في هذه الحلقة الثالثة يتحدّث الوزير السابق الدكتور بهيج طبارة عن مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومغادرته تيار المستقبل، ومقاربته المحكمة الدولية، وتخريجه آلية انتخاب الرئيس ميشال سليمان.

كانت البلاد، آنذاك، منشغلة بمشروع قانون الانتخاب الذي احالته حكومة عمر كرامي الى مجلس النواب في 31 كانون الثاني 2005. طلب مني الرئيس مراجعته وتزويده ما قد يكون لديّ من ملاحظات. من جملة مآخذي تقسيم الدوائر الانتخابية في بيروت وتوزيع النواب عليها والتفاوت الكبير في ما بينها، ما ادى في دول اخرى الى ابطال قانون الانتخاب برمته لهذا السبب. لفته الى ان دائرة الاشرفية تم تخصيصها بعدد من النواب يزيد عن العدد العائد اليها مقارنة بالدوائر الاخرى، فطلب مني التغاضي، اذ للاشرفية، حيث غالبية الناخبين مسيحيون، وضع خاص يقتضي مراعاته. وردت هذه العبارة في التقرير الذي احضرته معي، من 17 صفحة، تبنّاه وحرص على توزيعه على النواب في اليوم التالي، خلال اجتماع اللجان المشتركة للنظر في مشروع القانون، ساعات قبل استشهاده.
في الغداة، 14 شباط، وصل صوت الانفجار الى فردان حيث مكتبي. افادت الانباء ان موقعه قرب فندق سان جورج. بادرت بالاتصال بفؤاد السنيورة الذي كان آنذاك رئيس مجلس ادارة بنك البحر المتوسط الذي يملكه الحريري، وتشرف مكاتبه على سان جورج. لم تكن لديه فكرة عما حدث، واخبرني انه ارسل اشخاصاً للتحقق. جلست اتابع التفاصيل على التلفزيون حتى اتضحت حقيقة ما حصل.
وُصف اغتياله، عن حق، مثابة زلزال سياسي. لا تزال تداعياته تتفاعل الى اليوم. بذلك انتقلنا الى مرحلة جديدة في تاريخ لبنان الحديث. دخلت البلاد في حقبة مختلفة تماماً. خرج الجيش السوري تحت وطأة قرار مجلس الامن رقم 1559 وانتفاضة اللبنانيين ومناداتهم بسيادتهم وحريتهم وكشف قتلة الرئيس الشهيد. سرعان ما تسارعت الاحداث: حكومة نجيب ميقاتي مهّدت لانتخابات نيابية عامة وفق القانون النافذ منذ عام 2000، اجريت على مراحل اربع بدءاً من 29 ايار 2005، رغم محاولات البعض تأجيلها وإن لبضعة اشهر. انبثقت منها غالبية نيابية مثّلت القوى الاستقلالية التي جمعها استشهاد الحريري، رغم الانقسام الحاد بين فريقي 8 و14 آذار.
بدا من الطبيعي ترشّحي للانتخابات عن بيروت، في لائحة تيار المستقبل في الدائرة الثانية ضمتني مع وليد عيدو وامين شري ويغيا جرجيان ونبيل دي فريج وعاطف مجدلاني.
رغم تعدّد المرشحين السُّنة، لم تكن المعركة الانتخابية صعبة. اذ كان خطابنا الى الناخبين ان كل صوت نحصل عليه هو صوت وفاء وتقدير للرئيس الشهيد، على اننا مؤتمنون على ارثه السياسي. حصلت لائحتنا على اكثر من ثلثي اصوات الناخبين، واظهرت النتائج تقدّمي على باقي اعضاء اللائحة باستثناء المرشح الشيعي.
