الرئيسية / home slide / بشرى ميقاتي: خطوة واحدة إلى الوراء تكفي

بشرى ميقاتي: خطوة واحدة إلى الوراء تكفي

ليس لحكومة الشغور سوى مهمّة حصرية: أن تشهد انتخـاب الرئيس أو خراب البصرة (هيثم الموسوي)

فجأة، على طريقة هبوط الوحي من دون انتظار، باتت الحكومة الجديدة فرصة حقيقية وجدية. مع أن الوحي، المعتاد عليه لبنانياً، لا يحلّ أوانه إلا في انتخابات رئاسة الجمهورية، إلا أن نافحيه استعجلوه هذه المرة كي يتأخّر على الاستحقاق التالي

ليست «بشرى» الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، الخميس، سوى صدى لموقف أكثر وضوحاً أطلقه في العلن حزب الله بلسان نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، بعد جهود متلاحقة في السر، أفضت الى تحديد المديين الأدنى والأقصى للخروج من المأزق الحكومي الأكثر إرباكاً مذ دخلت البلاد في المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس: الإبقاء على الحكومة المستقيلة الحالية الـ 24، أو إدخال تعديلات طفيفة. لا يُفهم من التعديلات الطفيفة سوى إبدال في عدد قليل من الحقائب لا يطاول الحصص ولا التوزيع على المذاهب ولا الأسماء التي يتمسّك بها مسمّوها. أما ما عنته عبارة ميقاتي لدى مغادرته قصر بعبدا، فالإصرار على إصدار مراسيم الحكومة الجديدة في الاجتماع المقبل برئيس الجمهورية ميشال عون.

مع أن الحل المقترح أتى متأخراً دونما أن يفوته الوقت، في الأسابيع الأولى في المهلة الدستورية، وهي في الغالب أسابيع ميتة لا تشجّع رئيس المجلس نبيه برّي على توجيه الدعوة الى جلسة انتخاب الرئيس، إلا أن مغزى ما بان يشير الى بضع ملاحظات:
أولاها: لم تعد ثمة جدوى من التسابق على الاجتهادات الدستورية يتسلّح بها كل من الأفرقاء المعنيين للدفاع عن وجهة نظره من دستورية تولّي حكومة مستقيلة صلاحيات رئيس الجمهورية ما إن يتعذّر انتخاب خلف للرئيس الحالي. بعد أسابيع على ترف الاجتهادات هذه، أُوصد الباب نهائياً دونها. المحتوم في الحسابات السياسية، المُغلَّبة كما في كل مرة على القواعد الدستورية، أن الحكومة المستقيلة ستتولى صلاحيات الرئيس عملاً بالمادة 62 إذا حيل دون إعادة تعويمها دستورياً بإعادة إصدار مراسيمها. مع أن الأفرقاء المعنيين مباشرة بها يقتربون من إزالة هذا العيب فيها، إلا أنها تبقى أمراً واقعاً في أوانه.

