“بلبل حيران”

سمير عطاالله
النهار
18042018

يعتز رؤساء أميركا بأن يتركوا للتاريخ أمرين: خطابهم يوم التنصيب، كمثل خطاب جون كينيدي الذي استشهد فيه بقول جبران خليل جبران: فكروا في ما تؤدّون لوطنكم، وليس في ما يقدمه الوطن لكم. وبعده يتركون بياناً بسياستهم الثابتة، وهو ما سمي “مبدأ”، وفي الدرجة الثالثة أوراقهم الرسمية التي تشرح تفاصيل المرحلة وأسبابها.

كل هذا تغيَّر مع دونالد ترامب: لا خطاب للحفظ، ولا بيان للعودة إليه، ولا أوراق للمكتبة: تغريدة قصيرة، تليها تغريدة تلغيها، وتلحقها تغريدة تنقضها. بلبل في البيت الأبيض.

قبل ثلاثة أسابيع غرّد ترامب أنه سوف يسحب قوات أميركا من سوريا. ثم استفاق العالم على تغريدة يقول فيها إنه سوف يوجه ضربة صاعقة اليها. ثم فعل. ثم أصبحنا صباح الإثنين، فإذا المغرّد الأول في العالم يُعلن ان الانسحاب سيكون أسرع مما تظنون.

لا حليف يستطيع أن يبني سياسته استناداً الى تغريدة، ولا خصم ولا عدو. هذه المرة الأولى تعوم السياسة الدولية على مثل هذه البحيرة: ما من موجة في قياس الأخرى على رغم رتابة الفقش. او بالأحرى المدّ والجزر. نعم في الصباح، لا في المساء.

الادارة الاميركية عودت العالم، لكي يفهم سياستها، أن يتابع وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، مستشار الأمن القومي. الجميع غابوا: إما مستقيلون وإما في الطريق الى الاستقالة، أو الإقالة، أو الطرد. والرئيس يغرد.

قبل حتى ان يباشر المعنيون دراسة آثار الضربة الثلاثية، غرّد رئيس الولايات المتحدة الاميركية بأنه ماشٍ! إلى أين من هنا؟ إلى جدار المكسيك؟ إلى حرب السلع مع الصين؟ تابعوا التغريدة التالية. في غضون ذلك، اهرقت حول العالم مئات المليارات تحت وطأة التغريد. ألّف تغريدته ونام. لغة انكليزية مثل لفظ الاطفال والفروض المدرسية.

هذا اول رئيس دولة يقول في الملأ إنه يريد ايجار البنادق التي يرسلها للقتال في حروب الحلفاء. أسلافه طالبوا وتلقوا، لكنهم لم ينزلوا الى لغة “تويتر” وعباراتها. حتى جورج بوش (الابن) كان يهمه بأي عبارات سوف يدخل التاريخ.

اقلبوا الصفحة. لم يعد في تقليد البيت الأبيض أن يكون اول تعيين في الادارة كَتبة الخطب، حرصاً على عدم الخطأ في عين المضارع. الكتبة خطب. تويت وانتهى الأمر. الباقي غلبة وفكر وادب لا ضرورة لها.

مثلما فعلت ثقافة الطعام السريع بمتعة الطعام، هكذا تفعل ثقافة التغريد بمتعة التخاطب. أقام تاليران نصف سياسة فرنسا على مهارة طباخه. انتهى. اليك هذا “الماكدو” ومعه صلصته وتشريقها.

لا أعرف عن جنابكم، لكنني أشعر ان هذا العالم ليس مريحاً كثيراً. حالة العوم بلا بوصلة تدعو الى القلق. ويبدو كأن القيم والقواعد والضوابط والتقاليد لم تعد تعني شيئاً لأحد. يتحدث دونالد ترامب عن الضرب والانسحاب كمن يتحدث عن رحلة صيد. ويعامل فلاديمير بوتين العالم ببرودة الخبث المهني المألوف. وإلى هذا الحد بلغت الاستهانة الدولية، بحيث لم يعد مكان للغة رجل الدولة والمسؤولية الأممية التي يتحدث بها ايمانويل ماكرون. كم عظيم أن يكون رئيس الدولة مثقفاً، وأن يعي أنه وريث ديغول وبومبيدو وميتيران. وكم هي محرجة أميركا بأن يكون صاحبها هو صاحب كتاب واحد عنوانه “فن الصفقة”، ولا يرث سوى نفسه.