عندما كُلّف السنيورة تأليف حكومة ما بعد الانتخابات، طلب سعد الحريري بالحاح المشاركة فيها، فاختار انا الحقيبة التي اريدها. بيد انني فضّلتُ الاكتفاء بمهماتي كنائب. حينذاك لم يترشح الحريري الابن. كنت والسنيورة مرشحيه لرئاسة الحكومة. افتقاره الى تجربة سياسية هو الذي يتنكب في المرحلة الجديدة إرث والده، قاده الى التفكير بأحدنا الى ان يأتي اوان خلافته، قبل ان يستقر على السنيورة. على ان سعد اختار الغياب طويلاً عن البلاد طوال اكثر من سنة، فترأست الكتلة النيابية لتيار المستقبل، وكانت الاكبر عدداً في البرلمان، واكبر من تلك التي ترأسها الرئيس الراحل، اذ ضمت 24 نائباً.
على امتداد وجودي في تيار المستقبل حتى نهاية عام 2006، عندما غادرت صفوفه، حرصت على عقد اجتماعات دورية لاعضاء الكتلة مع رئيس الحكومة في السرايا، بغية اطلاعهم على التطورات واجابتهم عن تساؤلاتهم. في تجربتي النيابية اتوقف عند احداث ثلاثة:
اولها، حجبي الثقة عن الحكومة الثانية للسنيورة عام 2008 على اثر اتفاق الدوحة. تقدّمت ببيان وزاري فضفاض مليء بالوعود غير القابلة للتنفيذ، لاسيما وان عمرها كان سينتهي مع الانتخابات النيابية بعد تسعة اشهر. قلت في مداخلتي يومذاك: “هذا الكم الهائل من الوعود والتعهدات لفترة وجيزة من الزمن ينطوي على استخفاف بقدرة المواطن على التمييز بين الممكن والمستحيل». اضفت ان هذه الحكومة “التي قيل عنها انها حكومتان في حكومة واحدة، جاءت في وقت خاطئ للقيام بعملية انتخابية لا يوحي تكوينها بقدرتها على اجرائها على الوجه المطلوب». كان شعوري وانا احجب الثقة انها تحمل في طياتها عناصر تفجيرها.

سألت سعد الحريري هل وافق على بيان البريستول الذي طالب بنزع سلاح حزب الله بعد حرب تموز، فردّ بالايجاب. اذذاك شعرت ان لا دور جدياً لي داخل تيار يتفرّد رئيسه بقراراته بلا العودة الى الكتلة

ثانيها، مناقشة مشروع قانون الانتخاب في مجلس النواب في اواخر ايلول 2008. تقدّمت من رئيس المجلس بمذكرة عرضت فيها ملاحظاتي مع الاسباب الموجبة. من الرجوع الى محضر الجلسة يتبين ان الملاحظات التي سجلتها اثارت نقاشاً طويلاً بدءاً باعتماد النظام الاكثري في المشروع، في حين ان اتفاق الدوحة احال صراحة الى تقرير فؤاد بطرس عن الانتخابات الذي يقترح اعتماد النظام النسبي في نحو نصف المقاعد النيابية. اقترحت اعتماد نظام مختلط من دون ادخال اي تعديل على تقسيم الدوائر الانتخابية المعتمد في مشروع القانون. بينت ان ذلك ممكن في 53 مقعداً من اصل 128. في هذه الحال يصبح ممكناً اعتماد الكوتا النسائية في الدوائر التي يزيد عدد النواب فيها عن اربعة من مذهب واحد. قلت بخفض سن الاقتراع من 21 سنة الى 18 دونما الحاجة الى تعديل الدستور. الا ان الاقتراح سقط. ليس مهماً ان تكون اقتراحاتي سقطت بالجملة عام 2008. الاهم ان النظام النسبي الذي دعوت اليه اعتمد، وإن مشوّهاً، في انتخابات عام 2018.
