الرئيسية / home slide / “برهوم بيك” للسوريّ محمّد شعبان: ليس بعد التشرّد ذنب

“برهوم بيك” للسوريّ محمّد شعبان: ليس بعد التشرّد ذنب

10-02-2022 | 11:28 المصدر: “النهار”

جودي الأسمر

الكاتب والغلاف.

يكاد ينحصر تعريف رواية “برهوم بيك” للكاتب والصحافي السوريّ محمّد شعبان في علاقة متميّزة بين متشرّد يُدعى برهوم بيك ومثقّف، يتلاقيان على جعة عرق في حانة من #دمشق، وذلك بحسب العناوين التي تناقلت خبر صدور الرواية عن “دار هاشيت أنطوان-نوفل” في أيلول 2021.

لكن قراءة هادئة تفضي للاستنتاج بأنّ الحوارات الّتي تشغل أكثر من نصف الكتاب (300 صفحة من قطع الوسط) بين الشخصيتين،ليست غاية في جوهرها، بل أداة سرديّة لتنقل حياة المتشرّد و”الأستاذ” الذي عطف على برهوم وآواه، وباح له بماضيه الّذي رسا به على الوحدة والعزلة، شدّدت من وطأتهما غربته عن محيطه وابتعاده عن أصدقاء المصلحة وأعداء النجاح. صوت وصدى بين الشخصيتين. حوار قابل للتفكيك على أنّه امتداد لحوار مع الذات التي تواجه أشباح غربتها. هي علاقة تستمدّ صدقيّتها من الغربة والمسافة، لا القرب. وكان أنسي الحاج قد عبّر عن هذه العلاقة الانسانيّة بقوله “أغلب اعترافاتنا أفضينا بها إلى أشخاص تعرّفنا بهم للتوّ، لا نُسرّ إلى القريب، الحميميّة تتمّ مع الغريب لأنّه بئر… راحلة”.

من هو برهوم؟

“برهوم بيك” الصعلوك، أعطاه الكاتب بطولة الروايةوصوت الراوي، فصار القارئ يعرف كافة دوافنه ويرى دمشق بعينَيْ هذا الهامشيّ. في ظاهره صمت وفي داخله صخبٌ من السخط والنقمة على المجتمع المُدنيّ، كلّما انهال عليه سوطٌ من جلّاد يحتقره، أو مثلٌ استذكر شقيق حبيبته السابقة جمّول الّذي عطب صحّته الجنسية للأبد في ركلة وجّهها على أعضائه الذكرية.

لا بدّ من الوقوف على نوع التجربة الإنسانيّة التي يمثّلها “برهوم بيك” في كونها صالحة لكلّ زمن، الأمر الّذي نلمسه في غياب التّعيين الزمنيّ للرواية، والأهمّ أنّ الكاتب حرّرها من محور “رواية الحرب” في سوريا الّتي شهدت طفرة عالية بين سنتي 2014-2018، والقارئ لا يزال حتى اللحظة في انتظار رواية سوريا في الحرب.

لجأ شعبان إلى لعبة “الكشف والحجب” لتضمين الانهزام النفسيّ لـ”مجنون هادئ، أي ناقص العقل، لكنّه غير مؤذٍ ولا شرّير” (ص281). ينام على الأرصفة، وقد تطارده الشرطة. حركة أشبه بالمتاهة في دمشق التي نزح إليها “لكنّ المدن تُحبّ ولا تُحِبّ” (ص7).

الرواية مشحونة بالمعنى النفسيّ. وجهتها الداخل. حرص الكاتب على خياطة ملامح حقيقيّة ومعروفة لشخصيّة “برهوم” في الزمن الحاضر، إلّا أنّ الأخير يمتنع طوال الرواية عن ذكر اسم ضيعته المرتبطة بماضيه، كأنّه يحاول عمداً نسيانها، فهي نبذته بعد رحيل والديه، وحرمته حبيبته “لم أكن محبوباً ولا مرغوباً، هذا إن لم أكن مكروهاً، في قريتي التي أصرّ على التكتّم عليها وعدم ذكر اسمها لأسباب وجيهة عندي” (ص17)، لكنه عاد مكرهاً إليها فاستقبلته سعدى، سيّدة طيّبة تشترك معه في نبذ المجتمع لهما وإن اختلفت الأسباب فتوشّحت بأسباب جندرية في مجتمع يقرع برهوم نفاقه، سواء في الضيعة أو  دمشق.