يليق بالشعوب الكبرى المثقفون الكبار. في نصف ولاية درامية أعطى جون كينيدي الولايات المتحدة ما يوازي عشر ولايات. وتشرشل ربح الحرب العالمية ليس بمهارته العسكرية، ولكن بحسه التاريخي وخطابه الفكري. ولم يكن شارل حلو أهم رؤسائنا، لكنه كان – بعد سنغور – أهم رئيس فرانكوفوني دخل الاليزيه، واحتفى به ديغول باعجاب، ثم بومبيدو دون حدود.(1)

أدب “الصفقة” يمنحك مستوى الصفقة وعوائدها. آسفون على الباقي: كعكة وفوقها حبة كرز. أما الباقي فلا يمكن البحث عنه الا حيث يمكن البحث عنه. ليس هنا.

“الآباء المؤسسون” لأميركا كانوا، في شكل أو في آخر، أهل فكر وثقافة تاريخية. حاولت العام الماضي ان احضر في نيويورك مسرحية هاميلتون (الكسندر) فقيل التذاكر مبيعة لعامين. إنه الرجل الذي وضع الأصول الاقتصادية لجورج واشنطن، وساهم في الدستور. الآباء الآخرون رفضوا ان ينقلوا تجارب أوروبا لأنها بلاد غرقت في الحروب الطائفية. حرب المائة يوم، وحرب الثلاثين عاماً، وحرب التفاهة والجهل والعصبيات المجنونة. لذلك، قرروا دستوراً لا يشتعل بعود ثقاب، أو بخناقة رثة بين مجموعة أطفال، أو يحترق تحت عجلات بوسطة حامية أمام كنيسة مشتعلة.

ما هو الفارق بين الحكم بالتأمل والحكم بـ”التويتر”. وقد سُمِّيت تغريدة على أساس ان ترتبط بالفرح، فإذا الناس يحولونها مثل كل شيء آخر، إلى غضب وتهديد ومعارك وانذارات.

أخذنا على شارل حلو أنه كان متردداً جداً. وقد كان كذلك لأنه كان مليئاً بالثقافة التاريخية والمعرفة والأدب. وما رآه الإخفاء ضعفاً فيه، كان قوة رجل الدولة وسعة رجل الفكر. لم يستطع ان يرد أنياب الحرب الأهلية وشهوات القتل والانتحار، لكنه اجّلها لئلا يرتبط اسمه بها. مات وهو يحاول ان يرد عن نفسه تهمة “اتفاق القاهرة”، لكن معرفته بالتاريخ لم تعوضه عسف الجغرافيا وظلم ذوي القربى.

 كأنما كان يخشى على حكمته ومعرفته من الخلل. فقد أحاط نفسه برمزين من رموزهما: الشيخ ميشال الخوري والاستاذ فؤاد بطرس. لكن الزمن كان قد انزلق الى درك الغاب، حتى قال سليم الحص جملته الشهيرة، لبنان ليس شريعة الغاب، بل غاب بلا شريعة.

 توقفت ساعة الرقي والرحمة. وانتقل لبنان، في كلام صديقه الآخر وتوأمه المسلم تقي الدين الصلح، الى “جمهورية المقتولين”. وانزوى الاوادم الى الملاجئ والبواخر. وفي كل زمن تظهر للبنانيين بواخر ما. وقدرنا ان يكون النور تركياً في ذكرى قرن على عطور مشانق جمال باشا، التي سنحتفل بها هذا العام في 6 ايار بالانهيار النسبي: تغريدة مختصرة.

نحن نعرف (أهل الشرق) ان لا اقتراع في الاستفتاءات، نعم أو نعم، والنتيجة 99,999 مدى الحياة والى أبد الآبدين. أما في الانتخابات فهناك، من حيث الشكل على الأقل، خيار.

 أين هو الخيار في هذا الاملاء الجماعي الملون؟ وأين هي الحرية إذا كان ابن الثامنة عشرة يدخل الجيش ولا يحق له ان يقترع؟ “كولاج” فاشل وغير مذوق. إذا كنّا نريد تقليد أسوج، فيجب اولاً أن نعدّل مرتبتنا على لائحة الفساد الدولية بحيث لا نعود في حذاء زيمبابوي.

 ما هذه النسبية التي تسدّ بابين: خيار الانتخاب وايضاً خيار الترشح. أليس الحؤول دون ترشح رجل مثل حسين الحسيني، عيباً في القوانين والتهذيب واللياقات والمواطنية؟

هل هذه منافسة بين مشرعين أم حرب بين لوائح؟

هذا قانون قهر. قانون يسحب الكرامة الشخصية من اللبناني، بأن تفرض عليه بعض من لا يليقون بوطن أو بقانون.

–  بلبل حيران، اغنية لمحمد عبد الوهاب، شعر أحمد شوقي. 

(1) شارل حلو بريء من اتفاق القاهرة، المحامي جو الخوري حلو، دار سائر المشرق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*