بطريركية جبل العرب

حسن الساحلي|الثلاثاء03/09/2019
Almodon.com

اجتماع مشايخ الدروز

في اللقاء الثالث المفتوح حول البحث الثقافي الذي تنظمه مؤسسة “إتجاهات” ضمن برنامجها الهادف لتطوير مهارات الباحثين السوريين في المجال الثقافي (“أبحاث لتعميق ثقافة المعرفة”)، قدم الفنان هناد الشحف بحثاً تحت عنوان “البطريركية في التراث الثقافي لجبل العرب”، إلى جانب أبحاث أخرى تناولت مجالات ثقافية كالغناء الشعبي، الرواية السورية المعاصرة، والمسرح.

تُعرّف البطريركية (يُستعمل بالمعنى نفسه تعبير “الأبوية” أو “الأرثوذكسية”) بهيمنة الذكور على الإناث في المجالات الخاصة كالأسرة، والعامة كالعشيرة، الطائفة، أو حتى الدولة عندما يكون النظام السياسي ذا طابع بطريركي كما هو الحال في أكثرية البلدان العربية اليوم (يستند بحث الشحف على كتاب “نشأة البطريركية” لغيردا ليرنر). وليس الحديث عن البطريركية جديداً في العالم العربي، فقد استخدم بشكل واسع من قبل الحركات اليسارية – النسوية في النصف الثاني من القرن الماضي، وعززت حضوره مساهمات الكاتب الفلسطيني هشام شرابي منذ الستينات. لكن تناول التطبيقات العملية لهذا المصطلح، في التراث الثقافي العربي ليست كثيرة، ومن هنا يكتسب بحث الشحف أهميته الرئيسة، خصوصاً أنه يتناول منطقة ذات مجتمع يتصف بشيء من الانغلاق، وقد عُرف بمطالباته بالإستقلال لفترة طويلة (تراجعت هذه المطالب بعد ثورة سلطان باشا الأطرش، أي الثورة السورية الكبرى، خلال العشرينات حيث أصبح التوجه أكثر نحو الإندماج السياسي في المحيط السوري).

يعود استقرار الدروز في جبل العرب إلى اواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، وفق ما تجمع مصادر مختلفة، وذلك بعد نزوح قبائل يمانية من جبل لبنان إثر خلافاتها مع قبائل قيسية (الأمراء الشهابيون). مع العلم أن موجات نزوح أخرى شهدتها المنطقة بعد قرن من الزمن، إثر المواجهات بين الموارنة والدروز في جبل لبنان بين العامين 1840 و1860، لكن حصل ذلك في فترة كان المجتمع قد أصبح أكثر إستقراراً. لم تكن المناطق التي نزحت إليها القبائل اليمانية فارغة من السكان، بل كانت هناك عشائر من البدو والحوارنة، سيتصارع معهم القادمون الجدد على مدى قرون، بالإضافة إلى بعض العائلات المسيحية المتفرقة. وقد عاشت المنطقة خلال القرن العشرين تناقضات مع بعض المناطق السورية (مثلاً دمشق وحماة) لعب على أوتارها الفرنسيون ثم الأنظمة المتعاقبة على سوريا وآخرها النظام الأسدي.

يقول الشحف إن العائلات الكبرى التي، استوطنت جبل العرب في البداية، شكلت، على مدى سنوات، نظاماً إقطاعياً ومنظومة أخلاقية لا تقل قسوة، وقد لعبت الطبيعة الجبلية الصعبة دوراً في تكريس توازن، لا يمكن الخروج منه بسهولة. يتخذ الباحث فترة استقرار هذه القبائل كبداية زمنية للبطريركية في جبل العرب، بما أنها الفترة التي شهدت تشكيل المجتمع هناك، لكنه يتجاهل، لسبب أو لآخر، الحديث عن الفترة التي سبقت مجيء هذه القبائل إلى المنطقة، أو حتى المجتمعات التي أتت منها في جبل لبنان.

حدد الشحف إشكالية البحث بالعلاقة بين البطريركية والموروث الثقافي لجبل العرب. وتُعرّف الأونيسكو الأخير بالقيم، العادات، الطقوس، الشعائر، المعتقدات، والتقاليد، التي تشكل صوراً منعكسة عن الجماعات والأفراد في علاقاتهم مع بعضهم البعض أو مع محيطهم الطبيعي والإجتماعي. لكن من نقاط ضعف البحث أنه حيّد القصص، الأغاني، والقصائد، الشعبية، واكتفى بالمصادر المتعلقة بالعادات والتقاليد والمعتقدات، وقد برر ذلك بأن “جزءاً كبيراً من هذه المصادر لا يعطي معلومات كافية عن البطريركية في مجتمع اليوم، فالقصائد والأغاني الشعبية تتوزع بين النصوص الغزلية القديمة أو تلك التي تدعو للحميّة والحرب وتمجد الشجاعة. أما القصص الشعبية، فلم تعد تُتناقل بين السكان والناس لم تعد تعرفها”.

