الرئيسية / home slide / «بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها

«بناية تي. في. تاكسي» في بيروت تدور كالدراويش وتلفظ سكانها

زياد كاج يرصد تحولات العاصمة اللبنانية

بيروت: سوسن الأبطح
الأربعاء – 18 جمادى الآخرة 1444 هـ – 11 يناير 2023 مـ رقم العدد [ 16115]
https://aawsat.com/home/article/4091191

عمل أدبي جديد يصدر بعد أيام للروائي والشاعر اللبناني زياد كاج، يحمل عنوان «بناية تي. في. تاكسي»، يحكي فيه عن تحولات بيروت، تحديداً المنطقة التي سكنها صغيراً، في عمارة «الزاهد» وشاهد من خلالها تبدلات المدينة وأحوالها.
يأخذنا كاج من خلال الكتاب الصادر عن «دار نلسن»، ويحمل عنواناً فرعياً هو «الصنوبرة، رأس بيروت» في رحلة عبر الزمن، إلى هذه المنطقة من العاصمة اللبنانية التي بقيت فخراً لأبنائها بسبب تنوع سكانها، وتسامحهم، وتعايشهم، حتى في فترة الحرب الأهلية. إذ يصرّ أهالي «رأس بيروت» ومنهم مؤلف الكتاب، على أنها أجمل مناطق المدينة وأكثرها تميزاً، وأن كل شارع بها وعمارة وشجرة شهود على أحداث جسام، أثرت ليس فقط في تاريخ لبنان، بل في المنطقة ككل.
الشخصية الرئيسية في الكتاب هي بناية «الزاهد» التي تقع في حي الصنوبرة، نسبة إلى شجرة صنوبر ضخمة موجودة في المكان. يقول الراوي: «سكان بناية الزاهد تبدلت أحوالهم خلال الحرب، بعد انقطاع الكهرباء وتقنين المياه، وفلتان الشارع. صاروا أكثر حاجة لنا كأبناء للناطور، تحسنت معاملتهم معنا، خصوصاً أؤلئك الذين كنت أضعهم على اللائحة السوداء من أمثال مدام بورسالي، وغازي بو زين المتشاوف، الذي لا يضحك للرغيف السخن، وإميل البتروني الذي تآمر يوماً مع (أبو بوز) للتخلص من أبي، وجلب ناطوراً جديداً للبناية».
في الكتاب عودة إلى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، ليحكي الكاتب – الرواي عن البناية التي فيها ترعرع الكاتب وكبر وذهب الى المدرسة، ولم يتركها إلا حين تزوج. لكن الحنين إلى الحي ورأس بيروت، لم يفارقه. وسبق له وكتب عن بيروت أكثر من كتاب، أبرزها روايته «بيروت: صندوق في بحر، نار على تلة».
كاج في كتابه الجديد، لا تحكمه النوستالجيا، ولا يسكنه الحنين. إنما يسجل «سيرة مكان» كما وصف الناشر سليمان بختي النص. سيرة بناية تبدو للكاتب «كأنها تدور وهي تؤدي رقصة الدراويش، تلفظ أناساً وتستقبل غيرهم تبعاً للمرحلة. قبل حرب السنتين، كانت في حال، وبعدها صار السكان شيئاً آخر. قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 سكنتها مجموعة مختلفة عن تلك التي جاءتها بعد الاجتياح، ثم تحلّ مرحلة رفيق الحريري الذي سكن المنطقة وأثر فيها. في كل مرة ثمة من يموتون أو يهاجرون أو يغيرون أماكن سفرهم، وتبقى العمارة قائمة في مكانها، إلى اليوم».
تغّير ملّاك العمارة، كما سكانها، وبقي والد الكاتب، ناطورها الأمين عليها، وابنه زياد الكاج الذي كان طفلاً يومها، يراقب ما يحدث، ليصبح كاتباً يقص علينا حكاية ما صارت تعرف خلال الحرب الأهلية ببناية «تي. في. تاكسي»، بسبب مكتب سيارات الأجرة الذي تمركز بها واصطفت مركباته الأميركية الصفراء كبيرة الحجم حولها. أما الأم المسيحية فهمزة وصل، وجسر مع السكان، ولا تزال تسكن في المكان مع ابنتها.
حدثان رئيسيان، عاشهما أهل الحي، رآهما الراوي طفلاً، وكان شاهداً عليهما. اغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين عام 1973؛ وهم كمال ناصر، وكمال عدوان وأبو يوسف النجار، وكان لا يزال في التاسعة، ثم اغتيال أبو حسن سلامة عام 1979 في الشارع نفسه بسيارة مفخخة، وكان قد أصبح في الخامسة عشرة.
