بوتين‭ ‬وسوريا‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬الرقص

 


جلبير الأشقر
Aug 29, 2018

قُبَيْل‭ ‬تدشين‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬السبعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬المنصرم،‭ ‬كان‭ ‬تبادل‭ ‬الزيارات‭ ‬بين‭ ‬فريقين‭ ‬من‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬مباريات‭ ‬لكرة‭ ‬الطاولة‭ ‬مناسبةً‭ ‬لإطلاق‭ ‬تسمية‭ ‬‮«‬دبلوماسية‭ ‬كرة‭ ‬الطاولة‮»‬‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬العلاقات‭ ‬الرياضية‭ ‬التي‭ ‬رأى‭ ‬المراقبون‭ ‬آنذاك‭ ‬أن‭ ‬القصد‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬التمهيد‭ ‬لعلاقات‭ ‬سياسية‭ ‬علانية‭. ‬فكم‭ ‬بالأحرى‭ ‬أن‭ ‬تُطلَق‭ ‬تسمية‭ ‬‮«‬دبلوماسية‭ ‬الرقص‮»‬‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬وسيلة‭ ‬سياسية‭ ‬تفوق‭ ‬بالأهمية‭ ‬والرواج‭ ‬ما‭ ‬مثّلته‭ ‬مباريات‭ ‬كرة‭ ‬الطاولة‭ ‬قبل‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭.‬

فقد‭ ‬دشّن‭ ‬الرئيس‭ ‬الحالي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬سياسته‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬في‭ ‬مايو‭/‬أيار‭ ‬2017،‭ ‬خلال‭ ‬أول‭ ‬زيارة‭ ‬له‭ ‬خارج‭ ‬بلاده‭ ‬بصفته‭ ‬رئيساً‭ ‬لها‭ ‬وكانت‭ ‬للمملكة‭ ‬السعودية،‭ ‬دشّن‭ ‬سياسته‭ ‬رمزياً‭ ‬بإنجاز‭ ‬عرضة‭ ‬نجدية،‭ ‬وهو‭ ‬الاسم‭ ‬الذي‭ ‬يُطلق‭ ‬على‭ ‬الصنف‭ ‬النجدي‭ ‬من‭ ‬رقصة‭ ‬السيوف‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭. ‬رقَص‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬مع‭ ‬مضيفيه‭ ‬السعوديين،‭ ‬وما‭ ‬لبث‭ ‬أن‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬قطر‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬المستهدَفين‭ ‬بتلويحهم‭ ‬جميعاً‭ ‬بالسيوف،‭ ‬إذ‭ ‬ما‭ ‬كاد‭ ‬يمضي‭ ‬أسبوعان‭ ‬حتى‭ ‬شنّ‭ ‬المحور‭ ‬السعودي‭-‬الإماراتي‭ ‬حملة‭ ‬شعواء‭ ‬على‭ ‬الجزيرة،‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬مستمرّة‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬إخفاقها‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬أهدافها‭.‬

