الرئيسية / home slide / بني صدر: التشيّع الليبرالي واستبداد الولي الفقيه

بني صدر: التشيّع الليبرالي واستبداد الولي الفقيه

 صبحي حديدي
القدس العربي
15102021

رحل الرئيس الإيراني الأسبق أبو الحسن بني صدر (1933-2021) في منفاه الفرنسي الذي لجأ إليه منذ حزيران (يونيو) 1981 وحتى وفاته مؤخراً؛ وطُويت برحيله صفحة بالغة الخصوصية في الثورة الإسلامية الإيرانية، تخصّ شريحة محدودة العدد من المثقفين التكنوقراط والشباب الذين التفوا حول آية الله الخميني وجهدوا لدفعه نحو صيغة اجتماعية وإصلاحية من الإسلام والتشيّع، وكان بعضهم (بني صدر نفسه، وأمثال صادق قطب زاده) في عداد أبكر ضحايا استشراس الإمام حين استقرّ على نسخة أوتوقراطية استبدادية متشددة من تشيّع ولاية الفقيه.
وتلك كانت صفحة قصيرة الأمد، بالطبع، استمدّ أفرادها القسط الأكبر من حضورهم، في المشهد الداخلي الإيراني بعد انتصار الثورة الإيرانية، من حقيقة الصلات الوثيقة التي جمعتهم مع الخميني خلال سنوات إقامته في ضاحية نوف لوشاتو قرب العاصمة الفرنسية، بحيث أنّ معظمهم عاد معه على الطائرة ذاتها التي أقلته من باريس إلى طهران. ولهذا لم يكن غريباً أن يمحض الإمام بني صدر ثقة عالية، وأن يصغي إلى أفكاره، وأن يكلفه بشغل هذه الحقيبة الوزارية أو تلك، وألا يغضب عليه حين رفض التوزير مراراً. لن تطول هذه الحال، كما هو معروف، خاصة حين شرع بني صدر في إعلان خلافه مع هذا أو ذاك من آيات الله، ومساندة حكومة مهدي بازركان الإصلاحية، ورفض اقتحام السفارة الأمريكية وأخذ الرهائن، والدعوة إلى إسلام عادل قائم على حقوق الإنسان والمواطنة والحريات العامة.
في الانتخابات الرئاسية لشهر شباط (فبراير) 1980، حقق بني صدر نصراً كاسحاً بمعدّل 76٪، فكان بذلك أوّل رئيس يُنتخب ديمقراطياً في عهد الثورة الإسلامية، الأمر الذي لم يرق للخميني، فأمر الفائز بالتنازل لصالح مرشح مجلس الثورة الإسلامية الذي لم يتجاوز 5٪ من الأصوات، فرفض بني صدر واندلعت بذلك معركة مفتوحة مع الإمام، بلغت الأوج مع دعوة بني صدر إلى إجراء استفتاء عام حول صلاحيات الخميني القصوى التي كرّسها مبدأ ولاية الفقيه. ويحفظ التاريخ للإمام عبارته الشهيرة التي أغلق بها الباب أمام فكرة الاستفتاء: حتى لو وافق عليه 35 مليون إيراني، فلن أقبل به! خلال الفترة ذاتها، ورغم أنه كان الرئيس الشرعي المنتخب، فقد أصدر آية الله جيلاني، رئيس المحاكم الثورية في طهران، سلسلة فتاوى تقضي بإعدام بني صدر؛ وفي حزيران (يونيو) 1981 حاك المجلس محاولة انقلابية ضدّ الرئيس، اضطرت بني صدر إلى التسلل من إيران نحو فرنسا.
هذا السجلّ، الحافل بحسّ ثورة إصلاحي ورومانتيكي وإسلامي معتدل وجليّ الميل إلى مأسسة الثورة الإسلامية على أسس تشاورية أو مناهضة على الأقلّ لاستبداد ولاية الفقيه، مكّن العديد من الباحثين في تاريخ الثورة الإسلامية الإيرانية من استسهال إطلاق صفة «اليسار» وبالتالي «الإسلام الإيراني اليساري» أو حتى «التشيّع الليبرالي» على مسارات بني صدر. ليست هذه رياضة آمنة، في تقدير هذه السطور، لأسباب شتى معقدة تتصل أوّلاً بأية حصيلة فعلية وعملية أنجزها جيل بني صدر وقطب زاده، أو ربما بازركان نفسه، ويصحّ فيها توصيف «اليسار» أو «الليبرالية». الأفكار ملفّ آخر، بالطبع، وقارئ مؤلفات بني صدر المبكرة، ثمّ تلك التي أنجزها من منفاه الفرنسي بعد طول اختمار وتأمّل وتحرر؛ ليس في وسعه اعتبارها سلّة واحدة متكاملة متضافرة تمثّل بني صدر طالب المدرسة الثانوية المتحمس لثورة محمد مصدّق في وجه الاحتكارات النفطية، أو الطالب الجامعي المتمرد على متاهة الإيديولوجيات والعقائد في إيران مطالع الخمسينيات، أو مرشح الدكتوراه في الاقتصاد السياسي؛ فكيف بأوّل رئيس يتمّ انتخابه في إيران ما بعد الثورة، بحماس كاسح.

