الرئيسية / home slide / بهيج طبارة في «كتابات في دولة القانون»: اتفاق الطائف مدرَج في الدستور اللبناني فيما تفاهمات الدوحة نُفذت لتفادي الفتنة

بهيج طبارة في «كتابات في دولة القانون»: اتفاق الطائف مدرَج في الدستور اللبناني فيما تفاهمات الدوحة نُفذت لتفادي الفتنة

سمير ناصيف
القدس العربي
14022021

يتساءل كثيرون من الحريصين على مستقبل لبنان في خضم الأزمات المصيرية التي يمر فيها البلد، الذي كان في الماضي مفتاحاً لما يجري في منطقة الشرق الأوسط وتقلص دوره حالياً وأصبح على مشارف الانهيار، عما يخبئ له المستقبل.
فهل سيتم إنقاذ هذا البلد الصغير في حجمه وعدد سكانه والمهم في دوره، بواسطة السياسيين والقادة الذين تداولوا مصيره منذ مطلع القرن الماضي وحتى العقود الأولى من القرن الحالي وزرعوا خلافاتهم على السلطة فيه، بسبب ارتهان كثيرين منهم إلى إرادات واملاءات أجنبية وإقليمية، أو سيتوجه البلد في مسارٍ آخر؟
لعله من المفيد في هذا الصدد مراجعة كتاب صدرَ مؤخراً لوزير ونائب سابق في لبنان من أبرز الخبراء في الدستور اللبناني وتطبيقه (سابقاً وحالياً) والذي شمل مقالات كتبها المؤلف في هذا الصدد في العقد الحالي وفي عقود سابقة، ويمكن اعتبارها كمراجع لما يمكن الإفادة منها في معالجة الجزء الكبير من الأزمات الخطيرة المستمرة في لبنان.
المحامي المخضرم والوزير السابق والمرجع القانوني الدكتور بهيج طبارة شاء وهو في مرحلة متقدمة من سنيّ حياته، أن يترك إرثه الفكري والقانوني في كتاب صدرَ مؤخراً بعنوان: «كتابات في دولة القانون» شمل مقالات معظمها باللغة العربية وبعضها بالفرنسية والإنكليزية تتطرق إلى قضايا مصيرية لبنانية عالقة ومعقدة في هذه المرحلة.
أهم ما ورد في الكتاب يتواجد في الفصل الحادي عشر منه حيث يوضح طبارة ان «اتفاق الطائف» الذي تم إبرامه وإدراجه في الدستور اللبناني في عام 1990 يختلف عن «تفاهمات الدوحة» التي تمت في عام 2008 والتي لم تصبح بنوداً نافذة في الدستور اللبناني ولكنها اعتمدَت لمواجهة أزمة حادة نشبت في لبنان في أيار (مايو) 2008 ولتفادي تفاقمها.
يقول طبارة في الفصل السابع عشر بعنوان «الدستور اللبناني بعد الطائف والدوحة»: «في عام 1990 أُدخلت إصلاحات مؤتمر الطائف في صلب الدستور اللبناني وأُدرجت فيه بموجب (المادة 31) من مواده. أما تفاهمات الدوحة لعام 2008 فإنها لم تؤدِ إلى تعديلات على النصوص الدستورية». وبالتالي، فإن ما وردَ في تفاهمات الدوحة لا يُعطل دستورياً ما ورد في اتفاق الطائف لعام 1990. (ص 125).
وبالتالي، فإن مرجعية طبارة، الموثوق بها لموضوعيتها ولخبرة المؤلف العارمة في النصوص الدستورية اللبنانية والفرنسية التي بُني على أساسها الدستور اللبناني، يمكن الرجوع إليها في معالجة مشكلة دستورية نشأت مؤخراً بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري.
يقول طبارة الذي حاولت المرجعيات اللبنانية تكليفه رئاسة الحكومة في الأشهر الماضية ولكن جهات داخلية وإقليمية ودولية عرقلت ذلك إن: «الأصول الإضافية المعتمدة في مؤتمر الطائف لم تعطِ الرئيس المكلف بتأليف الحكومة كما في الدستور الفرنسي، حق تأليف الحكومة منفرداً، بل أبقت على دور رئيس الجمهورية في المشاركة في التأليف بحيث نص اتفاق الطائف المعمول به دستورياً على إبقاء دور رئيس الجمهورية في التأليف وعلى أن مرسوم تشكيل الحكومات يصدر بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف بحسب المادتين 53 و64 من الدستور، وما لم يحصل الاتفاق بين الرئيسين فالحكومة لا تتألف (ص 76). كما بقي اتفاق الطائف الدستوري الفعل، صامتاً إزاء المدة الزمنية لتأليف الحكومة في حال تعذر تطبيق هذا الواقع. فدور رئيس الحكومة المُكلف هو أن يجري الاستشارات، ولكن ذلك لا يعطيه حق تشكيل الحكومة منفرداً. (ص 76).