ولا‭ ‬شكّ‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬رقصة‭ ‬الفالس‭ ‬التي‭ ‬أنجزها‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬قبل‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬مع‭ ‬وزيرة‭ ‬خارجية‭ ‬النمسا‭ ‬التي‭ ‬دعته‭ ‬إلى‭ ‬حفل‭ ‬زفافها،‭ ‬تلك‭ ‬الرقصة‭ ‬كانت‭ ‬خطوة‭ ‬سياسية‭ ‬بامتياز‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬المغزى‭ ‬السياسي‭ ‬لتلبية‭ ‬بوتين‭ ‬دعوة‭ ‬الوزيرة،‭ ‬وهي‭ ‬دعوة‭ ‬جرى‭ ‬تصويرها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬خاصة‮»‬،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يبرّر‭ ‬استخدام‭ ‬الطرفين‭ ‬الروسي‭ ‬والنمساوي‭ ‬للأموال‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬الزيارة‭. ‬هذا‭ ‬لأن‭ ‬بوتين،‭ ‬ناهيكم‭ ‬بالوزيرة،‭ ‬لم‭ ‬يبلغ‭ ‬بعد‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬الاستبداد‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بالتصرّف‭ ‬علانية‭ ‬بالمال‭ ‬العام‭ ‬لأغراض‭ ‬شخصية‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬الحكّام‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يميّزون‭ ‬بين‭ ‬جيوبهم‭ ‬الخاصة‭ ‬وخزينة‭ ‬الدولة،‭ ‬وهم‭ ‬كُثْر‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭. ‬فمثلما‭ ‬قام‭ ‬بزيارته‭ ‬‮«‬الخاصة‮»‬‭ ‬مصطحباً‭ ‬جوقة‭ ‬موسيقية‭ ‬قوزاقية‭ ‬وطاقم‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الحرّاس‭ ‬والمستشارين‭ ‬على‭ ‬نفقة‭ ‬الدولة‭ ‬الروسية،‭ ‬تحمّلت‭ ‬الخزينة‭ ‬النمساوية‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭ ‬تكاليف‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬جرّاء‭ ‬الزيارة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ضمان‭ ‬حراسة‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬جوّاً‭ ‬وبرّاً‭ ‬أثناء‭ ‬تواجده‭ ‬في‭ ‬النمسا‭. ‬وإنه‭ ‬لأمرٌ‭ ‬جليّ‭ ‬أن‭ ‬الزيارة‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الحكومتين‭ ‬كانت‭ ‬حلقة‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬دبلوماسيتيهما‭ (‬ولا‭ ‬يُعقل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الوزيرة‭ ‬النمساوية‭ ‬قد‭ ‬قرّرت‭ ‬دعوة‭ ‬بوتين‭ ‬بدون‭ ‬استشارة‭ ‬حكومتها‭)‬،‭ ‬بما‭ ‬برّر‭ ‬في‭ ‬نظرهما‭ ‬استخدام‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬تحقيقها‭.‬

فما‭ ‬هو‭ ‬إذاً‭ ‬القصد‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ ‬رقصة‭ ‬الفالس‭ ‬في‭ ‬النمسا؟‭ ‬إنها‭ ‬تندرج‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الحملة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تخوضها‭ ‬موسكو‭ ‬بوتيرة‭ ‬متصاعدة‭ ‬في‭ ‬المدّة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قطف‭ ‬ثمار‭ ‬النصر‭ ‬الذي‭ ‬حقّقته‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وبالتواطؤ‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬الأوروبية‭. ‬ولا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬عودة‭ ‬قصيرة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬لفهم‭ ‬مغزى‭ ‬الفالس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدراك‭ ‬دوافع‭ ‬تدخّل‭ ‬روسيا‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬السورية‭. ‬فيا‭ ‬ترى،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬حدا‭ ‬بوتين‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬التدخّل‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬عام‭ ‬2015؟‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬نظام‭ ‬آل‭ ‬الأسد‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬ميدانية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬مواجهته‭ ‬للمعارضة‭ ‬السورية،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬تدخّل‭ ‬إيران‭ ‬وأعوانها‭ ‬الإقليميين‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬منذ‭ ‬ربيع‭ ‬عام‭ ‬2013‭. ‬لكنّ‭ ‬موسكو‭ ‬لم‭ ‬تتدخّل‭ ‬مباشرة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬الأولى،‭ ‬بل‭ ‬تدخّلت‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬بإمكانها‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بتصعيد‭ ‬تسليحها‭ ‬للنظام،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تعزيز‭ ‬قواته‭ ‬الجوّية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تضمّن‭ ‬الأمر‭ ‬مشاركة‭ ‬طيّارين‭ ‬روسيين‭ ‬بصورة‭ ‬مستورة‭.  