بهذا المعنى يُفهم توجس بني صدر من استبداد الإمام الواحد، الذي سيحمل في الفقه الشيعي السياسي الحديث والمعاصر تسمية الولي الفقيه، حتى إشعار طويل أو ربما مرّة وإلى الأبد

والحال أنّ بني صدر كان سليل حركة أعرق تاريخاً، وأعمق جذوراً، ولعلها أخطر دلالة أيضاً؛ هي «حركة المشروطة» التسمية الثانية لثورة دستورية رائدة انطلقت سنة 1905 ضدّ الشاه مظفر الدين، وقادها الفقيه الشيعي الملا محمد كاظم الخراساني (كان بين أنسب ألقابه أنه الأب المؤسس للدستور والنهضة والإصلاح السياسي في إيران) وعاونه نفر من كبار رجال الدين الذين تألفوا من الشيعة غالباً. على رأس هؤلاء وقف آية الله الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (1860-1936) الذي لا يتردد بعض الباحثين في اعتباره طبعة شيعية من مارتن لوثر، لم يقتصر تأثيرها على إيران أو المشرق الشيعي.
لافت، في المقابل، أن» الصفّ المناهض للحركة، والذي كان ينتهي إلى خدمة الشاه عملياً، قاده نفر من آيات الله استحقوا بالفعل تسمية «أنصار المستبدّة» ولم يتحرّج النائيني في وضعهم ضمن فريق «عَبَدة الظالمين» و«علماء السوء» و«لصوص الدين» و«مُضلّي ضعفاء المسلمين». وكان النائيني يستلهم جمال الدين الأفغاني وروحية «طبائع الاستبداد» ولكن في ميدان سياسي فقهي شائك هو الإمامة الغائبة، ومدى حقّ الأمّة في ولاية نفسها، وتشكيل حكومة زمنية عادلة؛ بدل الركون إلى حكومة لازمنية مطلقة (ومستبدة بالضرورة، لأنها جزء من «شعبة الاستبداد الديني» حسب النائيني).
وبهذا المعنى أوّلاً، وضمن توجهات أخرى مركبة، يُفهم توجس بني صدر من استبداد الإمام الواحد، الذي سيحمل في الفقه الشيعي السياسي الحديث والمعاصر تسمية الولي الفقيه، حتى إشعار طويل أو ربما مرّة وإلى الأبد؛ ويُفهم واحد من أكثر مؤلفات بني صدر تعبيراً عن مخاوفه كمتشيّع بدأ ليبرالياً/ خمينياً، وانخرط في الثورة، وترأس الجمهورية الإسلامية، قبل أن يُجهز عليه استبداد الوالي الفقيه وأجهزته وقضاته وفقهائه. ففي «عبادة الفرد» 1976، الكتاب الذي لم يفلح بني صدر في إخفاء صلاته الفعلية والدلالية بالمفهوم الستاليني للتعبير، لا يخطئ القارئ معرفة المقصود بالفرد الذي يُعبد، من جهة أولى؛ ولا بالفقه التنظيري والتطبيقي الذي يسيّج تلك العبادة، من جهة ثانية.
ولعلّ معضلة بني صدر الثانية، الجوهرية والمحورية مع ذاك، أنه لم يتمتع بمقدار كافٍ من الخصال الكارزمية التي مكّنت أمثال علي شريعتي أو محمد حسين طباطبائي أو محمود طالقاني من إحداث تغييرات جلية في طرائق ترسيخ فقه شيعي حيوي ومتحرك، خلال الثورة أو بعدها؛ كما أنه افتقر، كرجل دولة هذه المرّة، إلى العديد من ديناميكية بازركان في التوفيق بين آلة الدولة والحوزة، خاصة في منعطفات حاسمة مثل أزمة الرهائن الأمريكيين. ولعلّ المثال الأبرز هنا هو عجز بني صدر عن فضح التواطؤ الإيراني مع مساعدي المرشح الأمريكي للرئاسة رونالد ريغان، في سياق ما عُرف بـ«مفاجأة أكتوبر» فلم يكشف ما في جعبته من معلومات إلا بعد خروجه إلى المنفى الفرنسي.
ومن نافل القول إنّ نظير بني صدر، ولكن على الجانب الآخر من مثقفي وشباب ورجال الدولة في الثورة الإسلامية، كان محمود أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السادس بين 2005 و2013. هذا رجل دخل تاريخ إيران من بوّابة تفصيل يقول إنه أوّل رئيس إيراني يقبّل علانية يد المرشد الأعلى/ الوالي الفقيه، ليس لأنه مرشّح خامنئي المفضّل، وألعوبة في يده، فحسب؛ بل أساساً لأنه أيضاً صار رأس الحربة في صفّ المحافظين المتشددين. وذاك موقع عجز بني صدر عن شَغْله كقائد، وليس رأس حربة بالضرورة، في صفّ الإصلاحيين أو الليبراليين أو حتى التكنوقراط؛ رغم أنّ رصيده الجماهيري لم يكن أقلّ من الحشود الشعبوية التي اعتاد أحمدي نجاد استنفارها، وفي هذا فارق إضافي غير ضئيل في معادلة متشيّع ليبرالي تراءت له القدرة على مقارعة استبداد الولي الفقيه، انكسرت أحلامه أوّل الدرب.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس