الرئيسية / home slide / بغياب العدو الخارجي: قد تتفكك إسرائيل من الداخل ولكنها لن تهزم كالصليبيين

بغياب العدو الخارجي: قد تتفكك إسرائيل من الداخل ولكنها لن تهزم كالصليبيين

القدس العربي
19102020

“ثمة شيء ما فيما يقوله”، هذا ما قاله لي- ولا أعرف إذا كان بانفعال وخوف شديد- عيزر وايزمن في أثناء تطرقه لأقوال الرئيس السوري حافظ الأسد عام 1988. كان وايزمن في حينه وزيراً بلا حقيبة في حكومة الوحدة الوطنية ذات الرأسين والمكونة من شمعون بيرس وإسحق شامير. وأيد الاعتراف بـ(م ت ف) وإجراء مفاوضات السلام. شبه الأسد حملات احتلاله الصليبيين بالصهيونية ودولة إسرائيل.

بهذا أراد الأسد أن يقول إن وجود الصليبيين في البلاد كان مؤقتاً وكان تمركزهم فيها ضعيفاً. بعد مئة سنة تقريباً، في 1187، هزموا في معركة حطين قرب طبرية على يدي القائد العسكري صلاح الدين الأيوبي. ومنذ ذلك الحين، وبالتدريج، تم طردهم إلى أوروبا التي جاءوا منها.

لم يكن الأسد الوحيد الذي استخدم هذه المقارنة التاريخية، فقد كان هناك نوع من تعزية النفس من قبل العرب على عجزهم وفشل جهودهم في هزيمة إسرائيل، وهي لم تنتشر في السياسة فقط، بل أيضاً في الأدب والتاريخ العربيين في سنوات الخمسينيات والستينيات. وبالنسبة لهم، أنتم الصهاينة نبتة غريبة ونهايتكم الاختفاء مثل الصليبيين.

وفي الرواية الإسرائيلية في تلك السنين، فيما يشبه صورة المرآة، كان هناك من كتبوا وناقشوا الذاكرة الصليبية؛ فقد كتبت الشاعرة داليا رابيكوفيتش في 1966 قصيدة بعنوان “حطين”، والبيت الأخير فيها يقول “لم تكن لديهم مملكة بعد/ لم تكن لديهم حياة أو قدس/ كم كان الصليبيون متوحشين وساذجين/ لقد نهبوا كل شيء”.

كان الخوف الإسرائيلي من هشاشة الوجود في الدولة الصغيرة، المحاطة بعالم مسلم ومعاد. واوري افنيري هو ممن سحرته ممالك الصليبيين ومصيرهم وانشغل بدرجة غير قليلة بالمقارنة. في كثير من مقالاته في “هعولام هزيه” اقتبس افنيري من الكتاب الضخم للمؤرخ البريطاني (الإسكتلندي) السير ستيفن رينزمان بعنوان “تاريخ الحروب الصليبية”.

المقارنة مغرية، فقد كان الصليبيون غزاة من أوروبا، مفعمين بالأيديولوجيا والإيمان الديني، احتلوا البلاد بقوة السلاح وأقاموا ممالك مسلحة ومثلوا ثقافة غربية في قلب الشرق الإسلامي، وحاولوا، لكنهم وجدوا صعوبة في الاندماج في محيطهم، وأنهكوا في معارك مرة تلو الأخرى، وأضعفوا في أعقاب انقسامات وصراعات داخلية فيما بينهم، إلى درجة أن خارت قواهم وانتهى حكمهم.

حتى لو كانت هناك أوجه شبه، فكل مقارنة تاريخية مبسطة، بالتأكيد بين المشروع الصهيوني والمملكة (الممالك) الصليبية. أولاً، علينا أن نذكر بأنه لم تكن هناك -في زمن الحملات الصليبية في أرض إسرائيل، منذ نهاية القرن الحادي عشر وحتى منتصف القرن الثالث عشر (كانت هناك أيضاً حملات صليبية في دول البلطيق وشرق أوروبا)- رؤية قومية التي على أساسها ومنها نمت الحركة الصهيونية. وبسبب العلاقة التاريخية الواضحة للشعب اليهودي وأرض إسرائيل والقدس، فلا أساس للمقارنة بين الصليبيين والصهاينة، ويمكن عد مزيد من التبريرات التي تثبت ذلك.

إسرائيل دولة قوية، متقدمة اقتصادياً وتكنولوجياً، وهي أيضاً الدولة العظمى العسكرية الأقوى في المنطقة الممتدة من شرق البحر المتوسط وحتى المحيط الهندي. عملية التسليم بوجودها من قبل الدول العربية عملية بطيئة، لكنها مستمرة. لم يكن هذا التسليم بحكم الأمر الواقع، بل بحكم القانون، عن طريق اتفاقات سلام مع أربع دول عربية، وأيضاً مع عدد من الدول التي يتوقع أن تسير في أعقابها.

يمكن الافتراض بمعقولية عالية أن إسرائيل لن تُهزم في ساحة الحرب، وإن لديها- حسب مصادر أجنبية- سلاحاً نووياً. ليس عبثاً أن سمى الصحافي المعروف سيمور هيرش، أحد كتبه الذي يتناول السلاح النووي الإسرائيلي “خيار شمشون” (من إصدار “معاريف”).

ليس هناك تهديد خارجي حقيقي على إسرائيل. وإذا كان يوجد خطر على استمرار وجودها كدولة ديمقراطية ويهودية، وإذا كان هناك خطر على مستقبل الصهيونية كحركة قومية لمعظم الشعب اليهودي (على الأقل نصفه يعيش في إسرائيل)، فهو خطر داخلي لا خارجي.

تتفكك إسرائيل كدولة وكمجتمع. الشروخ، الانقسام، الكراهية، الاشمئزاز المتزايد من قيم ليبرالية والانقسامات السياسية وغيرها بين اليمين وبين الوسط – يسار، بين العلمانيين والمتدينين، بين الشرقيين والأشكناز… كل ذلك يهدد النسيج الدقيق للوجود هنا. لذلك، يجب أن نضيف الاحتلال والقمع ضد الشعب الفلسطيني، وتداعياته الخطيرة على الديمقراطية والمجتمع. لم تبدأ هذه الظواهر في سنوات حكم بنيامين نتنياهو، لكن تسارعت في عهده بدرجة غير قليلة بمبادرته المتعمدة.

كان لشعب إسرائيل روح مشتركة، تبنتها الأغلبية وتكتلت حولها: إقامة الدولة، والاستيطان، والأمن، وقيم الديمقراطية، والأخلاق والإيمان بعدالة الطريق. وكان الناس على استعداد للنضال من أجلها، حتى لو كان عليهم التضحية بحياتهم. بات النسيج المشترك الذي وحد الدولة آخذاً في التآكل.

ويعبر عدد متزايد من الإسرائيليين، كباراً وصغاراً، عن الخوف والذعر على وجودها. وهذا ليس حنيناً مصحوباً بالشفقة على الذات، على غرار قصيدة أريك آينشتاين بعنوان “يا وطني، إلى أين أنت ذاهب”. هذا قلق أصيل وحقيقي، صرخة تنطلق من القلب.

بقلم: يوسي ميلمان

 هآرتس 18/10/2020