تحيل‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تبدّل‭ ‬بين‭ ‬التاريخين‭ ‬وجعل‭ ‬موسكو‭ ‬تقوم‭ ‬بالمجازفة‭. ‬فثمة‭ ‬أمران‭ ‬تبدّلا‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2013‭ ‬و2015‭ ‬بما‭ ‬يؤثّر‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬الروسي‭: ‬أوّلهما‭ ‬احتدام‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭ ‬والقُرم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2014‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مدعوماً‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وقد‭ ‬واجهت‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬سلوك‭ ‬موسكو‭ ‬التوسّعي‭ ‬بفرضها‭ ‬عقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬عليها،‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬عامي‭ ‬2014‭ ‬و2015‭. ‬هذا‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬تجديد‭ ‬مجموعة‭ ‬الدول‭ ‬السبع‭ ‬لتلك‭ ‬العقوبات‭ ‬في‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬2015‭ ‬ليحثّ‭ ‬بوتين‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬ورقة‭ ‬يواجه‭ ‬بها‭ ‬الضغط‭ ‬الأوروبي‭ ‬والغربي‭. ‬فبانت‭ ‬تلك‭ ‬الورقة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬ذاته‭ ‬مع‭ ‬التصاعد‭ ‬المفاجئ‭ ‬لموجة‭ ‬نزوح‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬إثر‭ ‬النقلة‭ ‬النوعية‭ ‬في‭ ‬النزاع‭ ‬السوري‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬انتشار‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬والعراقية،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬بدء‭ ‬حملة‭ ‬القصف‭ ‬التي‭ ‬شنّها‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

فالأمر‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬المعادلة‭ ‬هو‭ ‬بالتحديد‭ ‬الأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬أثارها‭ ‬النزوح‭ ‬السوري‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭. ‬وقد‭ ‬رأى‭ ‬بوتين‭ ‬كيف‭ ‬خلقت‭ ‬فورة‭ ‬الهجرة‭ ‬أزمة‭ ‬سياسية‭ ‬حادّة‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬انتهزتها‭ ‬قوى‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭ ‬العنصري‭ ‬والكاره‭ ‬للإسلام‭ ‬لتصعّد‭ ‬دعايتها‭ ‬الديماغوجية‭ ‬وتحقّق‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬نفوذها،‭ ‬بما‭ ‬ساهم‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬مفاقمة‭ ‬الأزمة‭. ‬فأدرك‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬أن‭ ‬إمساكه‭ ‬بمفتاح‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬مفتاح‭ ‬النزوح‭ ‬منها‭ ‬والعودة‭ ‬إليها،‭ ‬سوف‭ ‬يشكّل‭ ‬ورقة‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭ ‬بيده‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬المجازفة‭ ‬بالتدخّل،‭ ‬بادئاً‭ ‬بحذر‭ ‬وهو‭ ‬يعلن‭ ‬أنه‭ ‬تدخّلٌ‭ ‬محدود‭ ‬ولوقت‭ ‬محدود،‭ ‬الغاية‭ ‬منه‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الإرهاب‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬بوتين‭ ‬يرصد‭ ‬ردّ‭ ‬فعل‭ ‬واشنطن‭ ‬كي‭ ‬يرى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬يستطيع‭ ‬المضي‭ ‬قدماً‭ ‬أو‭ ‬يضطر‭ ‬إلى‭ ‬الانسحاب‭ ‬بعد‭ ‬حين‭ ‬كما‭ ‬أعلن‭.‬

أهمّ‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬يرصده‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬تسليم‭ ‬صواريخ‭ ‬محمولة‭ ‬مضادة‭ ‬للطيران‭ ‬للمعارضة‭ ‬السورية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬قد‭ ‬منعته‭ ‬منعاً‭ ‬باتاً‭ ‬عن‭ ‬حلفائها‭ ‬الإقليميين‭ ‬منذ‭ ‬نشوب‭ ‬النزاع‭ ‬المسلّح‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬ولو‭ ‬بدّلت‭ ‬واشنطن‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬التسليم،‭ ‬لكان‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬مخاطر‭ ‬تدخّل‭ ‬الطيران‭ ‬الروسي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الفوائد‭ ‬المرجوّة‭ ‬من‭ ‬مواصلته‭. ‬فلم‭ ‬ينسَ‭ ‬أحد‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬تسليم‭ ‬واشنطن‭ ‬لذلك‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬للمجاهدين‭ ‬الأفغان‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬لعب‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬إنهاك‭ ‬الاحتلال‭ ‬الروسي‭ ‬لأفغانستان‭. ‬بيد‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬لبث‭ ‬أن‭ ‬تأكّد‭ ‬لبوتين‭ ‬أن‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬مزمعٌ‭ ‬على‭ ‬التمسّك‭ ‬بمنع‭ ‬حلفاء‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬تسليم‭ ‬ذلك‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السلاح،‭ ‬الذي‭ ‬تصنّعه‭ ‬تركيا‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭ ‬بترخيص‭ ‬أمريكي‭.‬

