الرئيسية / home slide / بعلبك التي “تذكّرها” السفير السعودي: مدينة السياحة أم الأيديولوجيا؟

بعلبك التي “تذكّرها” السفير السعودي: مدينة السياحة أم الأيديولوجيا؟

لوسي بارسخيان|الإثنين09/05/2022
Almodon.com

من يحق له زيارتها ومن لا يحق؟ (المدن)تأهب جيش جمهور الثنائي الشيعي الإلكتروني في بعلبك قبل أيام، فتصدر حملته الافتراضية شعار “بعلبك حرة/ بخاري برا”. وذلك بعد نشر السفير السعودي لدى لبنان وليد البخاري صورًا للمسجد الأموي الكبير في بعلبك، أعقبت تغريدة قال فيها: “إلى مدينة الشمس وعجائب الزمان العابرة للحضارات.. علَّ شمس الحياة توقظ الأرض فيحيا البذار”.
حضارات وأديان
ومن دون أن يتبين ما إذا كان السفير السعودي قد زار بعلبك فعلًا، استفزت تغريداته نقاشات حول هوية مدينة بعلبك: من يحق له زيارتها ومن لا يحق. فحصر البعض المدينة بالدور الذي ارتضته لها القوى المهيمنة على حياة البعلبكيين. بدا النقاش محفزًا للبحث في تاريخ بعلبك التي هي من المدن الفينيقية، واستولى عليها الفرس ثم اليونان، فالرومان في أواسط القرن الأول قبل المسيح، وجعلوها من المستعمرات الرومانية المهمة، إلى أن فتحها أبي عبيدة في عصر الفتوحات العربية الإسلامية.

إذا كان المسيحيون أول أتباع الديانات الموحدة التي سكنت بعلبك الحديثة تزامناً مع وصول أول أسقف إلى بعلبك سنة 97، فإن وجود المسيحيين بقي خفياً حتى القرن الثالث للميلاد، حين أعلن الامبراطور قسطنطين ابن القديسة هيلانة سنة 312 ميلادي، أن الديانة المسيحية هي ديانة الامبراطورية الرومانية، فمنح الحرية للمسيحيين لممارسة طقوسهم، وبالتالي بدأت فعلياً تنشأ معالم المسيحيين وممارستهم لديانتهم في بعلبك. وزلزال سنة 1759 تأذى منه بشكل كبير معبد جوبيتير وهدم قسما كبيرًا من أعمدته الـ54، فانتقل المسيحيون إلى الحي الذي بات يعرف باسمهم حالياً، حيث بنوا أول كنيسة سنة 1830 “كنيسة القديسة بربارة”. وبعد مدة بنيت المطرانية التي تعلو الكنيسة سنة 1840.

بعد المسيحية كان الملسمون السنّة ثاني من قدم إلى بعلبك مع السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، الذي خلف أثاراً في كل مكان فيها. وأبرز آثار المماليك  جامع رأس العين- بعلبك والذي يعرف أيضا باسم “مسجد الحسين” أو “الجامع الخربان”، وظل مدة موضوع نزاع، إذ يعتبره السنّة وقفًا سنيًا، بينما تقول بيئة حزب الله المتسعة في المدينة إنه يضم رأس الحسين بن علي.

والجامع الأموي الكبير- بعلبك الذي نشر السفير السعودي صوره، شُيّد في القرن الهجري الأول إبان العصر الأموي على أنقاض كنيسة بيزنطية. وهناك جوامع أخرى تتفاوت قيمتها التراثية، ولكنها تشكل دليلاً على الحضور الإسلامي الذي عرفته المدينة في العصر الأموي وما بعده.

أما هجرة الشيعة إلى المدينة نفسها فبدأت منذ أحداث الجبل التي وقعت في القرن التاسع عشر، عندما وصلت الوفود الأولى من منطقة جبيل، قبل أن تتحول بعلبك وجهة لشيعة الأطراف والأرياف، الذين صاروا أكثرية في المدينة.

هوية بعلبك الراهنة
في سجلات النفوس يبلغ عدد البعلبكيين 50 ألف نسمة. ولكن المدينة تستقطب الكثير من طالبي العمل والسكن من مدن وقرى الجوار، وبالتالي فإن عدد سكانها يرتفع إلى 125 ألف نسمة، وباتت بعض أحيائها تعرف بأسماء عائلاتها. ويترافق التفوق العددي للسكان الشيعة في بعلبك مع مظاهر تحول في هويتها التي “أدلجت” المجتمع بمعتقدات وأفكار وسياسات طاغية. والشواهد على الهوية الجديدة تنتشر في كل مكان. بدءًا من مدخل المدينة الأساسي الجنوبي: قوس نصر ضخم يحمل نقوشات ثلاث شخصيات شيعية أساسية، الخميني والخامنئي ونصرالله، تحوطها غابة من الرايات الصفراء، والمنتشرة على طول الأوتوستراد المؤدي إلى بعلبك. وهي تتبدل لتصبح سوداء بالتزامن مع إحياء عاشوراء وأربعينية الإمام الحسين. إلى صور شهداء اختفت ألوانها بفعل أشعة الشمس، فلا يجرؤ أحد على إزالتها. ومقام السيدة خولة واحد من مؤشرات الإيديولوجيا الحديثة هذه. وقد نشأ إلى جانب قلعة بعلبك، وعلته قبة يمكن رؤيتها من بعيد، أعلى من أعمدة بعلبك.

ترافق ذلك مع تبدلات اجتماعية، ثقافية، وديموغرافية، ترجمها تراجع وهج المؤسسات السياحية والفندقية في المدينة، وأبرزها فندق بالميرا الذي شيد سنة 1874، وكان  شاهدًا على مرحلة ذهبية عرفتها بعلبك. فبقي حضوره “المعنوي” في بعلبك أشبه بحضور المسيحيين في الحيين المسميين “حارة المسيحية” و”حي المسيحيين”. حيث لم يبق في المدينة سوى 250 شخصًا بعدما كان المسيحيون يعدون حتى ما قبل سنة 1958 نحو 8 آلاف نسمة.  

حنين إلى الزمن السياحي
تسمع في الحيين عن طموحات سياحية كبيرة، معظمها يتوق إلى تلك المرحلة التي غص فيها سجل الشرف في فندق بالميرا بأسماء كبار ملوك العالم وشخصياته ومشاهيره وليس سفرائه فقط. وإلى جانب بالميرا، فندق عربيد، فيشهد على مرحلة الرخاء السياحي، وفقدت معالمه كلياً ولم يبق منها سوى قوس كان يزين مدخله، وقدمه مالكو الفندق لصالة القديسة بربارة الجديدة بمحيط المطرانية الكاثوليكية، فزين بابها الأساسي.

تكمل هذه الفنادق التي تركزت في موقع مواجه لقلعة بعلبك، المشهدية التراثية العامة لحي المسيحيين، وحارتهم بمبانيها التراثية. لكن تبدلات ديموغرفية كبيرة طرأت على الحيين، فلم يعودا حكرًا المسيحيين، بعدما أدت ظروف مختلفة إلى هجرتهم، ولم تبق منهم سوى أقلية تتردد أيام الآحاد إلى المدينة، لتعج بهم الكنائس في المناسبات الدينية السنوية فقط. فيما فقد الجيل الشاب بغالبيته علاقته ببعلبك.

لا تزال المطرانية الكاثوليكية تحتفظ بمعظم ممتلكاتها، ولكن هذا ليس حال مسيحيي المدينة. فقلة فقط احتفظت بمنازلها، والأغلبية هاجرت أو نزحت إلى مدن أكثر انسجاماً مع طبيعتها. فبقي قيد نفوسهم في المدينة، ولكن بلا بيوت. وصارت عودة مسيحيي بعلبك إلى مدينتهم صعبة، إلا حينما يشاء بعضهم دفن موتاهم في مقابرهم العائلية. لكن الحي المسيج بكنائس المذاهب الثلاثة- الكاثوليكية، المارونية، والأرثوذكسية- بقي يحتفظ بنبض مختلف، تعززه واجهات منازله التقليدية ذات القناطر الثلاث والطراز القديم، مع إطلالة على حديقة شاعر القطرين ابن المدينة، خليل مطران. وهذا أمن متنفساً أكثر انفتاحاً على باقي نواحي بعلبك ومكوناتها، القادرة على ترجمة طموحاتها بالحفاظ على صيغة العيش المشترك. وأبرز مثال على ذلك النصب المرفوع للسيدة العذراء في وسط الباحة العامة التي تتفرع إلى أحياء المدينة الأخرى، وارتفع النصب بهمة جمعية الإنماء والتعايش، نتيجة تضافر جهود ناشطيها الذين يجمعون بين الطوائف الشيعية والسنية والمسيحية، ليشكل محجًا لأهلها المسيحيين والمسلمين في يوم عيد البشارة.

