الرئيسية / home slide / بعد الانفجار الهائل الذي شهدته المدينة.. مثقفون عرب: على بيروت أن تخرج من حيِّزِ الاستعارة

بعد الانفجار الهائل الذي شهدته المدينة.. مثقفون عرب: على بيروت أن تخرج من حيِّزِ الاستعارة

 عبدالدائم السلامي
 القدس العربي
07082020

ما ساهم في تخريب بيروت هو وُقوعها في حيِّزِ الاستعارةِ، وإنه ليَجْدُرُ بكلّ حديث عنها الآن أنْ يتخلّصَ من فتنةِ جَمالها ويُخلِّصَها من تزلّف وَصْفِ اللغةِ لها، ومن يوتوبيات فيروز وزياد الرحباني ومارسيل خليفة وغيرهم، وأن يصفَها وصفَ إلياس خوري لها: «مدينة مُدمَّرة ومستباحة». هذا ما يمكن استخلاصه من أغلب ما اطّلعنا عليه من تفاعل المبدعين العرب مع التفجير العنيف الذي هزّ ميناءها ودمّر مبانيها، وقتل وشرّد الآلاف من أبنائها.
وفي هذا الشأن، كتب مثقفو لبنان وإعلاميّوها تغريدات حانقة على السياسيّين وحلفائهم، محمِّلينهم سبب خراب بيروت. فقد علّق الإعلامي اللبناني طوني خليفة على قول وزيرة الدفاع بضرورة أن «يتضامن اللبنانيون كما تضامن الفرنسيون وقت حريق نوتردام» بقوله لها: معاليك ٤٠٠٠ جريح ومئات الشهداء مطمورون تحت الأنقاض، وتشريد عشرات الآلاف بالشوارع، وتدمير بيروت من أساسها إنما هو بسببكم وبسبب إهمالكم وإهمال الذين سبقوكم والذين يحمونكم. كل هذا صار عندكم مثل حريق نوتردام ؟؟؟ لا، هناك شيء غلطٌ في السيستيم». أمّا الإعلامي سامي كليب فقد كتب: «لا فرق بين من ترك المواد المتفجرة الخطيرة في مستودع هش في مرفأ بيروت منذ ٦ سنوات وبين الإسرائيلي، الاثنان عدوَّان للشعب والوطن… ويجب معاملة المسؤولين اللبنانيين عن هذه الكارثة كخونة وليس كمُهمِلين فقط». وفي السياق ذاته قالت الكاتبة جمانة حدّاد: «ملعونون أيها الزعماء الطغاة. ملعونون حيث تكونون: في بيوتكم. على كراسيكم. وراء مكاتبكم. وفي مضاجعكم. ملعونون في الحياة وفي الممات. والى لن ينقضي الدهر، ويتحقق ثأرنا جميعاً، واحدة واحدة وواحداً واحداً».
أمّا تفاعل المثقّفين العرب فقد وقف أغلبُه عند استرجاع أزمنتهم الجميلة فيها أو التذكير بمزاياها الثقافية وبصفتها الكوسموبوليتية، وبحزنهم على ما آلت إليه أوضاعها بعد التفجير العنيف ودعوتهم أهلَها إلى الصّبر على أوجاعهم والسعي إلى إعادة بناء مدينتهم. حيث كتب الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد: «بيروت نفحة السماء في الأرض. بيروت ذات الهواء المتصل بالجنة. بيروت التي خلق الله أرضها للملائكة. بيروت التي يتسع قلبك بالأمل حين تسمع اسمها. بيروت التاريخ الذي أنار حياتنا بالفن والثقافة. بيروت التي إذا وصلت إليها تنسي من أي بلد أتيتَ. قلبي ينزف من أجل بيروت وأهلها «. ويُوجِّه الكلام إلى ساسة بيروت قائلا: « جعلتم الواحد يقول أحيانا مالها أيام الاستعمار؟ على الأقل كنا نعرف العدو الحقيقي ونقاومه. أما الآن فقد بقينا كلنا أعداءً لبعضنا بعضًا: قتلاً للناس وتدميرًا للمدن. لقد انتقلنا من عدو حقيقي واضح إلى أعداء من وهم».
وذهب الناقد الأردني فخري صالح إلى القول إنّ «الكارثة التي ضربت بيروت، عاصمة الأنوار العربية وباريس الشرق (في زمن الحلم العربي)، تمزق القلب. لا يستحق لبنان واللبنانيون كل هذا في عصر الخراب العربي. قلوبنا مع بيروت ولبنان واللبنانيين، وأتمنى لهم وللصديقات والأصدقاء السلامة».
ولعلّ الشاعر والإعلامي العراقي حميد قاسم كان أكثر واقعيّة في تعاطيه مع تفجير بيروت، حيث قال: « إذا لم تتخلص بيروت من تلك الكليشيهات التي مثلَ ثوريات مرسيل خليفة، وقصائد فلان التي تُعد بيروت حديقتها الخلفية، وعنتريات زياد رحباني عندما يتحوّل إلى تروتسكي ثانٍ في آخر الليل، والثوريات الزائفة التي استثمرها السفلة وصاروا بها أصحاب الملايين، وتفحمت بها أجساد الأبرياء من المواطنين، وهُدّمت البيوت فوق رؤوس الأولاد والبنات.. بيروت تحتاج إلى محبةٍ عربية وإلى رؤوس أموال عربية تُعيد بناءها، وإلى وعي مجتمعي يمنع تأسيس تنظيمات مسلحة وعنتريات ودكاكين سياسة، بيروت تحتاج إى قبلاتٍ على الخدّ وليس إلى أكداس متفجٍّرات».
وقال الروائي السوري هيثم حسين: «مُدننا تستحقّ واقعاً أفضل، وأهلها يستحقّون حياة أكثر أمناً واحتراماً، ومصيراً أقلّ عنفاً ووحشية ودمويّة.. لكنّ الأنظمة القذرة الحاكمة تحرص على إدامة القذارة بتعميم الفساد وتلويث الجميع وجعل ذلك منهجاً وأسلوب حياة.. الحربُ مستعرة ومستمرّة بمختلف الصيغ، والانفجارات ستبقى متتالية ما لم يتمّ جرف الوسخ التاريخيّ الذي راكمته الأنظمة ورعته وحَمته لاستخدامه ضدّ الناس حين الحاجة.. بلداننا منكوبة بحكّامها قبل نكبتها بالكوارث الطبيعية والمفتعلة.. الكارثة الكبرى تكمن في الأنظمة القذرة التي تحترف الإجرام والتدمير».
ونختم عرض هذه المواقف بقول الباحث المغربي محمد الداهي: «كنا- في ميعة الشباب- معجبين بلبنان التي كنا ننعتها «بسويسرا العالم العربي». كان الأمل معقودا على هذا البلد ليكون قبلة للحداثة والديمقراطية بحكم الدور الريادي لمثقفيه منذ منتصف القرن التاسع عشر، لكن عملت قوى خارجية وداخلية على إذكاء الفتن والنعرات الطائفية، وتلوين الديمقراطية بالأصباغ الدينية والعرقية للتحكم في رقاب اللبنانيين الخلص ، والحيلولة دون أن يغردوا خارج سرب القطا. ما حدث مؤخرا في مرفإ بيروت ( حدث مؤسف وخطب ممقوت) هو نتيجة لتراكم الأخطاء، ولاستقواء الفساد في كل المرافق الحيوية. آمل أن يُستأصل الداء من منابته لتسترجع لبنان نفسها واستقلاليتها وهيبتها».

٭ كاتب تونسي