بعض النور على أرقام الموازنة من وزير غير نائب

3 آذار 2017
النهار

تكاثرت تعليقات المعلقين والمعنيين بالشأن المالي والاقتصادي على أرقام الموازنة المقترحة والتي تشمل أوسع أرقام للعجز حتى تاريخه وأعلى نسبة من العجز قياسًا بالدخل القومي.

لم يبحث في جوهر القضية الا بتعليقات عمومية لا تفيد. فكثير من النواب وغيرهم من اصحاب المصلحة في زيادة ارقام الموازنة ومخصصات المعاشات وحقوق التقاعد، يؤكدون ان التهريب والرشوة يتآكلان من موارد الدولة، ما يزيد على الكلفة المقترحة لسلسلة الرتب والرواتب البالغة ارقامها 1200 مليار ليرة لبنانية.
ربما كان التنديد بالتهريب والرشى في محله وربما تجاوزت المبالغ المهدورة ما تورده التعليقات السريعة والانفعالية أحيانًا، لكن الامر الاهم هو ان محاربة الفساد والتهريب والهدر لا يمكن ان تنجز بفاعلية خلال وقت قصير. بل نقول أكثر من ذلك إن هذه المهمة تستوجب تطوير وتنفيذ برامج معلوماتية لجميع خدمات القطاع العام، سواء المعاملات العقارية، تسجيل السيارات، تقويم قيمة الضرائب، تحصيل الرسوم، تسجيل الشركات، تخليص البضائع ومعاملات الخدمات الطبية في وزارة الصحة وصناديق الضمان الاخرى الخ.
لعل موقف “القوات اللبنانية” الذي عبر عنه وزير الصحة غسان حاصباني كان الموقف الاكثر عقلانية وجرأة والأكثر فائدة على صعيد لبنان اذا كان لنا ان نتجه ولو بسرعة بطيئة نحو الاصلاح.
الوزير حاصباني اختصاصي معلوماتي متميز وقد سمعته محاضرًا في ندوة عقدتها “القوات اللبنانية” ليوم كامل خصص خلالها البحث لضرورات وامكانات ووسائل تطبيق البرامج المعلوماتية التي تساعد المواطنين على تحقيق متطلباتهم من مختلف دوائر الدولة، والهيئات الملحقة بها كدوائر العدل، ومؤسسة كهرباء لبنان، والدوائر العقارية (التي اصبحت جزئيًا متوافرة معلوماتيًا) ونقول جزئيًا لان الاراضي اللبنانية بكاملها غير ممسوحة بدقة وانتظام وربما كان نصف مساحات لبنان كذلك.
نعود الى تقديرات الوفر الذي يمكن تحقيقه من تحسين ادارة بعض الخدمات، وقد ركز الوزير حاصباني على توفير الكهرباء 24/24 ساعة يوميًا في مختلف المناطق اللبنانية وللاستعمالات المتنوعة ذات التأثير على مستويات الانتاج والدخل، وهو أبرز الاضرار الاقتصادية والبيئية لتشغيل مولدات الكهرباء الخاصة، علمًا بان بعض هذه المولدات لا بد منه، مثل المولدات المستعملة لدى المؤسسات المصرفية والتي تفرض تسجيل العمليات بصورة آنية تبين حقوق المودع والمصرف، كما ان المستشفيات تحتاج الى الخدمات الكهربائية على مدار الساعة وعدم توافرها قد يعطل غرف العمليات، والشركات التجارية التي تحتاج الى خدمات الانترنت – التي لا تزال متردية وتعوق أعمال غالبية مستعملي الانترنت من الشركات – والامر ذاته يسري على الشركات المالية، والبورصة، وهيئة الاسواق المالية، وخصوصاً مصرف لبنان، الذي يفترض ان يتابع جميع عمليات السحوبات والايداعات والتحويلات بصورة آنية ودقيقة.
الكهرباء بعد الماء تعتبر من ضرورات الحياة الحديثة في المجتمعات، وتوافرها يفترض ان يكون بتكاليف معقولة لا تعوق المؤسسات عن الانتاج، والمدارس عن استقبال التلامذة، والمزارعين عن اعتماد وسائل الرش الالكتروني للاقتصاد في استعمال المياه.
الوزير حاصباني يشير الى ان تكاليف دعم الكهرباء بلغت منذ عام 1993، 19 مليار دولار، والواقع ان فترة 1993-1998 شهدت تشييد معملي البارد والزهراني بطاقة 900 ميغاوات لكليهما وانجاز معمل بطاقة 80 ميغاوات في بعلبك، وكل هذه المعامل يمكن تشغيلها باستعمال الغاز الذي هو أقل كلفة وأقل تلويثًا للبيئة – وقد استعملنا الغاز فترة قصيرة حينما توافر من مصر عبر الاردن فسوريا ولبنان وحققنا وفورات ملحوظة انما من استعمال الغاز فترة قصيرة وفي أحد المعملين المهيأين لاستعمال الغاز.
الوزير يقدر كلفة انتاج الكيلووات ساعة بـ17 سنت، في حين انه يقدر ان في الإمكان انتاج الكيلووات ساعة بـ12 سنت فنستطيع توفير 29 في المئة من تكاليف اللقيم أي ما يساوي 500 مليون دولار من ال1.5 مليار دولار التي استوجبها دعم الكهرباء عام 2016، والملياري دولار المقدر انها ضرورية في حال زيادة ساعات التغذية ثلاث ساعات.
المطلوب أكثر من الوفر المشار اليه. مطلوب ان ننجز معملاً بطاقة 1000 ميغاوات، والصينيون على استعداد لانجازه، ومطلوب ان نؤمن الغاز بواسطة سفن تستقبل الغاز المسيل وتحوّله الى غاز للاستعمال في المعامل أو المؤسسات الخ، وحينئذٍ نستطيع تشغيل دير عمار والزهراني والمعمل الجديد على الغاز فنحقق وفراً يتجاوز ملياري دولار.
ان امارة أبو ظبي البلد الذي يحتوي على الغاز، تحتاج خلال الصيف الى كميات تتجاوز ما تستورده بواسطة انبوب من قطر، ولهذا السبب ونظراً الى ضغط حاجات التبريد وصيانة الخدمات خلال أشهر الصيف الحارة تلجأ ابو ظبي الى استئجار بواخر تستطيع استقبال ناقلات الغاز المسيل ومن ثم تحول هذه البواخر الغاز المسيل الى غاز للاستعمال، وهنالك باخرتان من هذا النوع استأجرتهما أبو ظبي لتأمين حاجاتها خلال الصيف.
اللبنانيون يتأملون في تحقيق اكتشافات الغاز في مياهنا الاقليمية وربما أنجزت الاتفاقات التي تسمح ببدء اعمال التنقيب مطلع سنة 2018، فنستطيع توقع توافر الغاز لحاجاتنا وقبل تصديره سنة 2025، ولا نستطيع انتظار ذلك التاريخ قبل تحقيق الوفورات. فجميع بلدان شرق المتوسط سبقتنا، وهي مصر واسرائيل وقبرص، فعسى أن نستطيع اللحاق بهذه البلدان مع العلم ان سوريا تنتج الغاز برًا، وقد تعاقدت مع شركة روسية لاستكشاف مناطق بحرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*