ثالثها، المحكمة الخاصة بلبنان. في اوائل كانون الاول 2005 دعاني صديقي مصطفى ناصر الى الاجتماع بممثل لحزب الله لتوضيح مفهوم المحكمة ذات الطابع الدولي الذي كان لا يزال غامضاً في اذهان الكثيرين. لبّيت الدعوة في منزله في تلة الخياط ليل 8 كانون الاول 2005، وتعرّفت هناك على الحاج حسين الخليل، المستشار السياسي للسيد حسن نصر الله. اقتطع من المحضر الذي وضعته عن اللقاء ما يأتي:
«استهل الحاج حسين الاجتماع بالتأكيد ان الكل متفقون على ضرورة تحقيق العدالة، الا ان شعورنا بأننا سوف نوقِّع على ورقة بيضاء.
ثم لخص هواجسه بثلاثة سقوف:
– ضرورة كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
– عدم تسييس القضية.
– ان لا تكون المحكمة مدخلاً الى وصاية خارجية.
شرحت طويلاً اسباب اللجوء الى محكمة بغطاء دولي، وانواع المحاكم الدولية التي سبق لمجلس الامن ان انشأها، والضمانات التي يشترط توافرها لاعطاء المحكمة الصفة الدولية. في نهاية اللقاء الذي دام اكثر من ساعتين اقترح الحاج حسين ترتيب اجتماع مع الامين العام لحزب الله في مطلع الاسبوع المقبل».
الاثنين 12 كانون الاول استشهد جبران تويني بتفجير سيارته وهو في طريقه من بيت مري الى بيروت. دُعيت الحكومة الى جلسة عاجلة عصر اليوم ذاته، تقرّر فيها الطلب من مجلس الامن انشاء محكمة خاصة للنظر في الجريمة، وتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق الدولية بحيث تشمل جميع الجرائم المماثلة التي حصلت منذ محاولة اغتيال مروان حمادة. عندئذ قرّر الوزراء الشيعة الاعتكاف لعدم اعطائهم المزيد من الوقت لدرس الموضوع، ولم يعقد من ثم الاجتماع الموعود لانتفاء الحاجة اليه.
مطلع العام 2006 بدأت المفاوضات التي شاركت فيها مع الدكتور سهيل بوجي، بين الحكومة اللبنانية ومجلس الامن ممثلاً بالسيد نيكولا ميشال معاون الامين العام للأمم المتحدة وفريق عمله. وُضعت في هذه الاجتماعات الخطوط العريضة لانشاء المحكمة ونظامها الداخلي. كان الاعتقاد انها ستنشأ باتفاق يوقعه لبنان ومجلس الامن. الا ان تعذّر اقترانه بمصادقة مجلس النواب بسبب الانقسام الوطني من حول المحكمة، حمل مجلس الامن في 10 ايار 2007، عملاً باحكام الفصل السابع من شرعة الامم المتحدة، على اعتبار الاتفاق نافذاً منذ 10 حزيران.

مغادرة تيار المستقبل
لم يطل وجودي في تيار المستقبل. في الايام الاخيرة من حرب تموز 2006، عاد سعد الى بيروت. فاجأني تلقيَّ مكالمة من مقسم الهاتف تخطرني بالغاء اجتماع بين كتلة تيار المستقبل ورئيس الحكومة من دون ان اعرف السبب، ومن غير ان يُحط السنيورة علماً بالالغاء. علمت لاحقاً ان الحريري وراءه حينما حضر الى منزلي وكشف لي ما حدث، واعتذاره عن الخطأ. ثم كانت صدمة ثانية، وانا على رأس الكتلة. في ايلول 2006 عقد اجتماع في فندق البريستول لقوى 14 آذار، بينها تيار المستقبل، وصدر بيان ورد فيه مرتين نزع سلاح حزب الله. كنا لا نزال نجرجر اذيال العدوان الاسرائيلي. لم يكن الاحتلال زال والحصار البحري قائم، ما حملني في اجتماع تالٍ للكتلة على التساؤل عن مبرّر اصدار بيان وافق عليه ممثلو التيار هناك، من دون العودة الى الكتلة – وكان في اجتماع البريستول بعض نوابها – ناهيك بتوقيت الخوض في نزع سلاح حزب الله والاحتلال لما يزل جاثماً، ولم تكن انقضت اسابيع قليلة على وقف النار. سألت سعد هل وافق على البيان، فردّ بالايجاب. اذذاك شعرت ان لا دور جدياً لي داخل تيار يتفرّد رئيسه بقراراته بلا العودة الى الكتلة، او استمزاجها رأيها. انقطعت عن اجتماعاتها، ثم عن تيار المستقبل بلا استقالة. غادرته نهائياً واستقللت في تجربتي النيابية. في وقت لاحق برّرت مغادرتي هذا الفريق بـ«انحرافه عن خط الرئيس الشهيد ونهجه الذي اعتمده منذ عدوان نيسان 1996، والقاضي بلمّ الشمل وجمع الكلمة». وهو ما تناولته في حديث صحافي في 30 تموز 2007.
