الرئيسية / مقالات / بعبدا: لا تعويم لحكومة تصريف الاعمال، والتأليف الآن

بعبدا: لا تعويم لحكومة تصريف الاعمال، والتأليف الآن

  • هدى شديد
  • المصدر: “النهار”
  • 26 كانون الثاني 2019 | 11:21
  • 1

ليست وحدها الضغوط المالية والاقتصادية التي تجبر كل القوى السياسية على السير بتسوية الضرورة والإسراع بتشكيل حكومة، إنها خسارة مقررات “مؤتمر سيدر” التي يعوّل عليها لإنقاذ الوضع الاقتصادي من سقطة محتمة، فضلاً عن أن موعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يقترب، وهو الذي أبلغ رئيس الجمهورية ميشال عون بوضوح تام عندما التقاه في الخريف الماضي في أرمينيا، بأنه في حال عدم تشكيل حكومة، لن تكون له زيارة الى لبنان، ولن يبقى “مؤتمر سيدر”. ومنذ تلك المحطة، فشلت محاولتان حاسمتان كادت معهما ان تولد الحكومة، لولا “تعثر مبهم وغامض” فرمل عملية التأليف في اللحظات الاخيرة.

المحاولة الأخيرة التي يستكملها من لقاء الرئيس المكلف سعد الحريري انطلاقاً من لقائه رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، تبدو لاكثر من مصدر، اكثر من جادة، رغم وجود قناعة لدى كثر في المقابل، بأن من المستبعد إمكان النفاد بحكومة في هذا الظرف الدولي، حيث معظم دول العالم تجتمع مع واشنطن في وارسو لمواجهة إيران التي تملك الورقة الأقوى في لبنان، ويمكنها أن تتحكم بالقرار الحكومي، وتمنع ولادة حكومة قد تكون بالنسبة إلى كل الدول مجتمعة اكثر من ضرورية.

وفق مصادر مواكبة للجولة الجديدة من المشاورات، إن “حزب الله” قد يكون له مصلحة اكثر من أي طرف آخر في هذه اللحظة بتأليف حكومة وحدة وطنية، لا سيما أن كل مطالبه فيها قد تحققت، فضلاً عن ان صيغة الثلاث عشرات تؤمن التوازن نفسه الموجود في حكومة تصريف الاعمال، خصوصاً اذا ما كان صحيحاً ان الوزير باسبل اتفق ورئيس الحكومة المكلف على تمثيل سنة “اللقاء التشاوري” بوزير من حصة رئيس الجمهورية.

ووفق المصادر، فإن الرئيس المكلف ألزم نفسه بمهلة أسبوع، مع إدراكه بأنه من غير الجائز ضرب موعد جديد بعدما فشلت كل المواعيد السابقة التي كان حددها لإعلان الحكومة، ليس لسبب سوى انه لن يقبل هذه المرة بترك الأمور مفتوحة على المجهول، وانه يريد الخروج من المراوحة القاتلة، اذا لم يكن بتشكيل حكومة جديدة، فإنما بوضع الجميع أمام مسؤولياتهم بإعادة تفعيل حكومة تصريف الاعمال لمواجهة الاستحقاقات والمشاكل الماثلة أمام لبنان اقتصادياً ومالياً واجتماعياً.

هذا الخيار الذي مهّد له رئيس مجلس النواب نبيه بري، من باب ضرورة إقرار الموازنة العامة، يدعمه أكثر من طرف سياسي، كما ان “حزب الله” لا يبتعد عن الرئيس بري، في مثل هذه الخيارات. ولكن هذا الإجماع، ما زال يصطدم برفض قاطع من رئيس الجمهورية الذي يعتبر ان الأولوية هي لتشكيل الحكومة. اما تفعيلها فلا يرفضه بسبب عدم دستوريته، لأن هناك نظريات تقول ان بإمكان الحكومة ان تجتمع طالما ان مراسيم قبول استقالتها لم ولا تصدر الا عند اعلان مراسيم الحكومة الجديدة. الا ان تفعيلها يحمل اكثر من معنى:

أولاً، الإيحاءلا بل التسليم بأن لا عجلة في تأليف الحكومة، وهذا امر غير صحيح، لأن الأولوية كانت وتبقى لتشكيل الحكومة.

ثانياً، عقد حكومة تصريف الاعمال جلسات واتخاذها قرارات قد يوجد مناخاً جدلياً في البلد، وقد يؤدي ذلك الى تشكيك بالقرارات التي ستتخذ، وقد يفتح الأبواب على جدل قانوني ودستوري تنقسم حوله الآراء.