وبالتالي، فما قد يمكن لبعض الجهات الاستنتاج والتكهن في هذا المجال ان إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو، ربما شجعت اختيار سعد الحريري كمرشح يعرض حكومة مؤلفة مسبقاً ويحدد عدد أعضائها وهوية أصحاب حقائبها الرئيسية قبل التشاور مع الرئيس عون، وأن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ربما مشى في هذا المسار لعدم رغبته معارضة مشيئة ترامب، كما ان الرئيس ميشال عون ربما أمل ويأمل في أن يستطيع طرح بدائل تتيح له المناورة على هذا الخيار بعد فوز جوزف بايدن برئاسة الجمهورية وإحباط مسار ترامب/بومبيو وحلفائهما مما قد يُشعر الحريري بأن عون يحاول تعطيل دوره الدستوري – لم يؤكد المؤلف هذه التكهنات والاستنتاجات بشكل مباشر ولم يذكرها في الكتاب.
يتطرق المؤلف أيضاً إلى دور حكومة تصريف الأعمال دستورياً نظراً لأن الحكومة اللبنانية المستقيلة مؤخراً برئاسة الدكتور حسان دياب هي مثل هذه الحكومة. فيؤكد في الفصل 15: «في الأزمات الكبيرة يصبح من واجب حكومة تصريف الأعمال أن تمارس أي صلاحيات امتلكتها أو تمتلكها أي حكومة عادية حازت على ثقة المجلس النيابي وأن عبارة تصريف الأعمال في لبنان والخارج هي عبارة مطاطية تضيق وتتسع حسب ظروف البلد» (ص 111). ويقدم المؤلف أمثلة أتخذت فيها حكومات سابقة لتصريف الأعمال قرارات مصيرية مشيراً إلى إلغاء اتفاق 17 أيار (مايو) 1983 مع إسرائيل وإلغاء «اتفاق القاهرة» بين الدولة اللبنانية والقيادات الفلسطينية بشأن السلطة في داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان ومدى سلطة الدولة اللبنانية فيها الذي تم توقيعه في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1964 ومناسبات أخرى مما يعني بأن حكومة تصريف الأعمال ومستوى سلطتها مرتبطان بالظروف التي يمر بها البلد. وهذا أمر حسب طبارة، أقرت به حكومات لبنانية سابقة بقيادة الرئيسين نجيب ميقاتي وسعد الحريري حتى عام 2019 (ص 112).
ويستنتج بأن الأوضاع المالية والاقتصادية والصحية الحالية في لبنان تتطلب تدابير فورية واتصالات إقليمية ودولية لتجنب الانهيار الكامل للبلد. وبالتالي، يشير إلى ضرورة أن يكون مجلس الوزراء في حالة انعقاد دائم لاتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة هذه الأوضاع الخطيرة، وهذا أمر ضروري ولا يشكل تجاوزاً لصلاحيات حكومة تصريف الأعمال. (ص 113).
ومن الأمور المفيدة في الكتاب طروحاته في مقالات أخرى وردت فيه حول امكان إلغاء الطائفية السياسية في لبنان التي يعتبرها المؤلف واحدة من الأسس التي يصعب تطوير النظام السياسي والاجتماعي اللبناني من دون الغائها.
