برتلماوس “يعلن الحرب” على موسكو…نحو انشقاق في الكنيسة الارثوذكسية؟


موناليزا فريحة
النهار
17092018

قرر سينودس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية إنهاء مشاركة الكنيسة الروسية في الهيئات التابعة لبطريركية القسطنطينية المسكونية، وهو ما قد يشكل خطوة في اتجاه انشقاق في الكنيسة الارثوذكسية العالمية التي يتبعها 300 مليون شخص، أي ما يعادل 12 في المئة من المسيحيين، وذلك على خلفية مشكلة دينية-سياسية تتعلق بأوكرانيا.

وتريد أوكرانيا الانفصال دينياً عن موسكو عبر تأسيس كنيسة مستقلة، وذلك بالتزامن مه نزاع مستمر منذ أربعة أعوام بين كييف والانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا، وهو ما دفع العديد من الأوكرانيين إلى الابتعاد عن كنيسة موسكو.

ويتضمن قرار  الكنيسة الروسية تعليق أداء الطقوس المشتركة مع أساقفة بطريركية القسطنطينية، وإنهاء تلاوة اسم بطريرك القسطنطينية المسكوني برثلماوس الأول أثناء خدمة القداس الإلهي بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية، حسبما أكد مدير قسم العلاقات الخارجية لبطريركية موسكو، مطران فولوكولامسك إيلاريون.

وحتى الآن، لا يعني هذا القرار يحسب ألكسندر فولكوف، الناطق باسم بطريرك موسكو وسائر روسيا كيريل، قطع العلاقات بشكل كامل، وهو لا يحرم رجال الدين من البطريركية المسكونية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية من حضور خدمة القداس لبعضهم البعض.، إلا أنه يعتبر بمثابة تحذير أخير من أنه إذا واصلت الكنيسة المسكونية نشاطاتها على أراضي الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، سوف تقع القطيعة التي تتحمل “مسؤوليتها بطريركية القسطنطينية”.

وتعود أسباب الخلاف بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وبطريركية القسطنطينية المسكونية إلى رغبة الأخيرة في منح صفة كنيسة محلية مستقلة لـ “الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية كييف”.

وتشهد الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا انقساماً بين فرع يعلن رجال الدين فيه ولاءهم لموسكو، وآخر يشرف عليه البطريرك فيلاريت غير المعترف به، والذي يتخذ من كييف مقراً له.

وحذر المسؤول الكنسي الروسي المطران إيلاريون الاسبوع الماضي إنه في حال تم الاعتراف ببطريرك كييف «فلن يكون لدينا خيار سوى قطع العلاقات مع (بطريركية) القسطنطينية» الأرثوذكسية، متهماً برتلماوس بالتصرف بطريقة “مشينة وغادرة”. وذهب الى القول: “عندما يتدخل شخص ما بشكل وقح في شؤون كنيسة أرثوذكسية محلية، لا يثير ذلك وضعاً ميؤوساً منه فحسب، بل يهدد بإحداث شقاق في العالم الأرثوذكسي برمته”.

وكان البطريرك الروسي كيريل، وصف احتمال انفصال الكنيسة الأوكرانية عن موسكو بأنه “كارثة أرثوذكسية شاملة”.

ومع ذلك، من غير الواضح ماذا سيعني منح أوكرانيا حق إقامة كنيسة مستقلة عملياً، لكن الخبراء يتفقون على أن قراراً من هذا النوع سيشكل ضربة لسلطة روسيا الدينية على العالم الأرثوذكسي.

وفيما تعد بطريركية القسطنطينية الأرثوذكسية أقدم كنيسة أرثوذكسية في العالم، إلا أن كنيسة موسكو هي الأكثر نفوذاً وتحظى بأكبر عدد من الأتباع.

اجتماع ودي

والمفارقة أنه في 31 آب الماضي اجتمع كيريل وبرتلماوس في اسطنبول في قمة وصفت في حينه بأنها كانت “أخوية وودية”، الأمر الذي أعطى انطباعاً بأن الرجلين أنهيا الخلافات بينهما، ولكن بعد ذلك بأقل من أسبوع، في الرابع من أيلول، ندد البطريك المسكوني مجدداً ب”التدخلات الدولية لموسكو في شؤون كييف”، واصفاً اياها بأنها “غير مسكونية”، أي أنها لا تنسجم والقانون الكنسي الارثوذكسي الذي يحافظ على الاستقلال الوطني والفردي لنحو ستين كنيسة أرثوذكسية حول العالم.

جذور الخلاف

وتعود جذور الخلاف الى مرحلة بدء تفكك الاتحاد السوفياتي. ففي حينه، شهدت الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا انقساما عام 1989، عندما انشق جزء من كياناتها الدينية عن بطريركية موسكو لتشكل ما يسمى “الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بطريركية كييف”.

وتحاول السلطات الأوكرانية الحصول على اعتراف بطريركية القسطنطينية  بالكيانات المنشقة وإنشاء على أساسها كنيسة محلية موحدة خارج إطار الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية.

ويتهم برثلماوس موسكو بـ”سلسلة تدخلات غير قانونية” في شؤون مطرانية كييف منذ القرن الرابع عشر عندما نقل مقر الكنسية الأرثوذكسية إلى العاصمة الروسية “من دون إذن قانوني من الكنيسة الأم”، وأضاف أن القسطنطينية قررت أخذ زمام المبادرة في إعادة الاستقلال للكنيسة الأوكرانية، وذلك بعد تلقي طلب بهذا الشأن من الحكومة الأوكرانية ودعوات متكررة من بطريرك الكنيسة المنشقة فيلاريت.

وترفض بطريركية موسكو مزاعم القسطنطينية واتهاماتها، معتبرة منحها الكنيسة الأوكرانية الاستقلال من دون الرجوع إلى بطريركية موسكو تجاوزا لصلاحياتها وانتهاكا للقوانين والأعراف الدينية.

وفي السادس من أيلول، سارع برتلماوس الى تعيين اسقفين في منصب إكسارخوس في كييف، تحضيرا لاعتراف بالكنيسة الأوكرانية المنشقة، الأمر الذي نددت به الكنيسة الأرثوذكسية الروسية،

وأشار المجمع المقدس إلى أن تعيين القسطنطينية ممثلين لها في أوكرانيا التابعة للأراضي الكنسية لبطريركية موسكو يعتبر انتهاكاً صارخاً للقوانين الكنسية، التي تمنع ممثلي الكنائس المستقلة من التدخل في شؤون بعضها.

وكان الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو طالب بذلك الاعتراف وأيدته الولايات المتحدة علناً. الا ان البطريك كيريل اعتبر أن احتمال استقلال الكنيسة الارثوذكسية عن موسكو هو بمثابة اعلان حرب، وفي السابع من أيلول وصف ما حصل بأنه “تدخل مسافر وغير سبوق في الارضي الكنسية لبطريكية موسكو”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*