الرئيسية / home slide / بسام برازي ونذير فنصة في «أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة»: هل كان الشيشكلي ديكتاتوراً عميلاً أم ضحية؟

بسام برازي ونذير فنصة في «أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة»: هل كان الشيشكلي ديكتاتوراً عميلاً أم ضحية؟

سمير ناصيف
القدس العربي
03072022

هل كان أديب الشيشكلي الرجل الأقوى سياسياً وعسكرياً على الساحة السورية بين عام 1949-1954 ديكتاتوراً أو قائداً واقعياً براغماتياً تحول إلى ديكتاتور رغماً عنه بسبب ضغوط حلفائه عليه؟ وهل كان يستحق أن يغتال في منفاه البرازيل في 1964 بعد عشرة أعوام على اعتزاله العمل السياسي؟
سؤالان مهمان يتناولها كتاب «أديب الشيشكلي، الحقيقة المغيّبة» لمؤلفيه بسام برازي (ابن شقيقة الشيشكلي) وسعد فنصة، الباحث السوري المقيم في واشنطن والمنتمي إلى عائلة نشطت في العمل السياسي في سوريا في منتصف القرن الماضي وبعد ذلك.
من غير المفاجئ ان يميل الكتاب إلى الدفاع عنه، وخصوصاً ان برازي كان من أحد المقربين جداً من خاله حتى الأيام الأخيرة السابقة لاغتياله. ولكن، في الوقت عينه، يتضمن الكتاب معلومات قيمة مستندة إلى الوثائق واللقاءات المكثفة مع شخصيات عايشت الشيشكلي وعملت معه، وكانت تؤيده أو تعارضه.
يقول برازي في المقدمة: «كان أديب الشيشكلي، يوم اغتياله، يبلغ الرابعة والخمسين، ولم تُتح له الفرصة لتدوين مذكراته أسوة بما فعله السياسيون والعسكريون الكبار من أمثاله ولذلك بقيت سيرته مبعثرة ومخفية في ثنايا الكتب والمراجع التي كان مؤلفوها (في بعض الأحيان) يفسرون الأحداث تفسيراً خاطئاً، ويصورونه على انه ديكتاتور قاسي القلب لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة» (ص 9 ـ 10).
ويشير إلى ان الشيشكلي قاد انقلابه الأول في 19 كانون الأول/ديسمبر عام 1949 «حين تأكد من عزم الزعيم سامي الحناوي، قائد الانقلاب السابق ضد المشير حسني الزعيم وضباطه بالتعاون مع حزب الشعب، على ضم سوريا للنظام الملكي الهاشمي في العراق المرتبط بمعاهدة مع بريطانيا».
ويضيف الكتاب استناداً إلى مصادر سياسية سورية ان حزب الشعب هو الذي دفع الشيشكلي رغماً عنه نحو حركته العسكرية المباشرة فيما كان هو يفضل الاستمرار في قيادة العربة من المقعد الخلفي.
خلال سنوات قيادة الشيشكلي لسوريا كرئيس للجمهورية أو كالرجل القوي وراء السلطة السياسية، كان مقرباً من سلطة الحزب الجمهوري الأمريكي بقيادة الرئيس دوايت ايزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس، ولكن علاقته بها تأزمت بعدما فُرضت عليه شروطاً صعبة التطبيق، وبينها الاعتراف بإسرائيل والدخول في مشروع ايزنهاور للتعاون الإقليمي الدفاعي والعسكري مع أمريكا لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي والشيوعية في المنطقة.
ويقول برازي: «في أيار/مايو 1953 قال الشيشكلي لوزير الخارجية دالاس انه يقر بان دولة إسرائيل حقيقة موجودة، كما انه لا يريد السلاح (الأمريكي) ليلقي بإسرائيل في البحر، بل يريده حتى لا تلقِنا إسرائيل في البحر، وهو يدرك انه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، ولكن بامكاننا هزيمتها اقتصادياً» (ص 12).
وهذا يعني ان الشيشكلي كان في موقع قريب من قادة الشرق الأوسط والعرب التطبيعيين حالياً مع إسرائيل وأمريكا. ولا عجب في ان ينتقل إلى بيروت تحت قيادة الرئيس كميل شمعون، ومن بعدها إلى السعودية بقيادة الملك سعود بن عبد العزيز بعد خروجه من سوريا بعد انقلاب قاده الضابط البعثي مصطفى حمدون في حلب عاونه سياسيون مؤيدون للبعث والقومية العربية على شاكلة أكرم الحوراني. بيد ان المؤلفين يشيران إلى ان الشيشكلي كان بامكانه قمع ذلك الانقلاب لان «معظم قطاعات الجيش الضاربة، استمرت تحت امرته ولكنه آثر حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الجيش السوري ان يتخلى عن الحكم ويغادر البلاد».
