الرئيسية / home slide / بلد يعيش في الماضي وسلطته تبحث عن دستور

بلد يعيش في الماضي وسلطته تبحث عن دستور

لبنان الحياة، من احتفال بعد الحجر في الزيتونة باي (“نبيل إسماعيل).

على مسافة أقل من يومين من انعقاد طاولة الحوار التي دعا إليها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون تحت عنوان مواجهة الفتنة وحماية السلم الأهلي، وفي ظل المواقف المتفاوتة للقوى السياسية حيال مشاركتها، بدا واضحاً أن الحسابات السياسية إن من جانب صاحب الدعوة أو من جانب المعترضين أو الرافضين للمشاركة، تتقدم على أي أولوية سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية – باعتبار أنها كلها أولويات- مطيحة بذلك أي حظوظ لمعالجات جدية بعيدة من الكيدية وتصفية الحسابات وحماية المواقع والمكاسب. وبقطع النظر عن انعقاد الاجتماع في ظل إصرار الرئيس على عدم التراجع، فهو أُفرغ من مضمونه وهدفه بعدما سجل المعترضون باعتذارهم، موقفهم من سيد بعبدا، ومن العهد، وليس من بنود جدول الأعمال، التي للمفارقة تتم معالجتها على مستوى القيادات لدى الطائفتين السنية والشيعية. وهو ما دأبت عليه قيادتا الطائفتين في سياق سياسة ربط النزاع بينهما.

يبدو المشهد السياسي من أعلى هرمه ونزولاً كمن ينبش في التاريخ، بحيث تطغى صيغة الماضي على أي نظرة إلى المستقبل. بلغ الأمر بمرجع كبير أن يرفع يديه ليقول أن لا حلّ إلا بنظام سياسي جديد. وبدلاً من أن يحمل في طيات مواقفه رؤية لما ينتظر اللبنانيين في المستقبل القريب، قال أمام محدثيه: “لا أريد تيئيسكم، ولكن واقع الحال لا يدفع إلا إلى الهجرة”، مكتفياً باستعادة محطات وملفات تعطلت بسبب السياسات الماضية، معتبراً أن الحل الوحيد ليس في تغيير الحكومة والعودة إلى حكومة وفاق وطني أثبتت فشلها على مر العقود، وليس اجتماع بعبدا حتماً تمهيداً لها، وليس في انتخابات نيابية مبكرة، وإنما في تغيير النظام السياسي القائم.

وما همس به المرجع أمام محدثيه ليس إلا انعكاسات للواقع الراهن والممارسة السياسية التي تستدرج البلاد نحو نظام جديد على أنقاض دستور الطائف.

الجو القاتم عينه يمكن تلمّسه في الأوساط الدبلوماسية الغربية التي تنظر بعين القلق إلى مستقبل البلاد في ظل الغموض القاتل الذي يلف أداء السلطة السياسية، والذي يعكس حالاً مخيفة من التخبط وغياب الرؤية أو المقاربة الموحدة لمسار إخراج البلد من قعر الانهيار الذي بلغه. ولكن على العكس، لا تلمس هذه الاوساط إلا مزيداً من الإمعان في التخبط وعدم اتخاذ القرار، والاستخفاف بالنصائح الدولية، رغم أن هذه السلطة تعوّل في شكل أساسي وكبير على الدعم الدولي لتأمين بضعة مليارات لسد عجوزات الخزينة، لكنها لا تقدّم أي إجراء إصلاحي في المقابل يعكس التزامها وصدقيتها، والأهم وعيها لحجم الأزمة وعمقها وخطورتها.

يترجم هذا التخبط بالانقسام الحاصل ليس بين المولاة وما توافر من المعارضة، بل حتى بين أركان السلطة، وداخل الفريق الواحد منها. فمقاربة الخسائر المالية فضحت حجم الكباش داخل “التيار الوطني الحر” بين رئيسه ورئيس لجنة المال والموازنة، عضو التيار. المقاربة ذاتها التي شغلت وزير المال وأغرقته في اجتماعات كثيفة منذ توليه الوزارة بفعل قرار الحكومة التخلف عن سداد الدين، ثم إعداد الخطة… كشفت بدورها الحملة التي يتعرض لها من داخل فريقه السياسي، وتحديداً من سلفه في الوزارة، ما دفعه إلى وضع استقالته في تصرف رئيس المجلس، إذا لم يتم تحديد دور الوزير السابق انطلاقاً من موقعه كمعاون سياسي لبري ونائب في كتلته.

هذه التناقضات في المقاربات أو في الأداء تركت ولا تزال ذيولها على مناخ التفاوض مع صندوق النقد الدولي، ولا سيما بعد استقالة أحد مستشاري وزارة المال، وما حملته في طياتها من حيثيات عكسَ فيها المستشار اعتراضه على عدم تحقيق أي تقدم أو إصلاح مما التزمت به الحكومة.

أمس، كان للجنة تقصي الحقائق النيابية جلسة مناقشات مع ممثلي الصندوق، في مسعى لشرح المقاربة التي اعتمدتها وتبنّتها لجنة المال والموازنة للخسائر المالية، يُنتظر أن يأخذ بها الصندوق، إذا كان يسعى جدياً للتوصل إلى برنامج مع لبنان، انطلاقاً من أن أي برنامج يجب أن يحظى بمصادقة البرلمان، كما أن الخطة الحكومية تلحظ نحو 22 مشروع قانون لا يمكن السير بها ما لم تقر في المجلس.

هل ستنجح مناقشات الأمس في حسم الجدل والانتقال إلى مرحلة جديدة من المفاوضات، أو أنها ستظل رهينة الكباش السياسي الحريص على البقاء في زمن الماضي؟

Sabine.oueiss@annahar.com.lb