الرئيسية / home slide / بعيدا عن الانهيار السياسي: صمود الفن التشكيلي في لبنان

بعيدا عن الانهيار السياسي: صمود الفن التشكيلي في لبنان

منذ 11 ساعة

 هناء عبد الخالق
القدس العربي
04072022

يجرّ هذا العام 2022 أذيال الخيبة والأنين لوطن يرزح في عمق الجراح من سلالة أعوام سابقة. أنينٌ من انهيار اقتصادي حدّ الرعب بشموله المجالات والقطاعات كافة، ومنعكساً بطبيعة الحال على المشهد الثقافي والفني بشكل خاص.
رغم ذلك، يبدو لي المشهد الفني في لبنان مشهداً سيريالياً، رغم حتمية الدور الذي يشغله الفن في حياتنا، وعلى وجه الخصوص أثناء الأزمات والكوارث الإنسانية، هذه الأيام العصيبة من حياتنا البشرية، يتعإلى الفن على الواقع ولا ينغمس في وحوله، بل يجعل من ممارسته شيئاً من التعالي والتعافي الذاتي.
هذا المشهد السيريالي يذكرني بالمشاهد الأخيرة لفيلم «تايتنك» الشهير، حيث تقف جوقة موسيقية على حافة الباخرة المنكوبة، وهي تنحدر في جوف البحر تدريجياً، بينما يستمر العازفون بالعزف في هدوء مريب، وسط صيحات الركاب الذين يواجهون مصائرهم الأخيرة.
هل الفن التشكيلي في لبنان اليوم بمنأى عمّا يجري من أحداث وانهيارات؟ هل سينتج فناً مختلفاً؟ أم هو مجرد قفزٌ في الهواء كي لا نغرق في وحول الاقتصاد والسياسة المقيتة؟

لبنان اليوم!

لبنان اليوم، مستنقع من القلق والخسارات المتعددة، نتيجة الفساد السياسي، فهو يواجه حاليا أكثر الأزمات حدّة على الصعيد الصحي والنفسي والاقتصادي، صعوبات تذكرنا بالحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي الجهة المقابلة يشهد لبنان حركة فنية لافتة في الزمان والمكان من ناحية إقامة المعارض والعطاء الفني. صحيح هي لا تشبه الوتيرة السابقة قبل وباء كورونا وأزمة هبوط قيمة الليرة والارتفاع الجنوني للدولار، بل الأرجح هي حركة فنية تقاوم الإحباط النفسي في زمن الشحّ والتقتير، كوسيلة للشفاء والمرح والتفاؤل.
صحيح أن المعارض تقتصر على بعض الغاليريهات الصامدة، وربما هي التي تقوم بتشجيع الفنانين كي لا تقفل أبوابها على غرار الكثير من المؤسسات، مع إصرار الفنان على الصمود والوقوف سداً منيعاً في وجه الانحطاط والفساد المتغلغل في مفاصل هذا البلد المنكوب. والمؤسف ما يتبعه بطبيعة الحال من غياب غالبية الجمهور عن متابعة هذه المعارض بسبب الأزمة الاقتصادية والغلاء الفاحش الذي يمنعه من التنقل، وإيلاء همومه اليومية الأولية للحصول على رغيف الخبز والماء والكهرباء.

التحديات المصيرية

إذا كانت الكوارث تضعنا أمام تحديات مصيرية، بحيث لا تظهر فقط الجانب المظلم للبشرية، بل قد تظهر الجانب البطولي فيها، وهذا الأمر يعتمد على طبيعة كل فرد في المجتمع. وكما وقف الفنان اللبناني ضد كوارث الحروب ومشعليها، فقد وجد أن سلوك السلطة السياسية خلخل توازن الطبيعة، ودفع بنا إلى هوة عميقة الأغوار، إما الاستسلام والنزاع في القاع أو المساندة والاصرار بابتكار خطط التسلق للنهوض حتى لو وصلنا منهكين.. نحن الان في القاع ولا ندرك حجم المخاطر والمؤمرات التي تحاك لانتشالنا والقرار بيد جلادينا، معادلة صعبة وخطيرة لكن الاستسلام مرفوض.
وإذا عدنا إلى سؤال هل سينتج الفنان اللبناني فناً مختلفاً؟ أم هو مجرد قفز في الهواء كي لا نغرق؟ نستطيع القول، إن حقل الممارسة الفنية هو على تماس مباشر مع حقول الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فالفنان في مواجهة مع معطيات مادية ملموسة تنسج علاقات ما يسميها نيكولا بوريو بـ»الفن العلائقي» وهو الفن الذي يكوّن علاقات إنسانية حيث يقول «لا يكون للشكل الفني وجود حقيقي إلا حين يتأسس على التفاعلات الإنسانية». وتقوم هذه الجمالية العلائقية على اكتشاف وتوظيف الواقع عبر العمل الفني لأنه واقع متحول ومتحرك، يصبح فيه هذا العمل الفني تجربة. وهذه التحولات المستجدة على الحقل الفني في لبنان، دعت إلى مراجعة ماهية الفنان الذي لم يعد ذاك الموهوب والمبدع الساكن في عليائه، وإنما هو ذاك الإنسان المشتت الباحث عن أبسط حقوقه الإنسانية، يحيك التجارب، مؤكدا في كل حين غياب الأنا تماماً عن المشهد والاندماج في الجماعة، يشاركها التعبير عن الخوف والقلق والمصير المشترك، لذلك هذه المعارض بغض النظر عن نسبتها، وصعوبة تقييمها حالياً كنتاج مختلف عما سبقه، نستطيع القول إنها تؤكد التصميم الإبداعيّ والعزيمة القوية، تحقق المراد بتحريك المياه الراكدة في مستنقع الخسارات، هي قفز في الهواء لبثّ الحياة كبارقة أمل يسطع لونها في سماء ضبابية باهتة.

أكاديمية وتشكيلية لبنانية

كلمات مفتاحية

التشكيل اللبنانيهناء عبد الخالق