يقول في الفصل السادس عشر بعنوان: «كيف تُلغى الطائفية السياسية في لبنان؟» انه «ما تم الاتفاق عليه في تفاهمات الدوحة لعام 2008 في مجال قانون الانتخابات يختلف عما ورد في اتفاق الطائف لعام 1990 بحيث عاد في الدوحة التوجه إلى الاعتماد الإداري للقضاء كدائرة انتخابية بدلاً من المحافظة في عمليات الانتخابات التشريعية، وذلك التوجه كان هدفه أن تنتخب كل طائفة أو كل مذهب العدد الأكبر من ممثليهما في مجلس النواب». ويعلق قائلاً: «كنا نشكو من الطائفية قبل اتفاق الطائف ولكننا صرنا نشكو من المذهبية في التمثيل التشريعي وفي المناصب الإدارية الرئيسية والقضائية» (ص 121 ـ 122). بينما المطلوب (برأي طبارة) «اللامركزية الإدارية وإنجاز قانون عادل للانتخابات التشريعية يجمع بين كل اللبنانيين ولا يزيد التفرقة فيما بينهم، ويضيف إلى لوائح الذين لديهم حق الانتخاب اللبنانيين الذين هم فوق الـ18 من أعمارهم، كما يتيح حق الانتخاب للبنانيين المقيمين في الخارج». (ص 122).
ويطرح أهمية إنشاء مجلس شيوخ يشرف على أعمال مجلس نواب منتخب خارج القيد الطائفي بحيث يغربل القوانين الصادرة عن مجلس النواب ويمكنه نقضها في مجالات مصيرية كتعديل الدستور والحرب والسلم وإعلان حال الطوارئ وتغيير قوانين الأحوال الشخصية وكل القوانين التي تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء، حسب المادة 65 من الدستور اللبناني (ص 123). ومجلس الشيوخ سيكون ممثلاً لجميع العائلات الروحية اللبنانية (حسب طبارة) لأنه «ليس في مصلحة أي جهة لبنانية أن تُلغي الجهة الأخرى أو الانتصار عليها والمطلوب العيش المشترك والاعتدال والتسامح مع الجهات الأخرى». (ص 124).
ويؤكد أهمية تشكيل «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية» التي تم إدراج ضرورة تشكيلها في اتفاق الطائف لعام 1990. ولكن بعض الجهات اللبنانية اعتبرت أن تشكيلها وتفعيلها يُعرّض لبنان للخطر لكون النظام يرتكز على عدم التعرض للطائفية السياسية وللطائفية في أنظمة الأحوال الشخصية. ويأسف طبارة لكون بعض السياسيين الذين يؤيدون علناً اتفاق الطائف وينادون بضرورة الاحتفاظ به كإرث سياسي ثمين شكلوا أداة ضاغطة للانقلاب على هذا الاتفاق والاستناد إلى تفاهمات الدوحة لعام 2008 في تطبيق تقسيمات إدارية على أساس القضاء، وليس المحافظة، كما وردَ في اتفاق الطائف في الانتخابات التشريعية اللبنانية لعام 2009.
ويعتبر طبارة أن الانتخابات التي جرت في عام 2009 شكلت تجاوزاً للدستور اللبناني الذي أصبح يضم بنود اتفاق الطائف.
كما جرت الانتخابات الاشتراعية في الدورات اللاحقة بشكل يكرس الأخطاء التي أارتكبت في انتخابات 2009 التي لم تطبق الدستور المُعدل.
ويتساءل إذا سيتم الاعتماد على اتفاق الطائف وإضافاته إلى الدستور اللبناني في تأليف الحكومات المقبلة أم ستتجه جهات لا يناسبها ذلك الاتفاق إلى تجاوز أصوله وبنوده الأساسية التي أُدرجت في الدستور اللبناني بحجة تفاهمات الدوحة علماً أن تلك التفاهمات اللاحقة تمت لمحاولة تفادي المواجهات المذهبية الخطيرة في لبنان ولمنع تعريض استقراره للخطر والفتنة، ولكنها لم تُدرج رسمياً في الدستور، كما ذكر.
الدكتور بهيج طبارة هو مرجع دستوري وقانوني كبير. وهناك قليلون من أمثاله في النظام السياسي والعدلي اللبناني من الذين يلتزمون المبادئ الأخلاقية والقانونية، حتى في أصعب المواقف. وهو من الذين رفضوا انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان من دون حضور دستوري لثلثي أعضاء المجلس النيابي في وقت كانت كتلته السياسية ترغب في ذلك وفي تجاوز الدستور ونصوصه (حسب رأيه). وبما أن طبارة وكثيرون من أمثاله من سياسيي لبنان النزهاء والشرفاء قد بلغوا سناً متقدمة من أعمارهم فمن الضروري أن يبحث الشعب عن أمثالهم ليصحّحوا المسار السياسي والعدلي من أجل مستقبل أفضل للبلد.
الدكتور بهيج طبارة: «كتابات في دولة القانون»
إصدار خاص، بيروت 2020
364 صفحة.

سمير ناصيف