه التي تضغط على دوّاسة البنزين. هي ليست محاولة للتقدّم بقدر ما هي طريقة لعدم الاستسلام عندما يتوقّف كل شيء. يُغطّي هذا “الفارق الصغير” الخيط الرفيع بين العيوب والفضائل اللبنانية: اللاتمدُّن والفظاظة من جهة، والجرأة، لا بل شجاعة عدم الاعتراف بالهزيمة من جهة أخرى.

ولا تكشف الأرقام الكثير عن الواقع اللبناني. فالذهنيات تُعيد النظر فيها وتُصححها باستمرار، ولا تكفّ الحياة عن تشويهها. فهذا البلد الصغير أفقياً – 10452 كلم2 – ضخمٌ عمودياً. إنه تراكبٌ جغرافي وذهني – خليط – من الطبقات والمعتقدات والابتكارات والتلميحات والفظائع وبؤر التفجر. جميعها متطرفة وجميعها متلاصقة بعضها ببعض. وكأنه منديل أخرجه ساحرٌ من جيبه: يكفي فكّه من أحد طرفَيه لمدّه إلى ما لا نهاية؛ من أجل الحصول على وقع المفاجأة وفي الوقت نفسه الشعور بالتشبّع، إنه تأثير المنظور والتكدّس. مثلما تشعر إسرائيل بأن السلام يُهدّدها، تشعر الطبقة السياسية اللبنانية بأن المصلحة العامة تُهدّدها. ففي نظر هؤلاء السياسيين، يُنقَذ الحاضر من خلال إغراق المستقبل ويؤمّنون بقاءهم الخاص عبر إذكاء النزاعات الداخلية. فكل زعيم سياسي يستمد ضمانته من الدعم الذي يحصل عليه من جماعته، وهكذا تؤمّن الحرب بين الجماعات التابعة للزعماء بقاء هؤلاء واستمرارهم في مواقعهم.

ومع ذلك، يكفي شيء صغير جداً ليَظهر هذا الشعب المفكّك والمنقسم وكأنه كائن واحد. شيءٌ صغير جداً. حديث عفوي في متجر أو قاعة انتظار أو مطار أو سيارة أجرة أو خلال زيارة تعزية أو في زاوية شارع أو في مصعد، فهذه اللقاءات قادرة على أن تُلغي في ثوانٍ معدودة كل الفوارق التي تحدّثت عنها آنفاً. لا بل أفضل من ذلك، تنصهر الفوارق والاختلافات بحيث تولّد فجأة مزاجاً أو اتفاقاً أو تشابهاً ما، كلاً منيعاً يتعذر تدميره ويمكن أن يُسمّى المعجزة اللبنانية. إنه نوعٌ من المتعة المشتركة في قول الشيء نفسه بطرق مختلفة. أو أيضاً الأسلوب نفسه في الحب قبل أن نعرف نتيجة هذا الحب. يكفي نقل هذا السيناريو إلى مستوى الكرة الأرضية بأسرها كي يعمّ السلام في العالم. لكن المشكلة هي أن هذه المعجزة موقوتة، مثل قنبلة، وأي شيء كفيل بتدميرها، كما قصور الرمال.

(نشر هذا النص في الـ”نيويورك ريفيو أوف بوكس”)

كاتبة لبنانية

ترجمة نسرين ناضر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*