بطاقة رماديّة لـ”الصندوق”… وشروط حمراء على “حزب الله”؟

من احتفالات “حزب الله”

ليس بيت القصيد في موافقة “حزب الله” المشروطة على الاحتكام إلى صندوق النقد الدولي. لم تحمل مواقف الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله أيّ منعطفات مفاجئة، بل متوقّعة في زمن “الحزب” المأزوم. كان للخطاب أن أنزل مواقف قادة “حزب الله” عن شجرة التصعيد والرفض الفوقيّ لـ”الصندوق”، وأن قدّم بطاقة رماديّة اللون للحكومة اللبنانيّة يُتيح لها التقدّم درجة اضافية في علاقتها مع “الصندوق”، بعدما كان بارك “دُبلة” التعارف بينهما تحت سقف المشورة التقنيّة. يكمن العنصر الذي يستدعي التوقّف عنده في المقاربة التي اعتمدها نصرالله في تصويره مشهدية التعاون مع المنظمات الدولية من عدمه. استطرد أمثلة مغلّفة بطابع شروط سياسيّة يرفضها. وعرّج على شروط اقتصادية قد تطرح، منها زيادة الضريبة على القيمة المضافة، فرفضها. ويبقى أبرز معطى يستدعي التوقّف عنده في ترحيبه بإصلاحات يمكن أن تكتب على جدول الشروط. أوقعت هذه المعادلة نصرالله في تناقضات.

لا بدّ من الإضاءة على أن ليس من مهام صندوق النقد تسطير شروط سياسيّة، اذا ما فرضت (فرضاً) تأتي من دول مانحة مؤثّرة للموافقة على دعم البرنامج الاقتصاديّ، أمّا شروط “الصندوق” فاقتصادية بحتة يمكن لبنان أن يقبلها أو يرفضها. لكن، ومن قال إن الاصلاحات الاقتصادية ليست أشدّ تأثيراً ووطأةً على “حزب الله” من أيّ شروط سياسية وانّها ليست كافية لبسط سلطة دولة حقيقيّة؟ ومن قال إن ثمّة من سيفرض شروطاً سياسية من الدول المانحة؟ هذا ما يستدعى التساؤل: هل فعلاً سيبادر “الحزب” الى دعم الاصلاحات لحظة الجدّ؟ تُترجم الاصلاحات مثلاً عبر تأكيد مراقبة أو اقفال معابر معتبرة مصدر “أوكسيجين” رئيسي لـ”الحزب”. وترى مراجع سياسية واقتصاديّة أن شرطاً اقتصادياً مماثلاً، يتوخّى المعايير العلميّة والمنطقيّة المطلوبة، التي لا يمكن أيّ قوّة سياسية معارضته علانية، إلّا أن تأثيره السياسيّ يوازي في انعكاساته على “الحزب” ايّ شرط سياسيّ. ومن شأن تقنية مراقبة الحدود والمعابر البرية أن تفعّل جوهرياً بإشراف منظمات دوليّة، ما يقلّص كميّات تهريب المقتنيات والبضائع والأدوية.

قد تكون الحلول التي يمكن اعتمادها أسهل لفضّ التباينات حول مقاربة زيادة الضريبة على القيمة المضافة، كأن يُقترح تخفيض سقف حجم الاعمال الخاضعة للضريبة، بما يُخضع المؤسسات ذات حجم الأعمال الصغيرة للضريبة ويخفّض أرباح التجار. ويعود مقترح من هذا النوع بنتائج ايجابية، استناداً الى مراجع مالية، باعتبار أنّ حجم أعمال آلاف المؤسسات في لبنان غير خاضع للضريبة على القيمة المضافة.

الكباش الأهمّ: من يتولّى العملية التنفيذية ويشرف عليها؟ يمكن الحكومة أن تطرح وصفتها على “الصندوق” وتأخذ مشورته وتنفّذها من تلقائها بعد تصويت مجلس النواب واقرار القوانين اللازمة. هل تكفي هذه الاجراءات لأن يثق الطرف الخارجيّ بالموافقة على الخطّة الحكوميّة من دون رعاية وإشراف تنفيذيّ من صندوق النقد؟ لا يتدخّل “الصندوق” في صيغة تنفيذيّة من هذا النوع، لكنّه لا يقدّم عندها أيّ أموال أو قروض. وفي المعلومات، أن الدول المانحة تشترط “الصندوق” ممرّاً إلزامياً لأيّ مساعدات أو قروض تقدّم منها. وبعبارة أكثر وضوحاً، يغدو “الصندوق” ممرّاً تنفيذياً أساسيًّا لتقديم أي قروض من جيبه أو أيّ أموال تقدّم من الدول المساعدة على حدٍّ سواء.

الوقت يدهم البلاد. لفت قبل أيام تعليق صندوق النقد، عن أنّ لبنان لم يطلب مساعدة مالية وعليه التحرّك بسرعة لوقف الركود الاقتصاديّ. مهلة شهرين التي طلبتها الحكومة لإعداد خطّة تنفّذ على سنوات مدّة طويلة. حتّى استسهال مشوار تقديم المساعدات والقروض ليس في مكانه. لم يعكس خطاب نصرالله إحساساً معمّقاً للواقع الاقتصاديّ اللبنانيّ. وكأنّ ترداد العبارات والمواقف سهل في بلاد المواقف والخطب. الخطوة الأولى التي لا بدّ على لبنان من اتخاذها، في رأي مراجع علميّة، هي تفعيل دراسات وأبحاث جدية تعطي أرقاماً علمية حول حجم القطاع العام ورواتب الموظفين والعاملين الفعليين والمتقاعدين وأعدادهم. المسار طويل وشاق. لا يمكن زيادة ضرائب من دون تفعيل دراسات غير متوافرة ودراسة قوانين سابقة والعمل على مشاريع قوانين جديدة، تشكّل أولوية في عمل صندوق النقد وقراراته.

ليس المهمّ أن يوافق أهل العروس على زواج دولتهم من صندوق النقد. الشرط الأساسيّ أن يوافق العريس. إشكالية أساسية حول تصوير البعض “الصندوق” وكأنّه يبالي في زيجة من هذا النوع. الحقائق العلميّة والطروح الواقعية، من شأنها أن تدحض أيّ أهميّة لأي موقف أدلى به “حزب الله” في هذا المضمار. الموافقة أو المعارضة ليست الأساس. يمكن الاتفاق في النقاش الداخليّ على شروط بين القوى السياسيّة، لكن المهم ما تراه المنظمات الدولية وما ترتئيه.

في غضون ذلك، تصبّ المعلومات في خانة واحدة من منطلق سياسيّ، مفادها عدم استعداد أيّ دول فاعلة تقديم مساعدات وهبات تلقائية على طريقة المساعدات التي قدّمت سابقاً في المرحلة الحالية، وفي ظلّ الواقع اللبنانيّ الراهن الذي يسيطر فيه “حزب الله” على مفاصل البلاد حكومياً وميدانياً. ويتردّد في المجالس أنّ أي مساعدة خارجية من أي دولة أتت، وإن رُبطت بشروط سياسية، ستكون أكثر سهولة بالنسبة الى “حزب الله” من ممرّ صندوق النقد الذي يطرح شروطاً اقتصادية علمية تنظم أوضاع الدولة على المدى البعيد، لكنها تؤدي الى انعكاسات طبيعية موجعة على “الحزب” من منطلق اقتصاديّ. فهل حقّاً “حزب الله” على استعداد فعليّ للالتزام بالشروط العلمية والاصلاحات المتوجّبة؟!

Majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*