الرئيسية / أضواء على / “بلزاك” كما صوّره أندريه موروا: الحياة الحقيقية حكاية تُروى

“بلزاك” كما صوّره أندريه موروا: الحياة الحقيقية حكاية تُروى

برومثيوس معاصر يفتح دروبا مغلقة

إبراهيم العريس 
باحث وكاتب 
السبت 25 يناير 2020 13:29
إنديبندنت عربية
https://www.independentarabia.com/
28012020

أونوريه دو بلزاك

إذا كان الكاتب الفرنسي أندريه موروا قد عُرف كروائي، من الطبقة الثانية على أي حال، عبر العديد من نصوصه التي كثيرا ما تأرجحت بين النخبوية القاصرة والشعبوية العسيرة، فإن شهرته الأساسية قامت على نوع آخر من الكتابة كان فيه صنوا لمجايله النمساوي الكبير ستيفن زفايغ، وهذا النوع هو فن كتابة سير الآخرين من كبار المبدعين. وحتى لو أن كتب زفايغ في هذا المجال فاقت شهرة وأهمية إنجازات موروا، فإن هذه الأخيرة عُرفت وقرئت على نطاق واسع، وارتبطت باسم موروا الى درجة أنه وجد نفسه ذات حين ينكبّ على وضع كتاب نظري يحلل فيه هذا الصنف الأدبي بكل جدية ومهارة علمية. وهو وضع ذلك النص يومها جامعا فيه محاضرات ألقاها بدعوة من إحدى الجامعات الأميركية.

ولئن كانت كتب السيرة التي وضعها موروا منسيّة بعض الشيء في أيامنا هذه، فإن كتابا له في هذا المجال يبقى صامدا حتى اليوم يُقرأ ويدرّس ويطبع وتعاد طباعته هو بالتحديد كتابه عن مواطنه كاتب القرن التاسع عشر أونوريه بلزاك المعنون “بروميثيوس أو حياة بلزاك”. في هذا الكتاب الذي كان همّ الكاتب الأول أن يصل فيه الى نوع من الربط العضوي بين حياة الكاتب اللاهي اللامبالي بالحياة ونتاجات الأديب الذي يسرق من تلك الحياة نفسها تفاصيلها التي مكنته من أن يكتب تلك “الكوميديا الإنسانية” العامرة بالشخصيات والمواقف واللقاءات والإختفاءات والعودات التي تقول كم أن الحياة صعبة ومربكة. منذ البداية تحدث موروا عن تلك الكيمياء التي عرف الكاتب (بلزاك) كيف يقيمها بين نزعتين متناقضتين في وجوده. ومن هنا بالطبع كان اختياره لبرومثيوس كدليل له في مسيرته كما كان فرجيل دليلا لدانتي في رحلته عبر “الكوميديا الإلهية”.

قسم موروا كتابه أربعة أقسام تبعا لنقاط الإرتكاز التي طبعت حياة بلزاك ومساره الخلاّق: وهو أعطى القسم الأول عنوان “الصعود” حيث في هذا القسم درس الكاتب طفولة بلزاك ومناخه الأسري في العهد البونابارتي الذي خلاله انتقلت الأسرة الى باريس حيث عرف بلزاك الفتيّ كيف يحول الإقامة في منطقة الماريه الى مدرسة حقيقية التقى خلالها شخصيات سوف نلتقيها في رواياته لاحقا (لوي لامبير مثلا)… ويحمل القسم الثاني من الكتاب عنوان “المجد”، نفس المجد الذي كان بلزاك تحدث عنه في القسم الأول حيت التقى باكرا حبيبته الأولى وقال: “ليس لديّ سوى هدفين، الحب والمجد”. ونعرف أن بلزاك بدأ ينشر خلال تلك المرحلة تلك الروايات التي حققت نجاحا سريعا ومنها “الأب غوريو” و”الزنبقة في الوادي” و”الأوهام الضائعة”… ومن هنا انطلقت ليس فقط بقية تفاصيل حياة بلزاك وعلاقاته الغرامية – بدءا من مدام هانسكا التي سوف تلعب مذّاك الدور الرئيسي في حياته بالتواكب مع الاتفاق الذي عقده مع مجموعة من المكتبيين الناشرين لإصدار العدد الأكبر من رواياته تحت اسم موحد هو الكوميديا الإنسانية – بل تلك التعقيدات والتقلبات التي شابت حياته مازجة بشكل لا مثيل له بين الحياة نفسها والحكايات الخيالية التي راح يكتبها تباعا…

أما بالنسبة إلى موروا فإنه بعد أن يفصّل لنا ذلك كله، يتوقف عند ما سمّاه “الدراسات البلزاكية” كما كانت حالها حتى زمن وضع الكتاب الذي نُشر للمرة الأولى في العام 1965 أي في زمن لم تكن الدراسات البلزاكية قد وصلت فيه إلى المستوى الذي تعرفه اليوم، والذي يجعل من كتاب موروا عتيقا بعض الشيء! بل كتابا تكمن أهميته في شخصية مؤلفه ونظرته أكثر مما في شخصية المؤَلّف عنه!

