الرئيسية / منوعات / بسطة الموحمين: صداقة ومنتجات بيتية نادرة

بسطة الموحمين: صداقة ومنتجات بيتية نادرة

بشير مصطفى|الثلاثاء26/09/2017

المدن

يحصل كل من يزوره على مكافأة معنوية من يده (هشام بياع)

في هذا العالم هناك بسطة للموحمين، وإن كانت التسمية تبدو مزحة. لكنها، بسطة أبو عمر بكور، التي يعرض فيها بضاعته من “المنتجات البلدية الأصلية”، شتاءً في طرابلس وصيفاً في بلدة سير. تضم البسطة 60 صنفاً، في الغالب تكون في غير مواسمها. وهذا تفسير اسمها: بسطة الموحمين.

المونة المنزلية، الأعشاب البرية، الفاكهة والعسل الجردي، وغيرها من المصنوعات، التي ما عادت تحضر في البيوت، يجمعها الشيخ التسعيني من مناطق متعددة. فهو يأتي بدبس الرمان من إيعال. والشنكليش القاسي من عكار. والقريشة الحارة من المنية. أما خل التفاح فمن حيث يُنتج في سير الضنية. ويتشدد بكور في انتقاء العسل والشهد. فهو يحرص على أن يكون من مرعى الجرد، حيث السنديان والزعتر والقصعين. كذلك الأمر مع ماء الورد والزهر وشراب التوت المكثّف.

مع الوقت، صارت بسطة بكور جزءاً من تراث مدينة طرابلس. فالرجل، الذي وُلد في سير الضنية في عشرينيات القرن الماضي، اتجه إلى عاصمة الشمال لبيع المنتجات والصناعات المنزلية. وكان في البداية يحمل أغراضه في حقيبتين ويتنقل بين الأحياء، قبل أن يستقر مقابل سينما روكسي. خلال ما يزيد عن 50 عاماً من العمل، راكم بكور كثيراً من العلاقات مع “المجتمع النافذ” في مدينة طرابلس، الذي يستقبله من دون موعد مسبق.

تحول بكور إلى طبيب الأعشاب الأول أيضاً. فهو يبيع “خلطة زهورات عالمية” تحتوي على أكثر من 12 عشبة برية، كالورد والزيزفون واليانسون والبيلسان، تقطف من أعالي جبال القرنة السوداء، قبل تنقيتها وتجفيفها. وهو، في ترويجه منتجه، يقول لزبونه إن التجربة أصدق برهان، وإن كان، في الأساس، قد تمكن من مراكمة كثير من الصدقية، وتكريس شعار “الغش ما بيطعمي خبز”. ويصر بكور على ارضاء الأذواق المختلفة. ويعطي مثالاً على ذلك في أنه يبيع كشك ماعز وكشك بقري.

ولا تتوقف جاذبية بسطة الموحمين على الأصناف التي يبيعها بكور، فشكله المهيب المحبب يدفع المارة إلى الحديث معه، أو طلب إلتقاط صورة للذكرى مع “الوسيم صاحب اللحية الطويلة البيضاء”.

يتصف بكور بالكرم. إذ يحصل كل من يزوره على مكافأة معنوية من يده، وإن لم يشتري شيئاً. فهو لا يتأخر في تقشير دراقة أو تقديم بعض العسل أو قبضة من العناب وفنجان قهوة ساخن. وهذا ما يفسره بـ”فطرة أبناء الريف”، خصوصاً أن “العلاقات الشخصية مقدمة على الربح”.

يتحدث بكور عن بسطته بكثير من الحميمية. فهو يعتبرها بمثابة أحد أبنائه، بعدما رافقته في الظروف كلها. من أيام عز القرش والليرة وصولاً إلى الحروب والنكبات. وكلما ابتعد عنها شعر بالضيق. وبسبب تعلقه بالعمل في البسطة، فشلت جميع المحاولات التي بذلها أبناؤه لإقناعه بالتقاعد في المنزل، فـ”كل مصلحة تحتاج إلى صاحبها”.

اضف رد