ولكن، مثل هذه المقاربة، من الصعب التأكد منها من دون مراجعة مصادر أخرى قد تعارضها أو تنفي صحتها.
ومن الصعب أيضاً على المراقب المحايد نفي اتهامات الكاتبين بانه «خلال فترة حكم الشيشكلي لم تهدأ محاولات العراق، وبريطانيا، لضم سوريا تحت العرش الهاشمي ومحاولة أميل البستاني رجل الأعمال اللبناني (الذي قُتل في حادث طائرة مشبوه) والمعروف (حسب المؤلفين) بصلاته الوثيقة مع الاستخبارات البريطانية إيصال رسالة نوري السعيد إلى القيادة السورية حول ضرورة انضمام سوريا للعراق».
لعل قراءة الفصول المتعلقة بالانقلابات في سوريا منذ حسني الزعيم في 31 آذار/مارس 1949 توضح الأمور بشأن من هم العملاء ومن هم خصوم إسرائيل في سوريا. فمنذ إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 انطلقت الانقلابات العسكرية في سوريا والدول العربية المجاورة لفلسطين، وكان أحد أبرز خصوم إسرائيل في تلك الحقبة الحزب السوري القومي تحت قيادة الزعيم انطون سعادة.
وحول القيادة القصيرة الأمد لحسني الزعيم في سوريا يتضح بانه لم يكن يعزم على تسليم انطون سعادة إلى السلطات اللبنانية ليتم إعدامه. ولكن تدخّل الرئيس اللبناني بشاره الخوري وطلبه وساطة الملك المصري فاروق في الأمر دفعت المشير الزعيم إلى تسليم سعادة، علماً بان النظام اللبناني آنذاك كان مقرباً من المحور السعودي ـ المصري ـ الأمريكي فيما كان انطون سعادة يسعى إلى تحقيق مشروع هلال خصيب سوري، لبناني، عراقي، أردني، فلسطيني، إقليمي مشترك يتحدى المشاريع الاستعمارية.
وعندما انقلب الضابط سامي الحناوي على حسني الزعيم واعتقله وأعدمه مع رئيس الوزراء في عهده محسن البرازي قيل ان بريطانيا والهاشميين ونوري السعيد والنظام العراقي كانوا وراء الانقلاب، ولكن قادة قوميين سوريين أكدوا ان هدف القائد انطون سعادة كان أكبر من ترجيح كفة بريطانيا والعراق والهاشميين على مشروع أمريكا والسعودية ومصر، بل كان مشروعه قوميا وطنياً أبعد من العمالة.
وبالتالي، فعندما انقلب أديب الشيشكلي على سامي الحناوي في 19/12/1949 كان ينفذ تعطيلاً للمشروع البريطاني ـ العراقي ـ الهاشمي في مصلحة المشروع الأمريكي وليس في مصلحة جهة عقائدية أخرى، قومية سورية وغيرها.
ويشير الكاتبان ان الشيشكلي كان متعاطفاً مع بعض مواقف الحزب السوري القومي، ولكنه لم ينتسب إلى حزب سعادة بل ان قيادته البراغماتية كانت تقوده إلى انتماءات ليست في حيز المثالية السياسية التي اختارها سعادة بل في مجال سياسة الواقع.
ويوضح الكتاب ان علاقة حسني الزعيم مع المخابرات الأمريكية كانت جيدة ومن نتائجها المصادقة على الاتفاق مع شركة «آرامكو» لنقل النفط السعودي إلى طرابلس على الشاطئ اللبناني عبر شركة «تابلاين» الأمريكية، وان خيانة المشير حسني الزعيم لسعادة كانت الضربة القاضية لنظامه. ولكن المؤلفين يقولان إن الشيشكلي اعترض على تسليم سعادة إلى السلطة اللبنانية، ولذلك قرر المشير حسني الزعيم تسريحه من الجيش ووضعه قيد الإقامة الجبرية (ص 112 ـ 113).
ويضيفان ان سامي الحناوي استخدم تسريح الشيشكلي (المحبوب عسكرياً) لدعم انقلابه على حسني الزعيم، فيما يؤكدان ان الحناوي قام بانقلابه بدعم من نوري السعيد والمحور العراقي/البريطاني وأن اغتيال الحناوي في بيروت لاحقاً لم يكن بدوافع شخصية بل بدعم من محور فرنسا/الولايات المتحدة وحلفائهما، والبرهان ان بريطانيا أعلنت عن ارتياحها لانقلاب الحناوي على الزعيم، ومصر، بقيادة الملك فاروق، أعلنت الحداد ثلاثة أيام بعد إعدام حسني الزعيم (ص 115 و116).
والكتاب عموماً معارض لمواقف القائد السوري اليساري أكرم الحوراني المناور سعياً لوصوله إلى مواقع في السلطة ويقول إن الحناوي كان يريد الإبقاء على حسني الزعيم حياً ولكن الحوراني اقنعه بإعدامه وان الحناوي أيضاً أعاد الشيشكلي إلى الجيش برتبة لواء أول، ولكنه أطاح به بعد أسابيع لاختلاف مشروعيهما السياسيين.