والآن‭ ‬وقد‭ ‬أشرف‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران‭ ‬على‭ ‬استرجاع‭ ‬سيطرته‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬يسعى‭ ‬بوتين‭ ‬وراء‭ ‬قطف‭ ‬ثمار‭ ‬تدخّله‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬ترجيح‭ ‬كفّة‭ ‬النظام‭. ‬فهو‭ ‬يقترح‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تأوي‭ ‬لاجئين‭ ‬سوريين‭ ‬إرجاع‭ ‬هؤلاء‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬حكم‭ ‬آل‭ ‬الأسد‭ ‬وتحت‭ ‬رعاية‭ ‬موسكو‭. ‬وهو‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬المتحمّسين‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬هم‭ ‬تحديداً‭ ‬قوى‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭ ‬وزيرة‭ ‬خارجية‭ ‬النمسا‭ ‬وحكومتها،‭ ‬مثلما‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬كلٌ‭ ‬أو‭ ‬قسمٌ‭ ‬من‭ ‬حكومات‭ ‬إيطاليا‭ ‬والمجر‭ ‬وبولندا‭. ‬وقد‭ ‬توقّف‭ ‬بوتين‭ ‬في‭ ‬النمسا‭ ‬ليس‭ ‬حبّاً‭ ‬بالرقص‭ ‬مع‭ ‬الوزيرة‭ ‬بالطبع،‭ ‬بل‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬تأييد‭ ‬أصدقائه‭ ‬داخل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لمقترحه،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬لقاء‭ ‬المستشارة‭ ‬الألمانية‭ ‬أنغيلا‭ ‬ميركل‭. ‬هذا‭ ‬وهو‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬تواجه‭ ‬ضغطاً‭ ‬شديداً‭ ‬من‭ ‬يمين‭ ‬الائتلاف‭ ‬الحاكم‭ ‬الذي‭ ‬تترأسّه،‭ ‬ناهيكم‭ ‬بأقصى‭ ‬اليمين‭ ‬المعارض،‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭.‬

أراد‭ ‬بوتين‭ ‬إذاً‭ ‬إبراز‭ ‬الأصوات‭ ‬المتصاعدة‭ ‬داخل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬بلاده‭ ‬والتعاون‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الملف‭ ‬السوري،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬التابع‭ ‬لها‭. ‬وهو‭ ‬يقترح‭ ‬على‭ ‬الأوروبيين‭ ‬تخليصهم‭ ‬من‭ ‬وزر‭ ‬اللاجئين‭ ‬بشرط‭ ‬إنهائهم‭ ‬للعقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬وتمويلهم‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬المناطق‭ ‬السورية‭ ‬المهدّمة،‭ ‬التي‭ ‬تنوي‭ ‬روسيا،‭ ‬بشركاتها‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة،‭ ‬جنيَ‭ ‬أرباح‭ ‬طائلة‭ ‬من‭ ‬إشرافها‭ ‬عليها‭. ‬وقد‭ ‬قدّم‭ ‬وزير‭ ‬خارجية‭ ‬لبنان‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬صورة‭ ‬نموذجية‭ ‬عمّا‭ ‬تصبو‭ ‬موسكو‭ ‬إليه‭: ‬فهو‭ ‬يشاطر‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭ ‬الأوروبي‭ ‬إرادة‭ ‬التخلّص‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬بأسرع‭ ‬وقت‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬المصير‭ ‬الذي‭ ‬ينتظرهم‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭. ‬وفضلاً‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬يأمل‭ ‬أن‭ ‬موسكو‭ ‬ستتيح‭ ‬للسماسرة‭ ‬اللبنانيين‭ ‬حصد‭ ‬فتات‭ ‬مائدة‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬السورية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الوزير‭ ‬اللبناني‭ ‬يتناغم‭ ‬مع‭ ‬زميله‭ ‬الروسي‭ ‬بدون‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رقص‭ ‬الدبكة‭ ‬معه‭…‬

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬من‭ ‬لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*