الدلالة الضمنية لتكريس هذا الواقع أنها ستتولى الصلاحيات فور مغادرة رئيس الجمهورية قصر بعبدا. أما الوجه الآخر للدلالة الضمنية نفسها، فمؤدّاه أن التمسك بالحكومة المستقيلة ليس سوى تمسك بموازين القوى الحالية التي تمثّلها، دونما أن يُعبث بها. لذا ستظل قائمة بطبعة سلبية كحكومة تصريف أعمال، أو بطبعة إيجابية كحكومة مجدَّدة بمراسيم.
ثانيتها، صرف النظر، الى الآن على الأقل وربما نهائياً، عن توسيع حكومة الـ 24 بضم ستة وزراء سياسيين إليها. التمسك بإلحاق هؤلاء يُفقد التعديل صفة الطفيف – بحسب ما رسمه حزب الله – ويُحسب إذذاك جوهرياً ليس في زيادة عدد الوزراء الى 30 وزيراً، بل في تغيير هوية حكومة قيل يوم تأليفها أنها حكومة تكنوقراط ومستقلين، ليس فيها عِدادها حزبيون ولا مجرَّبون قبلاً في السلطة. ضمّ الوزراء الستة يعني الانتقال بالقوى التي ارتضت تسمية الوزراء المستقلين من وراء الستارة الى الجلوس الى طاولة مجلس الوزراء، سواء كانوا من الصف الأول أو حزبيي الصف الثاني. بذلك يُجرَّد الوزراء المستقلون من معنى وجودهم وتصبح قرارات مجلس الوزراء بين أيدي وزراء الدولة، وتالياً سبباً لانفجار الحكومة برمّتها ساعتئذ.
ثالثتها، تسليم عون وميقاتي، منذ تنازعهما على مسودة الحكومة في 29 حزيران، بمرور الوقت، بأنّ أياً منهما غير قادر على فرض حكومة غَلَبَة على الآخر. كلاهما يحتاج الى توقيع الآخر في المرسوم. إلا أن كليهما يعرف أيضاً أن الطرف الأكثر تأثيراً في تأليف الحكومة دونما أن يكون على مسرحها، وهو حزب الله، يريد الحكومة التي تطمئنه الى إدارتها المرحلة المتوقعة من الفراغ. بسبب وقوفه على الحياد الى هذا الوقت، متفرّجاً غير مستعجل، تبادل الرئيسان الشروط العالية السقوف دونما التخلي عن الاستعداد للتراجع خطوة أو أكثر الى الوراء عندما يحتاجان إليها.

حكومة الـ 24 بتعديلات طفيفة تعني صرف النظر عن الوزراء الستة


رابعتها، ما لم يُعَد إصدار مراسيمها على نحو تأليفها في 10 أيلول 2021، فإن التعديلات الطفيفة المفترضة ستكون متوازنة ما بين الرئيسين. لدى كل منهما – وهو ما تبادلاه بالفعل في لقاءاتهما الماضية – مآخذ على أداء وزراء عيّنهم الآخر. تالياً لا تعديل طفيفاً إلا في الاتجاهين، على أن يحتفظ كل من الرئيسين بالمقعد نفسه المُبدل وبحق تسمية الوزير الخلف، على أن يوافق عليه الآخر كي يتساويا في ما يجري ويوقّعا.
خامستها، وقد يكون أهم الحسابات في الحضّ على الخروج من المأزق الحكومي، هو الاتفاق سلفاً على آليّة عملها ما إن يقع الفراغ وتناط بها وكالة صلاحيات رئيس الجمهورية. المراد في ذلك عدم تكرار الأعراف التي فرضتها «حكومة الوحدة الوطنية» على رئيسها تمام سلام طوال سنتين وخمسة أشهر (2014 – 2016)، سواء في التصويت على القرارات، أو توقيعها، أو افتعال كل وزير نفخ حجمه كأن يكون جزءاً من رئيس، أو في التئام مجلس الوزراء. مؤدّى ذلك الاحتكام الى المادة 65 في الدستور المحدّدة نصاب انعقاد الجلسة بثلثي الأعضاء، واتخاذ القرارات بالأكثرية المطلقة ما خلا البنود الـ 14 الأساسية الملزم التصويت عليها بالثلثين. ذلك يعني صرف النظر عمّا لم يرضَ به سلام آنذاك وأُرغم عليه وعرّض حكومته للانقسام والاضطراب.

سادستها، لأن الأفرقاء جميعاً أعضاء بالواسطة في حكومة الـ 24 الحالية المستقيلة، تمسي تجربتها غير مخيِّبة تماماً إذا التزمت ضوابطها. الأفرقاء الرئيسيون المنضوون فيها مرتاحون، كما عند تأليفها، الى أحجام قواهم: وزراء الرئيسين كما وزراء الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر وسليمان فرنجية. ليست مدعوّة سوى الى إدارة الشغور الرئاسي دونما حاجتها بالضرورة الى الوصول الى الخيارات الصعبة المؤجلة الى ما بعد انتخاب رئيس للجمهورية، وخصوصاً البندين الأكثر إثارة للجدل والأكثر قابلية للانتقال بلبنان من مرحلة الى أخرى كما من القعر الى ما فوقه: ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وعقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
المهمة الحصرية للحكومة الانتقالية هذه ليست أكثر من أن تشهد على انتخاب الرئيس الجديد أو تحضر خراب البصرة.