على المبنى الضخم الذي يقع عند زاوية ومفترق، ويرتفع سبعة طوابق في كل منها خمس شقق، توالت عشرات العائلات، أرمن، مسلمون ومسيحيون ومسؤول كبير من شهود يهوا، خفيف الظل، متواضع، وآخرون من ملل متعددة. (يمكن للقارئ أن يكتشف المبنى على غلاف الكتاب الجميل الذي صمم لوحته يوسف دوغان).
من خلال متابعة بعض الشخصيات، نفهم سيكولوجيا المكان وأعماق الناس. هناك كوكو الكوافير النسائي الأرمني، الذي كان رغم الحرب يتنقل بخفة بين شطري بيروت الشرقية والغربية، وأصبح بتكوينه جزءاً من منطقة رأس بيروت. ويوم اضطر كوكو أو كريكور (وهو اسمه الأصلي) للانتقال إلى منطقة ذات غالبية أرمنية في برج حمود ضاع توازنه، وفقد ألقه، وبدا شاحباً وهرماً.
ثمة فصل كامل عن محمد ميشال الغريب، الذي كان من سكان الشارع، في مبنى قريب. وهو شخصية معروفة لمعاصريه في سبعينات القرن الماضي، كونه مارونياً اعتنق الإسلام، وعمل في السياسة. هو ابن الجبل وبدل أن يكون تحت جناحي طائفته التحق بالحزب الاشتراكي وكمال جنبلاط، الذي هو نفسه أيضاً لم يأخذه على محمل الجد. هكذا بقي محمد ميشال الغريب الذي تخرج من كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية وعمل محامياً وفتح لنفسه مكتباً، غريباً في عيون كثير من الناس، لكنه ترك لنا مؤلفات جميلة، أمتعها «مذكرات ماروني».
«أحببت أن أخصص له في الكتاب فصلاً كاملاً»، يقول كاج، «لأظهر أن الشخص النقي والآدمي في بلادنا، يداس ويسحق. كميل شمعون لم يتمكن من مسامحة محمد ميشال الغريب الماروني الذي ترك زعيم طائفته والتحق بجنبلاط، فبقي يحاربه حتى سحقه بالفعل».
هناك أيضاً ابو علي الذي حلّ كناطور مكان والد الراوي ومعه عائلته، ولا هم له إلا أن يعود إلى قريته التي هجّر منها، وهو ما تحقق له بالفعل، بعد أن انضم إلى الحزب الشيوعي الذي صبغ غالبية سكان المنطقة، ثم بدّل من ميوله كما كثيرين غيره.
يقول كاج: «لا أذكر أن أولاد العائلات المتوسطة في منطقتنا حملوا سلاحاً، أو شاركوا في الحرب. كان همّ الناس، أن تعلم أولادها وتنجو بنفسها، خصوصاً أن ثمة فترة أغلقت فيها المدارس».
في هذا الوقت مدرستان فتحتا أبوابهما لأولاد الحي، «مدرسة الطليان» قرب فندق البريستول، و«مدرسة الروضة». يعلق الكاتب: «جميل أن يفكر مدير مدرسة وقد تعطلت الحياة التربوية، أن يفتح مؤسسته لأبناء الجيران ليلعبوا كرة القدم أو كرة السلة ويقضوا وقتاً لطيفاً في زمن عصيب».
في الكتاب عودة إلى شارع الحمرا، أيام العزّ مطلع السبعينات، بسينماته الكثيرة، «ستراند» و«الحمرا» و«كوليزيه»، وأفلامه الأثيرة، ورواده. هناك سكنت عائلة كاج، قبل أن تتمركز في بناية الزاهد. ذلك يوم كان الدرك اللبناني و«فرقة 16» على وجه التحديد، لها هيبة لم تسترد، وشراء «البوب كورن» قبل الدخول إلى صالات السينما، ليس في متناول كل الناس، فيستبدلون به الفول السوداني.
ينتهي الراوي، وهو يتحدث عن الزمن الراهن، عن زيارته لوالدته وشقيقته في بناية الزاهد، وتأمله ما انتهت إليه منطقته، وما صار عليه حي الصنوبرة. ويعلق بالقول: «تغيرت وجوه الناس بالفعل، ومع ذلك لا يزال رأس بيروت، رغم أنه فقد بعضاً من تنوعه الإنساني، مكاناً لا يمكن مقارنته بأي منطقة أخرى في العاصمة».
«بناية تي. في. تاكسي» ليس رواية، بل نصّ مفتوح يجول فيه الراوي، في حنايا منطقة عزيزة من العاصمة اللبنانية، هي القلب والنبض والحيوية. يجول فيها أحد أبنائها جيئة وذهاباً في الزمن، يتأمل الوجوه التي عبرتها، من سبعينات القرن الماضي إلى اليوم مسجلاً عبر ناسها على اختلافهم، حكاية نصف قرن ونيف من عمر مدينة عربية ليست ككل المدن.