لم يقتصر التناقض مع تيار المستقبل على مرحلة وجودي فيه، كما فريق 14 آذار، بل كذلك في المرحلة اللاحقة بازاء مقاربة انتخابات رئاسة الجمهورية، قبل نهاية ولاية اميل لحود في 24 تشرين الثاني 2007 وبعدها.
على ابواب الاستحقاق الدستوري اثيرت مسألة النصاب الواجب توافره في جلسة انتخاب الرئيس الجديد. انقسمت الآراء بين قائل انه النصاب العادي، اي النصف زائداً واحداً، وآخر قال بحضور ثلثي اعضاء مجلس النواب. ذلك ان الدستور ينص في المادة 34 على ان اجتماع مجلس النواب لا يكون قانونياً ما لم تحضره الاكثرية، في حين ان المادة 49 المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية لا تتعرض الى موضوع النصاب، واكتفت باشتراط ان يتم انتخاب الرئيس باكثرية الثلثين في الدورة الاولى. لم يقتصر الانقسام في الرأي حول هذه المسألة على الفترة تلك، بل يعود الى اكثر من خمسين سنة مضت حينما تباينت مواقف كبار الحقوقيين اللبنانيين في شأنها.

في 7 حزيران 2007 نشرت “السفير” مقالاً لي بعنوان: “قراءة هادئة لنص المادة 49»، عرضت فيه الآراء، وعدت الى كيفية انتخاب كل رئيس للجمهورية منذ الاستقلال. خلصت الى وجوب توافر الثلثين لاكتمال النصاب بالاستناد الى اسباب شتى، منها ان المادة التي تحدد النصاب بـ«النصف زائد واحد» تتعلق بالجلسات العادية، في حين ان المجلس ينعقد كهيئة انتخابية في جلسة الرئيس. منها ايضاً انه سبق للجان المشتركة عام 1976 ان اصدرت قراراً تبنّت فيه قاعدة الثلثين. فضلاً عن انه لا يُعقل ان يشترط الدستور اكثرية الثلثين لانتخاب الرئيس في الدورة الاولى، وان يصح انعقاد الجلسة بالنصف زائد واحد. اشرت الى انه لم يسبق ان انتخب رئيس قبل اكتمال حضور ثلثي النواب في جلسة الانتخاب. ثمة سوابق بقي المجلس خلالها ينتظر نائباً واحداً لاكتمال نصاب الثلثين لافتتاح الجلسة، احياناً في ظل اجواء حرب حقيقية، وتحت وابل من الرصاص والقذائف. الى كل ما تقدّم، فإن اعتماد النصاب العادي والتصويت بالغالبية البسيطة يمكن ان يؤدي الى انتخاب رئيس باصوات ربع اعضاء المجلس، اي ان يكون وليد اقلية من النواب، في حين انه يقتضي تقوية موقفه وتدعيم سلطته للقيام باعباء مهماته.
موقفي هذا كان على طرف نقيض من تيار المستقبل وقوى 14 آذار اللذين ناديا بانتخاب رئيس بنصاب الاكثرية العادية في سياق مواجهة محمومة مع قوى 8 آذار، وكل منهما يحاول لي ذراع الآخر في الاستحقاق. بل سمّى تيار المستقبل وقوى 14 آذار مرشحين لهذا النصاب، وهدّدا باجراء الانتخاب في معزل عن الفريق الآخر ورغم ارادته، قبل ان يتخليا لاحقاً ويسلّما على مضض بأن لا انتخاب الا بالنصاب الموصوف.
كان للمقال وقع اكبر بكثير مما كنت اتوقع، بدليل ردود الفعل الكثيرة والايجابية التي اثارها. ربما لأنه تضمن عرضاً موضوعياً لمختلف الآراء. من بين الذين اتصلوا هاتفياً رئيس المجلس نبيه برّي قائلاً لي: من الآن فصاعداً، عندما يسألني احد عن هذا الموضوع أُجيبه هل قرأت بهيج طبارة؟

سرّ المادة 74
دخلنا في شغور رئاسي طوال ستة اشهر تعذّر معها انتخاب خلف للحود. برز اسم العماد ميشال سليمان كمرشح، الا انه لم يكن قد استقال كقائد للجيش قبل سنتين كما تقضي المادة 49، وكان رئيس المجلس اتخذ قراراً بعدم تسلّم البرلمان اي مشروع قانون من حكومة السنيورة مذ استقال الوزراء الشيعة، اذ وصف الحكومة بأنها اصبحت غير دستورية وغير شرعية.
مساء 5 كانون الاول 2007، اتصل بي الحريري يدعوني الى ملاقاته في منزل برّي في عين التينة. كان البحث يدور حول المخارج القانونية لانتخاب سليمان، وتدخّل وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير للمساعدة، ساعياً الى ان يكون عرّاب الاتفاق عليه.
كان حاضراً، الى برّي والحريري، محمود شقيق رئيس المجلس ونادر ابن عمة الحريري وكوشنير. تبين انهم كانوا في انتظار حضور قانوني استدعاه برّي هو عفيف المقدم عضو المجلس الدستوري.
سُئلت: كيف ترى المخرج؟
قلت: انطلق من امرين. الاول حسبما فهمت ان هناك اتفاقاً على شخص قائد الجيش كي يكون الرئيس، الا ان انتخابه يصطدم باحكام المادة 49 التي توجب على موظفي الفئة الاولى ان يكونوا تركوا الخدمة سنتين على الاقل قبل موعد الانتخاب. الثاني ان الحكومة تفتقر الى الوزراء الشيعة (وسواهم) الذين استقالوا، وقد اتخذ رئيس المجلس قراراً بعدم الاعتراف بشرعيتها وعدم تسلّم اي مشروع قانون يرده منها، بما فيه مشروع تعديل المادة 49 وان لمرة واحدة. اوافق على موقف رئيس المجلس في عدم شرعية الحكومة لأن الدستور يشترط تمثل الطوائف في الحكومات. إما يعود الوزراء الشيعة عن استقالاتهم او يصير الى تعيين سواهم.
هذا الموقف لم يعجب الحريري الذي لم يرَ من المناسب اثارته.
سألت برّي: اذا عاد الوزراء الشيعة الى الحكومة هل يبقى من مبرّر لعدم الاعتراف بالقرارات الصادرة عنها؟ على هذا الاساس ارى ان يدعو رئيس الحكومة الى جلسة يكون موضوعها الوحيد اعداد مشروع قانون لارساله الى مجلس النواب بتعديل المادة 49، بحيث يسمح بانتخاب الرئيس من دون شرط الاستقالة المسبقة. يحضر الوزراء الشيعة، او قسم منهم كوزراء امل مثلاً، ويصرّحون في المحضر انهم يتحفظون عن قرارات الحكومة التي اتخذت في الفترة السابقة، ويحتفظون بحقهم في اتخاذ الموقف المناسب من كل من هذه القرارات، وان حضورهم الجلسة هو فقط لاقرار مشروع تعديل الدستور. يكون ثمة اتفاق على تدوين هذا التصريح في المحضر، من دون ان يجيب رئيس الحكومة او احد من الوزراء عنه، وينتقل مجلس الوزراء فوراً الى اقرار المشروع في جلسة لا تستغرق اكثر من 10 دقائق. بعد احالة المشروع على مجلس النواب يلتئم بالنصاب القانوني لاقراره، وبعدها يجتمع في جلسة لإنتخاب سليمان رئيساً، وتصبح الحكومة في حكم المستقيلة.
انتفض كوشنير في حركة مسرحية متوجهاً الى برّي: ها هو الحل موجود . لنمشِ به.
وافق سعد، ولم يعارض برّي طالباً مهلة للتفكير ومراجعة حلفائه.

انتهت الجلسة بعد ثلاث ساعات من دون اتخاذ قرار، بعدما ابدى كوشنير استياءه من عدم بت المسألة.

في وقت لاحق، في اجتماع لي مع السفير السعودي عبدالعزيز خوجة – وكان مهتماً بانهاء الشغور – سألني عن المخرج، فعرضت تصوّري. قال: اذهب الى رئيس المجلس واتفق معه واعلمني بالنتيجة. على الاثر اجتمعت ببرّي اكثر من مرة وخضنا في الموضوع، قبل ان ارسل اليه تصوّري كتابة رحب به، كما السفير السعودي، وازعج الحريري وقوى 14 آذار فعارضاه ثم مشيا فيه بعد تسوية الدوحة.
اوردت في تصوّري: «الوضع الدستوري حيال شروط انتخاب الرئيس بعدما شغر المركز بانتهاء ولاية الرئيس السابق وعدم انتخاب خلف، لم يعد كما خلال المهلة الدستورية المحددة للانتخاب بين 25 ايلول 2007 و24 تشرين الثاني. الوضع اليوم بعدما مرّ اكثر من ثلاثة اسابيع على انتهاء الولاية من دون انتخاب رئيس ترعاه احكام المادة 74 التي تنص على انه «اذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس او استقالته او سبب آخر…». كبير الحقوقيين الدستورين الدكتور ادمون رباط واضح وصريح. اعتبر عبارة “سبب آخر” تشمل ايضاً انتهاء مدة الرئيس المنتهية ولايته. بعبارة اخرى، يقتضي اعتبار شغور مركز الرئاسة بانتهاء الولاية من دون انتخاب رئيس جديد مماثلاً تماماً لشغور سدة الرئاسة بوفاة الرئيس او استقالته، اي شغورها لسبب طارئ (…)».
اضفت: على هذا الاساس:
1 – شغور مركز الرئاسة بانتهاء مدة ولاية الرئيس السابق وعدم انتخاب رئيس جديد ضمن المهلة الدستورية حالٌ من حالات نصت عليها المادة 74 من الدستور كالوفاة او الاستقالة. ينبغي بالتالي ان تعامل كالحالين هاتين.
2 – الوفاة كما الاستقالة كما اي سبب آخر طارئ غير متوقع، يعفي المرشح للرئاسة من شرط الاستقالة المسبقة او تعديل المادة 49.
3 – هذه القاعدة اعتمدها المشترع اللبناني في قانون الانتخابات النيابية عام 2000 (المادة 31).
4 – طبّق مجلس شورى الدولة في لبنان هذه القاعدة، رغم عدم وجود نص بذلك حيال حق رئيس البلدية في الترشح لمقعد نيابي شغر بسبب طارئ.
5 – الحق في الترشح مدني ودستوري، واي تقييد له في الدستور والقوانين لا يمكن ان يفسر الا بشكل ضيق.
واقع الامر ان سليمان انتخب رئيساً في 25 ايار 2008 تبعاً لاحكام المادة 74 من الدستور، من دون تعديل المادة 49.