الرئيسية / مقالات / بطل واحد: التهميش التاريخي

بطل واحد: التهميش التاريخي

قبل ان تدهمنا تطورات جديدة في المقبل من الايام نحاول استدراك وفهم ما يحتاج الى التعمق في طبيعة هذا الزلزال اللبناني المباغت وفصوله المتسارعة. في الاسبوع الثاني من هبوب عاصفة الاحتجاجات تترسخ “انتفاضة الغضب” كالتسمية الاكثر موضوعية من منطلق البعد الاجتماعي والتعبيري الذي يجسدها. ولم يكن عبثيّا ان يبحث بعض الاعلام الغربي عن ثورات او انتفاضات ذات بعد اجتماعي في تاريخ لبنان قبل هذه فلا يجد سوى ثورة طانيوس شاهين ضد الإقطاع قبل قرنين. كما ان الكاتب الاستاذ سليم نصار اصاب في “قضايا النهار” بطرحه اشكالية السؤال لماذا تأخر الربيع العربي عن الوصول الى لبنان ؟ والحال انها ليست المرة الاولى التي تتشابك فيها العوامل الاجتماعية والسياسية والاستراتيجية لاستكشاف طبيعة حدث بحجم التحولات السلمية او الحربية التي تناوبت على لبنان ولكنها قطعا المرة الاولى التي يتفوق فيها بأشواط العامل الاجتماعي على سائر مركبات هذه الانتفاضة.في مطالع الحرب عام 1975 نشب الصراع ولم يطو بعد بين “معسكرين” ينظر كل منهما الى الحرب من منطلقين متصارعين تضج بهما ادبيات سياسية وتعبيرية موروثة حتى أيامنا الحالية. ولكن في العام 2005 كانت المفارقة ان المعسكرين الكبيرين المتواجهين لم يجمعهما في ادبيات الصراع سوى التسليم بان جوهر المواجهة كان سياسيا امنيا واستراتيجيا صرفا على خلفية سيادية واستقلالية ولم تجد الابعاد الاجتماعية فسحة لها في ذاك المعترك على رغم تحريك نسبي لهذا الهامش ضد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة على يد قوى 8آذار في اعتصامها الطويل في وسط بيروت. تبعا لذلك وفي ظل الانفجار المدوي لانتفاضة 17 تشرين الاول 2019 بات ممكنا الآن سبر غور ما يعنيه اكتساح الاحتجاجات على مستوى البلاد بأسرها وليس مركزيا في بيروت وحدها فيما يبدو “البطل” الوحيد الأحد لهذه الانتفاضة الذي لا شراكة لبطولته اطلاقا هو الفرد اللبناني. لم تسمح الصراعات التي تعاقبت على لبنان قبل الحرب وخلالها وبعدها في زمن السلم لقضايا الفرد اللبناني الاجتماعية والإنسانية بالمتسع اللازم وسحقت هذه القضايا بأبشع الوسائل على ايدي طبقات سياسية متعاقبة كانت أولوياتها دوما بعيدة كل البعد عن أنسنة السياسة اللبنانية وجعلها المحور المركزي الذي تقوم عليه الدولة وزادتها آفة الفساد تفاقما عبر بشاعات السياسة ومزيد من الوحشية وتهميش المواطن الفرد وخصوصا لدى الطبقات الفقيرة والوسطى. وحتى مع انفجار انتفاضة 14آذار همش البعد الاجتماعي للبناني الحامل قضية التحرر والاستقلال فهمش البعد المتصل بواقعه الاقتصادي وعدالته الاجتماعية. تعملقت الصراعات الداخلية المتصلة بصراعات المحاور الاقليمية والدولية فأتاحت لدولة ما بعد الوصاية والاحتلال ان تتمادى على نحو مذهل في محاصرة البعد الاجتماعي والإنمائي للبنانيين الذي شكل مسببا لاشعال الانتفاضة بعدما شارف الانهيار الاقتصادي والمالي على الانفجار في وجه الجميع فسبقه الناس الى الانفجار. كل ذلك قد يشكل بداية فهم لمعنى انفجار اعتمال في انتفاضة يحمل فيها كل منتفض معاناته الشخصية كأنها شهادة جماعية لجميع اللبنانيين المنخرطين في هذه الانتفاضة العارمة.اما ان تكون من مكونات ما سمي “الربيع العربي” فلهذه مقاربة اخرى لاحقاً.

nabil.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد