الرئيسية / home slide / بلدٌ يعشق التغريدات

بلدٌ يعشق التغريدات

16-09-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

سمير قسطنطين

سمير قسطنطين

“تويتر” (تعبيرية – ديما قصاص).

البلد يتأثّر بالتغريدات. ينتظرُ ال#لبنانيّون ما سيوحي به في تغريدتِه في كلّ مرّة السفير السعودي وليد البُخاري. السفيرُ يُدرك ذلك. يفهمُ اللبنانيّين جيّداً. يكتبُ في تغريداته كلاماً يحمل أكثر من معنى. “بيحَرقِصْنا”.

الوسيط الأميركي في ملف الترسيم #آموس هوكشتاين يصل بيروت. يغرّد على حسابه عبر “#تويتر“: “صباح الخير بيروت. منظرٌ رائعٌ للإستيقاظ من مقرّ السفارة الأميركية”. ويُرفق تغريدَته بصورة لبيروت. يتفاءل اللبنانيّون بأنّ #ترسيم الحدود البحريّة قريب. لكنّنا لا نُدركُ أنّ ملفَّ لبنان غير مطروح في أيّة قاعةِ اجتماعات أساسيّة في واشنطن، في وزارة الخارجيّة أو الكونغرس أو البيت الأبيض. كلُّ ما في الأمر هو أنّ هناك اهتماماً بالجيش حصراً.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفي الذكرى السنويّة الثانية لانفجار المرفأ، يغرّد هو الآخر متحسّراً فيقول: “يعيش لبنان اليوم يوم حداد وطني بعد مضي عامَين على انفجار مرفأ بيروت. وأنا أتذكَّر ببالغ الأسى حالة الذهول التي أصابَتْني في آب/أغسطس 2020 عندما علمتُ بوقوع هذه الفاجعة”. فرنسا تهتمُّ من حينٍ لآخر بلبنان. صحيح، لكن لفرنسا أجندتها هي. ظننّا وقت زيارتَي ماكرون إلى بيروت أنّ وقت التغيير حان. لكن سريعاً ما اكتشفنا أنّ إدارة المرفأ من قِبَل شركة فرنسيّة، وإعطاء أولويّة لشركة توتال في التنقيب، وتزكية رئيس حكومةٍ يشبهها هو مصطفى أديب، هي أمورٌ تهتمّ بها فرنسا أكثر ممّا اهتمّت بمحاربة الفساد والفاسدين عندنا.
نحن لا نُصدّق مثلاً أنّ السعوديّة غير مهتمّة بلبنان. العالم العربي السنّي برُمّته غير مهتمٍّ بلبنان. زمن عبد الناصر وصدّام حسين ومعمّر القذّافي إنتهى.

لو يُصدّق اللبنانيّون أنْ ليس هناك شيءٌ إسمه المجتمع الدولي. هناك دولةٌ تهتمُّ في فترة ما بموضوع لبنان ليس أكثر، ولسببٍ غالباً ما يتعلّق بمصالِحها هي. أمّا ما يُسمّى بالمجتمع الدولي، فهو غيرُ مهتمٍّ بلبنان إطلاقاً. لذا ليس مُهِمّاً ما يغرّدُه السفراء والرؤساء وغيرُهم. مَن يتابع التغريدات وتفسيرَها ويتّكل عليها مسكينٌ.

لكنّ العلّةَ ليست هنا فقط. إنتظاراتُنا الخشبيّة من هذه الدُوَل هي المُشكلة. والمشكلة الأدهى أنّ أحداً في لبنان غير مهتمٍّ بإيجاد حلٍّ. رئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة مهتمتّان بالردِّ على بعضهما البعض، بالمباشر وبالواسطة، عبر بيانٍ أو تسريبات، أكثر ممّا هما مهتمتّان بإيجاد حلٍّ. الرئاسةُ الأولى مهتمّة بخلقِ جوٍّ عن إمكانيّة البقاء بشكلٍ ما، في إطارٍ ما بعد 31 تشرين، وهي تعلم أنّ لا أساسَ دستوريّاً لهكذا طروحات. والرئاسةُ الثالثة مهتمّة بإظهار الرئاسة الأولى بمظهر الضعف. أنتَ تسمعُ منها إنتقاداً أكثر ممّا ترى إرادةً للحلِّ. طبعاً في كلِّ ذلك ينسى مسيحيّو معارضة العهد أنّ الخلافَ مع رئيس الجمهوريّة يجوز، لكن إطلاق النار على الرئاسة كموقع لا يجوز. ينسى بعض هؤلاء أنّ الخطأ آتٍ من الطرفَين، لكن في حمأةِ لُعبة السلطة، تقتضي المصلحة، وللأسف، بإطلاق النار باتّجاهٍ واحد هو رئاسة الجمهوريّة.

وحدَها “ميّاس”، ذكّرتنا أنّ لنا وطناً غالياً إسمُه لبنان. وقبلها ذكّرنا رجال الأرز حين فازوا بكأس آسيا في الطريق إلى كأس العالم، بأنّنا نستطيع أن نكون فخورين. لولا هؤلاء لكُنّا غشينا من تغريدةٍ لا معنى لها، أو وقَعنا في يأسٍ بسبب عجز مسؤولينا عن فعل أيّ أمرٍ سوى ارتكاب الفشل ونحر لبنان ونحرنا معه.