ولاختصار هذا الوضع، يجب أن تبقى الأولوية لتشكيل الحكومة.

اذا كان هذا هو القرار، فما الذي يبنى عليه في المشاورات الحكومية، من عوامل جديدة تشجّع على الحل، من وجهة نظر المطلعين على موقف رئيس الجمهورية؟

تركيبة الثلاث عشرات هي الأكثر قبولاً من كل الأطراف. مشكلة اعادة النظر بتوزيع بعض الحقائب وتحديداً الأربع المعروفة، اَي البيئة والصناعة والإعلام والمهجرين ليست الا للتعويض بمكان ما عما تم أخذه من حصة الفريق الرئاسي الذي منع عليه ان يحصل على 11 وزيراً كرست له نتائج الانتخابات أكثر من هذا العدد وفق المعيار المعتمد في توزيع الحصص، كما سحبت منه حقائب واعتبرها من طالب بها حقاً مكتسباً لهم ممنوع مراجعتهم بها، وكأنهم أصدروا بها فتاوى قبل صدور مراسيمها. فالسني الذي سيمثل “اللقاء التشاوري” يؤخذ من حصة رئيس الجمهورية ، والاسم اصبح شبه محسوم. وما يجري هو محاولة اخيرة لتحسين التركيبة الداخلية في الحكومة كي لا يكون فيها رابح وخاسر. وفق نتائج الاتصالات لم يكن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قد وافق على اعطاء وزارة الصناعة، لتعطى للرئيس بري بدلاً من وزارة البيئة التي يريد “التيار الوطني الحر” الاحتفاظ بها. وثمة خشية من ان يؤدي مجرد الدخول على تبديل في الحقائب الى التدحرج كأحجار الدومينو على كل التوزيع القائم، وهذه ما زالت نقطة خلافية بين مكونات الحكومة.

ما المخرج إذاً؟ وفق المطلعين على موقف بعبدا فإنه ليس معروفاً حتى الآن وان كان الجو العام لا يسمح بإمكان التأخير في تشكيل الحكومة بعد الآن. فإذا صحت المعلومات ان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد يرجئ زيارته الرسمية للبنان المقررة الشهر المقبل، وأننا سنخسر مقررات “مؤتمر سيدر”، في حال عدم تشكيل حكومة، فضلاً عن ان وضع البلد لم يعد يحتمل، اقتصادياً، فمن البديهي الذهاب الى تشكيل حكومة وموضوع تدوير الحقائب يجب ايجاد حل له في اسرع وقت ممكن. والجميع بات متيقناً من اننا أم نعد نملك ترف التريث والانتظار بعدما تراكمت النتائج السلبية ومخاطرها تزداد يوماً بعد آخر.

المطلعون على موقف رئيس الجمهورية، يقولون إنه لم يتدخل بعد وهو يترك المجال للاتصالات الجارية بين الأطراف المعنيين لتأخذ مجراها بين الرئيس المكلف والرئيس نبيه بري ووليد جنبلاط والوزير باسيل. وعندما تنتهي هذه الجولة يتبين اتجاه الأمور، ويبنى على الشيء مقتضاه. ولكن لن يكون مسموحاً ترك الازمة مفتوحة على تكريس عجز رسمي عن انتاج سلطة دستورية، لا سيما بعد اجراء انتخابات على أساس نظام انتخابي نسبي اعطى لكل ذي حق حجمه في التمثيل.

وفق المراقبين، ان خطورة الوضع تكمن في اننا امام تشكيل اول حكومة بعد تغيير جوهري في النظام الانتخابي، وواحدة من صعوباتها انها تخلق توازنات واعرافاً لكل الحكومات المقبلة. والمسألة ليست بأطماع او حصص بقدر ما هي تكريس لتوازنات تتحول ميثاقية. ليس صحيحاً كما يصور للرأي العام ان جبران باسيل يريد الـ11 لان لديه طمعاً في التحكم او التسلط في مجلس الوزراء. فكل القصة ان ثمة محاولة تكتل على منع رئيس الجمهورية من استعادة حجمه ودوره. بأن يكون له كتلة وازنة وفاعلة في مجلس الوزراء، وبذلك يتم التصويب على جبران باسيل فيما المستهدف هو رئيس الجمهورية. الأكيد ان رئيس الجمهورية مصرّ على تأليف حكومة في أسرع وقت ممكن لمواجهة المصاعب الاقتصادية والمالية، ولكنه لن يسمح بتطويقه وعهده بفرض أعراف وسوابق.

houda.chedid@annahar.com.lb

Twitter:@HodaChedid

اضف رد