ازدواجية المجتمع

لهذه المدينة روح شاعرية لا يمكن الفكاك منها، وقد تعطي انطباعاً‒ليس إلّا‒عن وداعتها “مطر دمشق، مثل كلّ شيء فيها، يروي ولا يغرق، كما أنّه يأتي وفق ترتيب دقيق، فلا يُخشى منه” (ص 78). دمشق  الملجأ-المنفى حيث تتواصل أحلام وخيبات برهوم بين شارع العابد، وشارع الشعلان، والصالحية، والعباسيين، والسبع بحرات، وساحة عرنوس، وحديقة السبكي، ومقهى الروضة الّذي كان يراقبه مترقباً مرور الفنّانة شفيقة، وخمّارة “فريدي” المستقرّة على كتف بردى حيث تعرّف على “الأستاذ”، ويكتشف ألاعيب التجّار في السوق، وأصحاب المطاعم الذين يزدرون مظهره فلا يوافق كثيرون على إعطائه الطعام ولو مدفوعاً، لكن “لو أنّ نصّاباً، أنيق اللباس، دخل المطعم فأكل وشرب وانسلّ في غفلة منهم، دون أن يدفع حسابه، إلى خارج المطعم، فماذا كانوا سيفعلون؟!” (ص22).

مجتمع يمارس الكراهية بدم بارد. حتّى بائع الجرائد الذي لا يريد أن يشدّه “برهوم” إلى الحضيض، يتصرّف معه بنشافة أو يحاول تلقينه أنّه متفوّق عليه اجتماعياً!

 يطلق الكاتب العنان لهجاء مجتمعيّ لاذع على لسان بطله وبنيانه الأساس هو المعايير المزدوجة التي يتّبعها من يحشرون سلطانهم الأخلاقي في حياة الآخرين”قد يهمل أولئك الناس واجباتهم تجاه الله ومخلوقاته، ويتفرّغون لك، باعتبارك الأسهل، والأقلّ كلفة لغسل آثامهم، التي لا يغسلها نهر من العرق والدم” (ص159).

برهوم مدمن مهزوم.يتجرّع العرق بدون توقف من بطحته النتنة التي لا تطفئ في نفسه جحيم الدنيا، وتجنّبه الطمع بنعيم الآخرة، كأنّما بالكاتب يقول “ليس بعد التشرّد ذنب”، فـ”إذا دفعتك ظروف قاهرة يوماً إلى جهنّم هذه، فستدرك أنّ من يكون داخلها لا يبقى له سوى أمل وحيد هو مغادرتها، إلى أيّ مكان” (ص108)، وبعد عودته للقرية، يتساءل برهوم: “كل الزواريب والمسارات، في هذه القرية اللعينة، تأخذني إلى المقبرة! هل الأوضاع مماثلة في أماكن أخرى من هذا الكون؟” (ص269).

“فلاشباك” واستطراد

لفرط اندماج القارئ في رحلة الشخصيةالمسكينة، ينسى أنّ كلّ ما يعيشه هو “فلاشباك” طويل ينقله برهوم الميّت في البرزخ. تنتهي الرواية حيث تبدأ، في قبر “برهوم بيك”. في هذه الهندسة للأحداث تناظر مع حلقة جحيمية محكمةالاقفال أو عودة إلى نقطة الصفر، بدون مغادرتها.

مزايا السرد الموصوفة أعلاه لا تمنع انتقاد الضعف في ضبط السرعة الروائية، فضلاً عن التكرار. قد يُفسّر الأخير بالتماهي مع أشخاص علكتهم المصائب، فراحوا يجترّونها في دواخلهم وخلال حواراتهم، ولعلّ الخصوبة اللغوية التي يتحلّى بها شعبان أسهمت بتبرئته من التكرار. من جانب آخر، لا يمكن تجاهل الشعور بغياب الحدث الدراماتيكي، أو تطوّر الأحداث نحو مفترق مفصليّ لغاية الصفحة 94، أي تقريباً في الثلث الأول من الرواية الّتي كانت واقعة في حديث طويل بين محاولة الأستاذ البوح وتردّده عن كشف الأوراق. كان بالإمكان اختصار هذا الاستطراد الذي لم يقدّم قيمة مضافة لمحور الرواية وميّع الحبكة.

قوّة “برهوم بيك” تكمن في لقاء مهمّشين ضاقت بهم الدنيا وأخرستهم صفعاتها فلملموا كراماتهم الجريحة وباحوا على الورق. في صوتهم جوقة معاصرة لـ”العادلون” لكامو “نحن في شتاء أبدي. نحن لسنا من هذا العالم. إنّنا العادلون، إن حرارته لم تخلق لنا”.

بعد رواياته “مجنون بحيرة خالد” (الجائزة الثانية في مسابقة الشارقة للإبداع 1997)، و”خنزير برّي”، و”خيبة”، و”ملل”، يلتزم مجدّداً #محمد شعبان صرخة نموذج اجتماعي مسحوق، ضمن إطار مكانيّ مفضّل لم يغيّره، “ولكنّه سحر دمشق الذي يستقرّ في مفاصل ساكنيها ولا يخرج منها” (ص15). محمد شعبان يرهن قلمه مجدّداً لصرخة مظلومين ومستضعفين في سوريا، بعدما مكّن هؤلاء من عملية تحرير مزدوج: تحرير معاناتهم من السردية السياسية، وتحريرها من الكتمان.