وحسب صفحة (121) فإن قضية وحدة الهلال الخصيب كانت مختلفة في مشروع الزعيم انطون سعادة الساعي إلى تحقيق سوريا الكبرى في حين مشروع نوري السعيد والوصي الهاشمي العراقي عبدالاله كان ضمّ سوريا والأردن إلى نفوذهما. وبالتالي تصارعت المحاور الضيقة على حساب القيادات الوطنية السورية والعربية وأدت إلى عودة الرئيس شكري القوتلي إلى قيادة سوريا، علماً بان القوتلي لم يكن متحمساً للوحدة السورية ـ العراقية وانه بعدما ضَمَن استقلال سوريا اعترض على استبدال استعمار فرنسي (مدعوم أمريكيا) بآخر بريطاني. وقد أيده الشعب السوري والقيادات الإقليمية بما في ذلك مصر والسعودية وأثمر الأمر عن الوحدة السورية/المصرية. الشيشكلي (حسب المؤلفين) اختلف مع القياديين «الثوريين» الآخرين في سوريا وغيرها بانه لم يتخذ القرارات بإعدام خصومه، بل حاول استمالة القيادات السورية ذات الشعبية الوطنية وضمها إلى الحكومات التي كانت تحت جناحه، ولكن مثل هذا الأمر لم يكن سهلاً بالنسبة إليه، أولاً لخبرة هؤلاء السياسيين حول مصالحهم وثانياً لأن الشيشكلي لم يكن بطاشاً كما كان قادة البعث يعتمدون مبدأ تصفية واغتيال الخصوم، والشيشكلي أحد ضحايا الاغتيال.
في الفصول 21 إلى 25 يوضح الكاتبان بان قيادات سورية كانت على علاقة غير عدائية مع الشيشكلي وقفت إلى جانب انقلاب الضابط مصطفى حمدون الذي كان بعثياً وموالياً لارتباط سوريا بالنظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر، وبين هؤلاء عبد الحميد السراج (الذي أصبح ممثلاً لعبد الناصر في سوريا بعد الوحدة السورية/المصرية ومشرفاً على استخبارات دولة الوحدة وتدخلاتها في لبنان والمنطقة) وشوكت شقير اللبناني الهوية والسوري الدور.
ويدرج الكتاب وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في 27 شباط (فبراير) 1954 (أي لدى قرار الشيشكلي الاعتكاف والخروج من سوريا بعد انقلاب حمدون) تقول: «أفاد لنا رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون بان لبنان التزم الحياد حيال الأزمة في سوريا، وأقنع الشيشكلي بعدم العودة إلى سوريا وان الأخير سافر إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبدالعزيز».
ويوضح الكتاب مواقف قيادات سورية مختلفة بعد الانقلاب على الشيشكلي، وبينها موقف لافت لقائد «الحزب السوري القومي» عصام المحايري حيث يقول: «الوحدة بين الشام والعراق كانت مبنية على أسس غير سليمة، كما اقتنعنا نحن فالمطلوب وحدة الهلال الخصيب الشاملة».
أما خالد العظم فقال: «انتقم العراقيون والبريطانيون من أديب الشيشكلي عندما أثاروا ضده عام 1954 حركة معادية في جبل الدروز وراحوا يمدحون حزب الشعب وغيره لإثارة الفتنة ضده وإبعاده عن الحكم المعادي لهم» (ص 463).
أما العقيد حسين الحكيم الذي تولى رئاسة إحدى الحكومات المؤيدة للشيشكلي، فقال: «شعرت بالحزن بعد استقالة الشيشكلي ويوم سمعت باغتياله، سامي الحناوي لم يكن مسؤولاً عن مقتل محسن البرازي والشيشكلي ولم يكن مسؤولاً عن إثارة الفتنة في جبل الدروز ولا عن اغتيال عائلة نواف أبو غزالة الذي اغتاله في البرازيل».
ويؤكد الكتاب أن قاتل الشيشكلي كان وزير الدفاع السابق البعثي اللواء حمد عبيد (من وجوه الطائفة الدرزية في عهد البعث) الذي اعترف بجريمته بحجة ان الشيشكلي اضطهد الطائفة الدرزية (ص 497 و498).
وفي الخلاصة، هل كان اغتيال الشيشكلي انتقاماً ثأرياً درزياً أو عملية اغتيال بعثية، أو نتيجة لخطأ أمريكي رسمي في التعامل معه وغيره وفرض سياسات متسرعة نحو إسرائيل والأحلاف الدفاعية الأمريكية في المنطقة ما أتاح للبعث الاستيلاء على السلطة في سوريا وغيرها حتى بعدما قاد سوريا شكري القوتلي ومجموعته المقبولة شعبياً ولكنهما لم يحصلا على الدعم والسلاح الأمريكي واضطرا إلى التوجه نحو المعسكر الشيوعي السوفييتي، كما اضطر الرئيس عبد الناصر لفعل الأمر نفسه على الرغم من ان الجهتين رغبتا في الانفتاح وعدم العمالة لجهة واحدة على حساب الأخرى؟

بسام برازي وسعد فنصة: «أديب الشيشكلي، الحقيقة المغيّبة»
دار رياض الريّس، للكتب والنشر بيروت 2022
575 صفحة.

سمير ناصيف