الرئيسية / مقالات / بحمدون تغيّرت وتفتقد سيّاحها… عبء النزوح وجرح الاقتصاد

بحمدون تغيّرت وتفتقد سيّاحها… عبء النزوح وجرح الاقتصاد

همود في الحركة السياحية في بحمدون (“النهار”)

تغيّرت بحمدون كثيراً خلال السنين الماضية، وكأن الزمن يقودها ببطء نحو الانسلاخ عن هويتها كمنطقة اصطيافٍ مركزية، والتقوقع في فراغ بات يسكن أزقّتها، لا يحدّ منه سوى ضجيج أطفالٍ مساكين يلهون على أرصفة الطرق أو هدير دراجات نارية، كوسيلة نقلٍ رسمية يعتمدها النازحون في التجوال، مصطحبين زوجاتهم وأولادهم وأصدقاءهم. ولم يفرض هذا الواقع نفسه بين ليلة وضحاها، بل إنه كان عملية تراكمية خلّفها انسحاب المستثمرين سنوياً وإقفال عدد كبير من الفنادق والمقاهي والمطاعم التي كانت مقصداً للسياح العرب والأجانب ونموذجاً يقتدى به في الخدمة السياحية. ويعبّر الصامدون من تجّارٍ عن واقع محبط، فمنهم من تركوا بيروت ولحقوا بزحمة الوافدين الى ذلك المربض الصيفي الهادئ، ولم يلبثوا أن قبعوا أمام أبواب محالهم يكتفون باستطلاع الشارع الرئيسي المقفر. ويقول العارفون في المنطقة إن امكان استعادتها مجدها الغابر مسألة صعبة، ذلك أن الواقع لم يعد يقتصر على ندرة السياح والمصطافين، بل طاول الخدمات العامة التي تراجعت وأعداد المتاجر والمطاعم التي انحسرت.

ويعرض عدد من المالكين فنادقهم للبيع، خصوصاً تلك التي تفتقر الى امكان التجديد والعصرنة. ويتقلّص عدد فرص العمل لأبناء المنطقة، علماً أن موسم الاصطياف كان في سنوات الذروة يؤمّن مئات الوظائف. ويقتصر عدد الموظفين راهناً على عشرات، موزّعين على أقلية من الفنادق العاملة ومتاجر الألبسة. وتزاحم اليد العاملة الأجنبية، المحلية منها، ومنهم من باتوا يزاحمون أصحاب العمل، فإذا بهم يفتحون متاجر خاصة في شوارع ثانوية. ويروي الأهالي أن عدداً كبيراً من النازحين شيّدوا أعمالاً خاصة بهم، ومنهم من استأجر مستودعات ومحالَّ، رغم أنه يمنع عليهم مزاولة العديد من المهن قانوناً، إلا أنهم يعملون خلسةً أو يحتمون بذوي النفوذ. وتتعارض هذه النظرية مع أخرى، تشير الى أن النازحين ساهموا فعلاً في تعويض النقص الذي كان يعتري القرى في المهن الحرّة، فبات في المنطقة بلّاطون وكهربائيون وسمكريون بارعون، وأضحوا بمثابة معينين لكل من يطلب عوناً، خصوصاً أن الغالبية التي لا تزال تقطن المنطقة من السكان الأصليين من كبار السن.

ويعبّر رئيس بلدية بحمدون الضيعة وليد خيرالله عبر “النهار” عن واقع النزوح في البلدة. فيبلغ عدد النازحين في بحمدون الضيعة وحدها أكثر من 600 شخص، وهو رقم ضخم نسبة الى قرية صغيرة تبلغ مساحتها 507 هكتارات. ويعمد بعض القاطنين الى فتح محال تجارية من دون علم البلدية، فتتحوّل المتاجر الى أمر واقع. وتحتكم البلدية الى الأمن العام كدولة تبسط نفوذها في اقفال المحال، وقد تم اقفال متجرين في اليومين الأخيرين. ويطلب خيرالله من قوى الامن الداخلي إرسال دوريات دراجة الى المنطقة لقمع ظاهرة الدراجات النارية غير المرخصة واصطحاب الأطفال عبرها، وهو ما يهدد حياتهم.

“النهار” عاينت شوارع منطقة الاصطياف. شارع بحمدون المحطة الرئيسي شبه مقفر من السياح، ويقتصر عدد الوافدين على عشرات. ويبلغ عدد الغرف المشغولة في أحد أهم فنادق بحمدون المحطة 12 فقط. ويكمن السبب الرئيسي المؤدي الى ندرة السياح في بحمدون في ضعف الوفود برّا من طريق الاردن- سوريا الى بيروت. وكان غالبية الوافدين جبلاً يسافرون براً، إلا أن الظروف السياسية في المنطقة لا تزال تقف حجر عثرة في طريقهم. ويعزز هذه النظرية عدم ظهور أي سيارة تابعة لأي دولة عربية في الشوارع الرئيسية، رغم أن المنطقة كانت تعجّ بها في الماضي.

ويفتقر شارع بحمدون الضيعة السياحي الى رواده أيضاً. ويعزو أحد أصحاب المقاهي السبب الى إزالة البلدية “الكيوسكات” التي كانت تميز طابع الشارع. الحركة تبدأ السابعة مساءً، رغم أن نسبة الروّاد غير مشجعة حتى الساعة، وفق صاحب المقهى. ومن جهته، يروي خيرالله “أنني نظّمت الشارع السياحي منذ عام 2009، الا أننا اتخذنا قرارا في المجلس البلدي بناء على قرار وزير الداخلية نهاد المشنوق بازالة “الكيوسكات” عن الاملاك العامة والخاصة، وهذا ما أكدته الوزيرة ريا الحسن. أزالت البلدية “الكيوسكات” لإقامة مشروع حديث يليق ببحمدون، بعدما استمرت أكثر من عشر سنوات. وقد أحببنا اقامة مشروع يشبه مشروع باكيارد في الحازمية، الا أننا تأخرنا في الحصول على الرخصة الموجودة اليوم في التنظيم المدني”. ويخلص الى “أننا نرخص مشروعا سياحيا مهما لبحمدون يعطي الشارع قيمة معنوية على أمل انجازه العام المقبل، مع منحه لشركات مختصة بالمطاعم”.

ظاهرة الدراجات النارية غير المرخصة المنتشرة بين النازحين في قرى بحمدون (“النهار”).

نازح يصطحب أولاده عبر دراجة نارية (“النهار”).

شارع بحمدون المحطة الرئيسي يفتقر الى السياح (“النهار”).

أحد أصحاب المقاهي في بحمدون الضيعة وحيداً ينتظر الروّاد (“النهار”).

فندق قديم مقفر يفتقر التحديث في بحمدون المحطة (“النهار”).

ازالة الكيوسكات في شارع بحمدون الضيعة السياحي (“النهار”).

اضف رد