بين التبادل والمصالحة

مهما يكن ينقلنا هذا الواقع الى المؤلف نفسه حيث نعرف أن أندريه موروا بدأ حياته الأدبية وهو بعد هاو في شرخ الشباب حتى اختار لنفسه اسماً فرنسيَّ النطق والدلالة بدلاً من اسمه الأصلي اليهودي إميل هرتزوغ. فعند بدايات موروا، كانت النزعة المعادية للسامية في فرنسا مزدهرة وكانت هوية الكاتب – أو حتى المواطن – اليهودية تكفي لوضعه، بشكل أو بآخر، خارج سيرورة المجتمع واجماعيّته، ومن هنا غيّر الشاب اسمه إلى أندريه موروا الذي سيحمله طوال حياته ويصبح هو اسمه الرسمي.

والتوجّه الأدبي بدأ مع أندريه موروا باكراً، منذ خدم في الجيش الفرنسي كضابط ارتباط مع القوات البريطانية الحليفة، ووجد أن عليه أن يوجد وسيلة يُفهم بها الفرنسيون الروح الانجليزية ويفهم بها الانجليز الروح الفرنسية وصولاً إلى التواصل بين الطرفين، فكانت روايته الأولى «صمت الكولونيل برامبل» التي كتبها وهو في الثانية والعشرين من عمره في العام 1917. ولقد حكم مبدأ التبادل المبني على المصالحة رواياته الأربع التالية، إذ نجده في العام 1926 يكتب رواية «برنار كيني» كتعبير عن ضرورة المصالحة بين العمال وأرباب العمل، وفي العام 1928 كتب «مناخات» كمحاولة للوصول إلى المصالحة بين نظرة المرأة والرجل إلى بعضهما البعض، بينما كتب في العام 1932 «دائرة العائلة» كنوع من محاولة للمصالحة بين الأجيال.

حسّ التبادل والمصالحة هذا ظل موروا يحمله إلى النهاية، ومن هنا لم يكن من قبيل الصدفة أن يكون واحد من آخر كتبه، كتاباً وضعه شراكة مع خصمه “الإيديولوجي”، الشيوعي لويس آراغون، نصفه يروي تاريخ الولايات المتحدة الأميركية (كتبه موروا) ونصفه الآخر يروي تاريخ الاتحاد السوفياتي (وهو نصف كتبه، بالطبع، آراغون). هذا الكتاب المزدوج صدر في العام 1962، وكان بالنسبة إلى موروا «محاولة كتابية للمصالحة بين تاريخي الدولتين الأعظم». وموروا الذي رحل عن عالمنا في العام 1967، أتيح له على أي حال أن يشهد بداية الإنفراج بين تينك الدولتين ما أثلج صدره بالطبع.

شهرة عبر حياة الآخرين

 غير أن شهرة أندريه موروا الأساسية لم تقم لا على رواياته التي راحت تصدر بزخم عجيب خلال النصف الأول من مساره الكتابي، ولا على تأريخه «الذاتي» للولايات المتحدة، ولكن على العديد من السير التي كتبها. فالحال أن أفضل ما بقي من أندريه موروا لقرائه، هو تلك النصوص المعمقة والتي تمتزج فيها الدراسة التاريخية بالدراسة السيكولوجية لترسم صبوات بعض أشهر الأدباء الذين اعتبرهم موروا على الدوام أساتذته الحقيقيين. وهو في هذا الاطار، وبعد عذابات مرحلة الحرب العالمية الثانية التي تلت صعود النازية، واضطرته إلى تمضية العديد من سنوات حياته في الولايات المتحدة كما في افريقيا الشمالية، انصرف كلياً تقريباً إلى ذلك النوع من الأدب الذي كان ثالث المجيدين فيه في القرن العشرين، إلى جانب ستيفان تسفايغ وإميل لودفيغ، بل إنه فاقهما جودة في بعض الأحيان: فن كتابة السيرة. والأدب يدين له، إلى جانب كتابه عن بلزاك الذي نتحدث عنه هنا، بكتب في هذا المجال، ترجمت إلى العديد من اللغات، من بينها «آريال أو حياة شيلي» (1923) و«حياة دزرائيلي» (1927)، وهما الكتابان اللذان خاض فيهما التجربة قبل أن يغوص في لعبة السيرة حتى النهاية، فكان نجاحه مشجعاً له على الاستمرار، فتوالت السير من «رينيه أو حياة شاتوبريان» إلى «دون جوان أو حياة بايرون» (1952)، ثم «ليليا أو حياة جورج صاند» و«أولمبيا أو حياة فكتور هوغو» (1953) وهو كتاب اتبعه بكتاب عن «آل دوماس الثلاثة» وآخر عن حياة السير الكسندر فلمنغ مكتشف البنسلين.

والحال إن أندريه موروا صاغ تلك السير بنفس العناية التي كان يصيغ بها صناعة الأقمشة الدقيقة في مصنع والده عند بداياته هو الذي كان قبل نيله شهادة الفلسفة وانخراطه في الأدب، قد بدأ عاملاً في مصنع أبيه. سيرة حياته، على أي حال، كتبها موروا في العام 1953 تحت عنوان لافت هو «صورة لصديق كان اسمه أنا» وهو في هذا الكتاب أبدى من التواطؤ ومن المصالحة مع الذات ما أعاد الأذهان إلى أسلوبه التصالحي الذي لم يفارقه أبداً على أي حال.

اضف رد