الرئيسية / أضواء على / بطريرك “لبنان الكبير” على درب القداسة في حزيران: “المنقِذ من الموت” و”رأس الحربة”

بطريرك “لبنان الكبير” على درب القداسة في حزيران: “المنقِذ من الموت” و”رأس الحربة”


يطلّ حزيران حاملاً نفحة من عبق “مجد لبنان” الذي أعطي للبطريرك الياس الحويك، بعد موافقة مجلس الخبراء اللاهوتيين في الفاتيكان بالاجماع على ملف دعوى تكريم الأب المؤسس لرهبانية العائلة المقدّسة في 8 آذار الماضي. فالمكان “لبنان الكبير”، والزمان 19 حزيران بعد مئة سنة على اعلان الدولة، يشهدان على تاريخية هذا المجد المعتّق، مع التحضير لاعلان البطريرك الحويك مكرما على درب القداسة، بعد تصويت الكرادلة أمام مذبح الكنيسة. ويأتي ذلك بعد تسلم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في تشرين الثاني الماضي أعمال دعوى تطويب البطريرك الحويك من مقرر الدعوى الأب فنشنسو كريسكولو في مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان، في حضور رئيس المجمع الكاردينال جيوفاني أنجيلو بيتشو. وقد تناولت الدعوى حياة الحويك وفضائله وشهرة قداسته، تمهيدا لإعلانه مكرما في حزيران المقبل. وتتناول “النهار” محطات راسخة من تاريخ “بطرك لبنان الكبير”، مستندة الى شهادات مؤرخين تعمّقوا في بحث مرحلته التاريخية من زوايا سياسية واجتماعية. ويبدو جلياً أن الصفة الأبرز التي تنطبع بشخصية البطريرك الحويك هي في كونه “منقذ الناس من المجاعة وموزع 163 ألف مساعدة على اللبنانيين بمختلف طوائفهم، مسلمين ومسيحيين”، وفق ما يسرد المؤرخ الدكتور عصام خليفة، مؤلف كتاب “مقاومة أهوال المجاعة”.

البطريرك الحويك “أنقذ الناس من الموت، وهذا أهمّ إنجاز حقّقه من دون تمييز بين الطوائف والمذاهب”، في رأي خليفة، الذي يشدد من زاوية اجتماعية، على “الأهمية التاريخية لنداء 9 كانون الاول 1916، الذي أصدره داعيا الى إطعام الفقراء في المناطق التي يقطنونها، وحض الاكليروس على بيع الاراضي لتحقيق هذه الغاية”. وهو أيضاً البطريرك المدافع عن المظلومين، والذي “طالب العثمانيين بالافراج عن الزعماء المعتقلين الموارنة والدروز باسم المواطنية والوحدة الوطنية”. وهو أيضاً “رمز العلم” و”مؤسس جمعية راهبات العائلة المقدسة التي شيدت أهم مدارس لبنان”.

انتخب الحويك بطريركاً سنة 1899 وتوفي سنة 1931، هو الذي “كان مقربا من إميل اده في فترة الصراع الدستوري – الكتلوي”، وفق ما يسرد المؤرّخ الدكتور عماد مراد، الذي يتناول تاريخية بطريرك “لبنان الكبير” من زاوية سياسية. الحويك الذي أمضى 32 سنة من عمره بطريركاً، وهي من أطول فترات الحكم في تاريخ البطريكية المارونية، “سافر الى فرنسا عن عمر 76 سنة، راسماً حدود لبنان الكبير”، و”ضغط على الفرنسيين لإقرار الدستور، كما صنع لبنان الكبير، وأعطى لبنان كيانية، في ظلّ رغبة السوريين في ضم لبنان الى سوريا، الا أنه شجب هذا المقترح شجباً كليا، رافضاً المؤتمر السوري في الشام الذي ربط لبنان بسوريا. فكان له الفضل الاول والاكبر في تأسيس دولة لبنان في مرحلة افتقرت الى الساسة الكبار”. قائد المسيحيين والموارنة واللبنانيين، هو اذا “أساس وجود لبنان، وراسم الحدود وموسعها والمطالب بضم بيروت وصيدا وطرابلس وصور وباستعادة الأراضي الزراعية اللبنانية في الجنوب والبقاع وعكار، والتي سلخها العثمانيون بعد عهد فخر الدين الكبير”. وسياسياً أيضاً، “طالب الحويك بالانتخابات وكان محل التقاء للزعامات والطوائف، فغدا بذلك “مؤسس لبنان الكبير”، كما يقول مراد.

البطريرك الحويك كان أيضاً “رأس حربة” في مواجهة جمال باشا السفاح، الذي هابه “وعمل له حسابا”. تاريخياً، لم يخضع الموارنة للعثمانيين، فلم يكتبوا الفرمان بل كانوا يعلمون السلطان بانتخاب بطريرك جديد. جمال باشا أراد اخضاع سكان جبل لبنان مستغلاً الحرب. كان حاقداً، على ما يصوّره المؤرخ الدكتور مروان أبي فاضل، متناولاً جانب الصراع مع البطريرك الحويك. ويقول إن “مشكلة جمال باشا مع العرب بشكل عام، تمثلت بعد هزيمته في معركة السويس، فاعتبرهم خونة. والمشلكة الثانية مع البطريركية المارونية التي كانت تتمتع باستقلالية، تماما كما عاش الموارنة في متصرفية جبل لبنان التي تمتعت بالحكم الذاتي، وكان هدف جمال باشا القضاء على هذا الحكم، وهو هدف عثماني قديم من أيام الأمير فخر الدين الكبير. اعتبر جمال باشا الحرب فرصة مناسبة للانقضاض على جبل لبنان في ظل ضعف التأثير الاوروبي خلال مرحلة حرب مع الدولة العثمانية. وهو كان يمثل حلم العثمانيين التاريخي”. أما كره جمال الباشا للحويك فناجم عن “كونه حليف فرنسا التي كانت من أكبر أعداء الدولة العثمانية، وبما أن الموارنة من حلفاء فرنسا فهذا يعني أنهم من الأعداء. فهدف جمال باشا الى تركيع البطريرك، اذا كان لا بد من تركيع حلفاء فرنسا، وهذا ما أدى الى الكره المباشر بين الرجلين”.

كان في استطاعة الحويك اللجوء الى جزيرة أرواد بعد احتلال الفرنسيين لها سنة 1915، ما سمح لهم بتأمين مساعدات غذائية الى جبل لبنان، لكنه كان يعي أنه رأس الطائفة وممثلها، فبقي في بكركي وعاش معاناة شعبه، مظهراً كامل الهدوء والحكمة في التعامل مع العثمانيين، ومكلّفا عددا من الكهنة والمطارنة، مهمة تأمين المساعدات عبر فرنسا. جاء ذلك، وفق أبي فاضل، في ظل “تشرّد عدد من المسيحيين والدروز وهروب بعضهم الى حوران، وهو ما كان بمثابة انعكاس لضغط عثماني على العرب عموماً والمسيحيين والدروز في جبل لبنان الذي كان جمال باشا يكنّ لهم ضغينة كبيرة”.

اضف رد