الرئيسية / home slide / بعد التسوية الرئاسيّة: غياب برّي عن المشهد الحكومي

بعد التسوية الرئاسيّة: غياب برّي عن المشهد الحكومي

رغم التوصيفات الكبيرة التي يطلقها حول خطورة الوضع اللبناني، يبدو رئيس مجلس النواب نبيه بري، الغائب الأكبر عن المشهد الداخلي، في لحظات مصيرية تذكّر بغيابه عن التسوية الرئاسية. من المرات النادرة أن يصبح تشكيل الحكومة قائماً بين تركيبة ثلاثية، ركيزتها المباشرة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون (وخلفه أو أمامه رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل) والرئيس المكلف سعد الحريري، وحزب الله، فيما يقف حلفاء الثلاثة يتفرجون على ما يجري، بعضهم على مضض وتوتر. في العادة يكون الرئيس نبيه بري رابع التركيبة، لا بل الواجهة التي من خلالها يمتصّ حزب الله الصدمات، والمناقشات والمفاوضات الحكومية. بعد أقل من خمس سنوات على التسوية الرئاسية، يتكرر مشهد تراجع دور رئيس المجلس النيابي، بعدما بدأ الحزب يخوض بالمباشر معاركه وتسوياته الداخلية. لا أرنب يخرج من أكمامه ولا سلّة يصرّ عليها كما فعل زمن التسوية الرئاسية، والمبادرات تقف عند حدود قصر بعبدا وبيت الوسط. منذ انحسار حرب سوريا، وليس منذ التسوية، وحزب الله يدخل أكثر فأكثر الى الملف الداخلي ويضاعف من حضوره في كلّ الملفات، وما كان عادة يتصرّف به بالواسطة من خلال بري، لم يعد محرجاً أن يقاربه في صورة مباشرة، تحت غطاء «الثنائية الشيعية». فالدور اللبناني للحزب يقارب أهمية دوره الإقليمي، والتسويات المقترحة باتت اليوم تتحدث عن كيفية التعامل مع هذا الدور الداخلي أكثر ممّا تتحدث عن دوره في سوريا كما جرى في السنوات الماضية.

لم تنتقص التسوية الرئاسية من دور بري كمرجعية ورئيس للمجلس النيابي، لكن خمس سنوات من التسوية، وما تخللها من أحداث 17 تشرين والاتهامات التي رافقتها، فعلت فعلها تدريجياً في حضوره، كما يجري اليوم في ملف التأليف. وهو الأمر الذي يتناقض مع ذلك الذي لعبه في مرحلة عام 2000 وما قبلها وما بعدها، وصولاً الى مرحلة عام 2005. كان بري أحد الأركان الذين يعوّل عليهم جميع الأطراف من دون استثناء، بعدما فتحت خطوط التواصل بينه وبين بكركي مار نصر الله بطرس صفير ومطرانية بيروت ومطرانها بولس مطر، وقبله المطران الراحل خليل أبي نادر، ومن ثم شخصيات مسيحية في قرنة شهوان راكمت إيجابيات حول دوره الذي برز بعد الطائف. عدا عن الصلات التاريخية التي كانت تجمعه مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وعلاقته الحديثة مع الرئيس الراحل رفيق الحريري. بعد عام 2005، انتقل إرث العلاقة مع الحريري الأب الى الحريري الابن، في لحظات حرجة من الصدام، ودخلت الأحزاب المسيحية العائدة الى الحياة السياسية على خط هذه العلاقة المتناقضة في صورة واضحة: متوترة مع التيار الوطني الحر حليف حزب الله في صورة تصاعدية ومن دون مهادنات ملحوظة، وتطبيعية مع القوات اللبنانية التي هي على خلاف جذري مع حزب الله، وحوارات وتنسيق في ملفات ومشاريع قوانين كقانون الانتخاب. في كل هذه المرحلة، بقي دور بري مختزلاً للتسويات وتشكيل الحكومات وكل ما تحت السقف المحلي من ملفات سياسية ومالية، فيما كان الحزب منشغلاً في الخارج، تاركاً له مهمة المواجهة أو تدوير الزوايا.
في الأسابيع الأخيرة، بدا دور رئيس المجلس منحسراً، رغم المبادرات التي يطلقها بين حين وآخر. حين قرر إعطاء سلفة للكهرباء، كان يتخذ قراراً سياسياً أكثر منه قراراً كهربائياً محضاً، وهو الذي كان ملف تحريك المياومين في الشارع يقف بينه وبين أي خلاف أو تسوية مع وزير الطاقة حينها جبران باسيل. إعطاء السلفة يعني في السياسة أن هناك من لا يريد احتساب مشكلة سياسية تضاف الى تلك الموجودة حالياً. رغم أن العادة جرت أن يستثمر الطرفان، أي بري والعهد ــــ التيار، الخلافات بينهما في تسويات يظلّلها حزب الله. لكن ثمن التسويات اليوم يأتي مختلفاً بالوزن وبترجماته العملية. فالتيار لا يزال يقف على مسافة من بري، فلا يتقدم في اتجاهه، وقت أخذ الحزب فعلياً ملف الحكومة بيده، الى أن وجّه الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله رسائله وتحذيراته الأخيرة. يرتاح العهد والتيار الى انحسار دور بري، كونه إحدى ركائز ترويكا الحريري ــــ جنبلاط ــــ بري، رغم حاجة بعض القوى إليه، كطرف تسووي يقدم صورة معتدلة للتركيبة التقليدية. فقرار الحزب محاورة الرئيس المكلف، بعد خطاب نصر الله على قاعدة توضيحات خلفياته، يعني أن الحزب بات يمسك أيضاً ملف هذه العلاقة وحده، وقد أصبح يعرف الحريري جيداً بعد خبرة سنوات منذ عام 2005 ولقاءات الخليلين. تماماً كما بدأ ينسج منذ 7 أيار وما بعدها علاقة مباشرة مع جنبلاط.
هناك من يراهن حكماً على تحلّل العلاقة بين بري والحزب، لاعتبارات لها علاقة بالواقع الميداني وشارعَي الطرفين اللذين يخوضان بين حين وآخر سجالات على صفحات التواصل الاجتماعي. وقد تكون رسائل نصر الله إلى بري في خطابه الأخير، أحد أسباب هذا الرهان، بعدما ردّ بري عليه من خلال المكتب السياسي لحركة أمل. وكذلك ينطلق هؤلاء من مقولة أن الحزب لم يعد بحاجة إلى بري خارجياً وداخلياً. فداخلياً، يمسك الحزب فعلياً بحلف مع الشرعية المتمثلة برئيس الجمهورية، وبالرئيس المكلّف ومن خلفه جمهوره السنّي، وحلفاؤه هم أنفسهم لا يزالون على حلفهم معه، وخصومه وتحديداً القوات اللبنانية، بنى معها عند الحاجة الى التهدئة علاقة عمل مضبوطة في مجلس الوزراء. أما بكركي فتفتح معه خطوطاً قائمة أصلاً منذ عشر سنوات، رغم كل مواقفها الأخيرة المعلنة. أما خارجياً فصحيح أن بري كان يمثّل الثنائية في الإطلالة الدولية والعربية، لكنه أيضاً تعرّض لتطويق أميركي من خلال العقوبات على النائب علي حسن خليل. في حين صارت أوراق الحزب مفتوحة، ولم يعد الصراع يحتمل أي التباس بين حدّين: التضييق عليه أو التسوية معه. وما حصل من لقاءات علنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وموفديه، تخطّى بأشواط كل محاولات التطويق الأوروبية.
وفيما أن بعض القوى السياسية تحنّ الى دور رئيس المجلس كما لعبه في السنوات الأخيرة، لأنه يبقى في مكان ما صورة النظام التقليدي، يبدو أن الحزب يمسك، في هذه المرحلة، بأوراق الوضع الداخلي، أكثر من أي وقت مضى. لكن، رغم ذلك، تبقى الثنائية الشيعية مظلّة الطرفين.