حي التراث والفقر
حي القلعة الملاصق للقلعة عثماني بطابعه. تطل شبابيك بيوته وشرفاتها مباشرة على القلعة، فلا تفصل بين البيوت سوى طرق ضيقة ترصفها أحجار، من دون أن تطال عمليات التأهيل بيوتها القديمة، رغم إدراجها على جدول البيوت التراثية.

والحي الذي يحضن أعظم شواهد التاريخ، تصح عليه تسمية حي أفقر الفقراء في بعلبك. ويمكن دخوله من الطريق الرئيسية المخصصة للسياح القادمين إلى القلعة أو من أي زاروب على الطريق العام الذي يوصل إلى وسط المدينة. تبدو الحياة هنا، صراع بين ما هي عليه بعلبك حاليًا، وما يجب أن تكونه، وخصوصًا مع استحداث بيت ضيافة وبيت للمونة في أحد بيوتها القديمة التي أعيد تأهيلها، لتعكس بشكلها البهي كرم البعلبكيين ومحبتهم للضيف التي لا تزال تستقطب الزوار.

القلعة التي يقود إليها الحي تشكل وحدة قائمة بحالها. يمكن اعتبارها بوصلة، أو نقطة انطلاق، تؤدي إلى انحاء المدينة وأحيائها، وصولاً إلى سوقها المتميز، مرورًا بوسطها وانتقالاً إلى حي الشراونة.

رصاص حي الشراونة
هذا الحي الذي يمكن التعرف إليه من خلال ملالة عسكرية يكسوها الغبار. ومن حفريات وفوضى تعم المكان بين حاجز جيش وآخر. ونهارات حي الشراونة غير لياليه. فهويته التبست على كثيرين، بسبب شهرته من خلال المشاكل التي تحيط به، وصبغ الكل بسمة الجزء. فالحي بالأساس مسكون من أكبر العائلات السنية في المدينة: غفرة والصلح وغيرهما. لكنه استقطب إلى أطرافه منذ زمن عائلات من عشيرتي زعيتر وجعفر، فتقاسم هؤلاء المساحات على الطريق العام المؤدي إلى وسط الحي، ليعرف جزء من الطريق بحي الزعيترية وآخر بحي الجعافرة.

وإلى الحيين نقل أبناء العشيرتين نمط حياتهم الاجتماعية من الكنَيْسة والدار الواسعة وغيرهما، فظهر دخيلًا على المحيط الاجتماعي الذي يلف المحلة. التعب باد على الوجوه هنا. ليس فقط بسبب صعوبة الحياة والضيق الذين يخيمان على أهل المدينة عمومًا، إنما لكون معظم الليالي لا تنعم بالهدوء المنشود للراحة. إذ تبدو الأحداث والحوادث متتابعة في الحي، ومعظمها امتداد لحوادث تبدأ في القرى التي تتحدر منها العشيرتين، فتشتعل الليالي تكرارًا بالمواجهات والرشقات النارية التي غالبا ما تطلق في الهواء، ليصبح إطلاق النار عادة ترافق الأعراس والمآتم، والنجاحات والولادات.

رأس العين والإمام الصدر
الوجه المعاكس تمامًا للشراونة تجده في رأس العين، المدخل أو المخرج الثالث لبعلبك. لا يمكن الحديث بعلبك من دون التوقف عند أهمية نبع رأس العين وبركة البياضة والمرجة، التي تزيد مساحتها على خمسين ألف متر مربع، وتعتبر من أكبر المساحات الخضراء في لبنان. هنا يتنفس البعلبكيون ملء صدورهم، حيث ينشرح المشهد على تجمع المطاعم والمقاهي التي تعج بأهالي المنطقة في الليل. فالمرجة الواسعة تقصدها العائلات أيام العطل، حيث يجد البعلبكيون راحتهم.

على مرجة رأس العين وقف الإمام موسى الصدر وصحبه عام 1974، وأقسموا يمين عدم الاستكانة حتى لا يبقى محروم واحد ولا منطقة محرومة في لبنان. وقد أطلقت على المرجة منذ ذلك الحين تسمية “ساحة القسم”، لتستعيد بعضًا من ذكريات ذلك التاريخ في الذكرى 39 لزيارة الإمام المغيب بعلبك، مع نصب تذكاري صار جزءًا من المشهدية العامة في المرجة. وحول بركة البياضة لشبان بعلبك عادات خاصة: تسجية الوقت، إلى أن يأتي ما يشغلهم.

(يتبع حلقة ثانية وأخيرة)