الرئيسية / home slide / بعض الباحثين في أميركا “تفكيرهم أمنياتي”!

بعض الباحثين في أميركا “تفكيرهم أمنياتي”!

اهتمام مراكز الأبحاث الأميركية كبيرٌ بلبنان وأوضاعه بعد انهياره الاقتصادي والمالي والمصرفي والنقدي، كما بعد مجزرة بيروت ومرفئها التي قارب عدد شهدائها الـ200 والجرحى الـ6000 والتي ألحقت أضراراً أساسية وبالغة جداً بنحو 50 الى 60 ألف منزل ومكتب. يفيد تقرير صدر قبل أيام عن واحد منها معروف باطلاعه الواسع وقدرته على الوصول الى مصادر المعلومات المهمة في بلاده والخارج أن تصاعد الغضب الشعبي جرّاء المذكور أعلاه بعد استقالة حكومة الرئيس دياب يمكن أن يفتح الباب تدريجاً لإصلاحات سياسية واقتصادية جرّاء تصاعد المطالبات بإدخال تغييرات حقيقية على النظام الراسخ في لبنان، الذي أفاد طويلاً أصحاب السلطة والمال فيه لكنه فشل في مواجهة تدهور اقتصاده ومرافقه كلّها. ويفيد أيضاً أن الأزمات الاقتصادية والمالية كانت متوقعة قبل الانفجار الدموي لبيروت وحصلت، وكاد تأثيرها أن ينحصر في فئتي فقراء لبنان وطبقته المتوسطة الذين يفتقرون الى القوة والفاعلية الضرورية للضغط على الحكومة بغية اصلاح النظام. في حين أن فئة الأغنياء الداعمة للطبقة السياسية تحتفظ بكميات من العملات الأجنبية في خزائنها بل “خزناتها” ولها حسابات كبيرة وأحياناً ضخمة في بنوك الخارج الأمر الذي حماها ويستمر في حمايتها. وذلك حماهما من مضاعفات انهيار العملة الوطنية وخسارتها نسبة مرتفعة جداً من قدرتها الشرائية. علماً أن الذين يمتلكون القدرة بل السلطة لحل أزمات لبنان المتنامية أحجموا وبإصرار عن القيام بذلك خشية أن يكون أي إصلاح اقتصادي أو سياسي على حساب نفوذهم الحالي ومكاسبهم المالية. هذا أحد أسباب عدم نجاح المباحثات بين الحكومة وصندوق النقد الدولي على مدى 19 اجتماع بسبب عدم توافقهما. ومن أسبابه أيضاً اختلاف المؤسسات الحكومية في ما بينها وامتناعها عن التعاون مع بعضها للتقدم بخطة واضحة ذات أرقام موحّدة للخسائر. دافعها الى ذلك كان وربما لا يزال اضطرار المسؤولين الكبار فيها الى التخلّي عن جزء مهم من ثرواتهم. بعد انفجار بيروت تضاءلت احتمالات التوافق على خطة جدية للبحث مع الصندوق ومؤسسات دولية أخرى وحكومات أجنبية لأنه أعاد التوتر والاحتدام بين حزب الله والشيعة عموماً والمكونات الأخرى في البلاد المعارضة لسياسته والرافضة سلاحه وتدخله في الإقليم.