يركز الشحف على آليتين تنتجان البطريركية، الأولى هي تعظيم الذكورة وتبخيس الأنوثة التي تعتبر شائعة في جميع البلدان العربية، ويمكن معاينتها في تعبير “أخت الرجال” وقول “الرجال عند أغراضها نسوان”. تظهر تجليات هذه الآلية أيضاً عند ولادة الأنثى، حيث كان يستعمل تعبير “الله يطعمك أبرك منها”، وعند ولادة صبي يقال “مش كل مين حبلت جابت صبي”. الآلية الثانية هي ثنائية السيطرة والخضوع التي، تتوزع بين الذكر والأنثى.

الأولى هي وظيفة الذكر الإجتماعية، سواء كان الأب، أو وريثه في السلطة، أي الأخ أو العم، وحتى الأم أحياناً في حال لم يكن هناك ورثة ذكور. اما الخضوع فهي وظيفة الأنثى، ويمكن رؤية تجلياتها في “جرائم الشرف” التي، لا تزال شائعة في جبل العرب، إذ يتيح القانون للأقارب من الدرجة الاولى الذكور ان يقتلوا إناثهن لأي شبهة. وأحياناً من دون حجّة أيضاً، كما يظهر في التقسيم المعماري للمنزل التقليدي، حيث كانت تُترك في بيت الأب غرفة مخصصة للمطلقات أو غير المتزوجات تسمى “بيت المقاطيع”، تكون في العادة إما ملصقة بالمنزل أو بعيدة منه، ولا تحتسب ملكاً للنساء اللواتي يسكنّها، لكن فقط يحق لهنّ الانتفاع منها، وفي أحيان كثيرة كانت هذه الغرف تفتقر إلى مطبح أو حمّام، وهناك استنكار كبير لوجودها حتى الآن في جبل العرب.

أما الآلية الثالثة فهي البطريركية في العلاقات الجيلية التي تكون مسؤولة عادةً عن تمرير آليات البطريركية للأجيال الأصغر، وتثبيت أدوار الهيمنة، جيلاً بعد آخر، وجعلها عصية على التغيير. تتجلى هذه الآليات مثلاً في الإحترام المبالغ فيه للأكبر سناً، الذي يساهم في ترويض شخصية الطفل وفقاً لشخصية مقبولة إجتماعياً، كما تعتبر تجلياتها الدينية الأكثر وضوحاً، بما أن الإهتمام بالدين وشؤونه يبدأ غالباً في مراحل عمرية كبيرة نسبياً، وعمليات التلقين تأتي من الأعلى إلى الأسفل جيلياً.  

ينتقل الشحف إلى التجليات الإجتماعية للبطريركية المتعلقة بالعصبية العشائرية المبنية على الولاء، فيخبرنا عن القضاء العشائري العائد بقوة مع الحرب السورية بشكل خاص في السويداء، لأسباب عديدة. منها خوف البعض من الخدمة العسكرية وغياب الثقة في القضاء الرسمي، بالإضافة إلى ما صرنا نراه من بيانات تخرج بها بعض العائلات، تخاطب بها الآخرين ويتحدث في العادة بإسمها شخص واحد، يكون شيخاُ أو وجيهاً منتخباً من العشيرة. الجدير بالذكر هنا أن السلطات الرسمية تتعامل مع الوحدات الإدارية للقرى بحسب الزعامات، وهذه الأخيرة تعطي الإعتراف لمدراء المناطق المعيّنين رسمياً!َ

لا تزال عائلات جبل العرب تستعمل غرف “مضافة” في بيوت وجهائها، تترجم فيها سلطتها على أفراد العائلة الأخرى (يمكن إيجاد نماذج شبيهة بهذه الغرف في مجتمعات عشائرية أخرى). تفرض العائلة “آداب” معينة في المضافة، تحدد ما يمكن الحديث عنه وكيف يجب التصرف. كما أن نظرة إلى جدران هذه الغرف، تعطي فكرة واضحة عن التراتبيات البطريركية التي تقع ضمنها، مثلاً صور الزعماء والشيوخ التي، تكون موضوعة في صدر الغرفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*