هل ينهار نظام لبنان أو صيغته جرّاء ما يجري؟ تقرير مركز الأبحاث الأميركي نفسه يستبعد ذلك إذ أن ضغط مجزرة بيروت وتجدّد الغضب الشعبي (الثورة) قد يدفع أخيراً الى ادخال تغييرات صغيرة عليه منها اتفاق الأحزاب السياسية المتعادية على تسهيل وصول المساعدات الخارجية التي تحتاج اليها البلاد، وعلى إصلاح قانون الانتخاب كما على وضع خطط لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وربما على استقالة عدد إضافي من المسؤولين الأقوياء. طبعاً لا تضمن استقالة حكومة دياب حصول تغيير دائم في الهيكلية المذهبية والطائفية والمتكلّسة للنظام السياسي اللبناني. ذلك أن تعيين آخرين مكان المستقيلين طوعاً أو قصراً سيحصل لاحقاً بأعضاء موالين للأحزاب والأفرقاء أنفسهم. وهذا أحد أسباب العودة الى الشارع إضافة الى مجزرة بيروت. أما أصدقاء لبنان في الخارج وفي مقدمهم فرنسا فإنهم اشترطوا إصلاحات سياسية للحصول على مساعدات مالية مهمّة إضافة الى المساعدات الإنسانية وهذا شرط لصندوق النقد الدولي أيضاً.

هل يمكن أن يشهد لبنان تدهوراً أمنياً بعد المجزرة الدموية الأخيرة وقبلها الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي والمصرفي؟ يجيب الباحثون في التقرير نفسه أن التهديدات الأمنية تضع لبنان على مشارف صراع أهلي عنيف آخر، وتمتلك إمكانية فتح الباب أمام إصلاحات سياسية. إذ قد يُجبر الغضب الشعبي العارم بعد مجزرة بيروت ومرفئها مزيداً من المسؤولين الأقوياء على الاستقالة، ومنهم أعضاء في مجلس النواب ورؤساء أحزاب وذلك بعد تمكين الغضب الشعبي وثورة تشرين 2019 من استعادة وحدتها وقوّتها ومن التحرّك بحماسة يرافقها بعض العنف، ومن إيقاظ العناصر المجتمعية المؤمنة بالإصلاح ولكن النائمة أو الساكتة لأسباب متنوّعة. علماً أن ذلك سيزيد من الفراغات في الدولة ومؤسساتها. فضلاً عن أن الصدامات بين العلمانيين والسلطات الدينية واشتراك أحزابهما فيها قد تدفع في اتجاه تسويات سياسية تجنباً لحربٍ أهلية تبدو داهمة. أما الحرب بين “حزب الله” وإسرائيل فغير ممكنة لكنها تبقى احتمالاً وارداً. وهي قد تدمّر قسماً كبيراً من لبنان بما في ذلك عاصمته بيروت. كما أن اغتيال واحد أو أكثر من الشخصيات المهمة يمكن أن يطلق تغييراً سياسياً ملموساً وهاماً. وهذا ما حصل بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. طبعاً يمكن أن يحرّض الغضب جرّاء مجزرة بيروت “الأشرار” أو الميّالين الى العنف والممارسين له على التفكير بالخيار العنفي لإجبار الحكومة على التحرك أو على الانتقام.

ما مدى واقعية الأخطار الواردة في التقرير المشار اليه لمركز الأبحاث الأميركي نفسه؟ لا شك في أن فيها واقعية وتدل على معرفة بلبنان لكن فيها أيضاً نوعاً من الـ Wishful Thinking أي الفكر الأمنياتي ولا سيما في مجالين اثنين. الأول الاقتناع بأن الصدام بين العلمانيين والسلطات الدينية عبر أحزابهما لا بد أن يؤدي الى تسويات تلافياً لنشوب حرب أهلية. وغير الواقعي في هذا الكلام هو أن العلمانيين في لبنان ليسوا أقوياء ولا كثيري العدد وغير منضوين في أحزاب، ربما باستثناء واحد. لكن علمانيته لم تمنعه من أن يكون حليفاً لحزب ديني إسلامي مذهبي سياسي. فضلاً عن أن رجال الدين في طوائف ومذاهب أخرى ليس لهم أحزاب خاصة بهم. أما المجال الثاني فهو توقّع استقالة نواب ومسؤولين كبار تحت الضغط. وقد ثبت ذلك أخيراً إذ استقال ثمانية أعضاء من مجلس النواب عدد أعضائه 128 رغم الفقر وانهيار العملة وضياع مدخرات الفقراء والأغنياء وفوق ذلك مجزرة بيروت.