الرئيسية / home slide / بحث معمّق في “تاريخ الختان” للبروفسور رولان طنب… ممارسة متفاوتة لطقوس “دينيّة وعلمانيّة” على نحو مليار ذكر في العالم

بحث معمّق في “تاريخ الختان” للبروفسور رولان طنب… ممارسة متفاوتة لطقوس “دينيّة وعلمانيّة” على نحو مليار ذكر في العالم

23-06-2022 | 20:37 المصدر: “النهار”

روزيت فاضل @rosettefadel

البروفسور رولان طنب (ميشال صايغ).

للفلسفة، التي عرفت قديماً بحبّ الحكمة، ارتباطٌ وثيق بالعلوم المختلفة كالطبّ وغيره. هذا ما انعكس فعليّاً على كتاب “تاريخ الختان”، الذي أصدره عميد كليّة الطبّ في جامعة القديس يوسف البرفسور #رولان طنب، وهو جزء من أطروحة دكتوراه في الفلسفة عن “التحديّات الأخلاقية للختان عند الذكور”، التي أعدّها منذ 10 أعوام في فرنسا.

في قراءة للكتاب، الذي سيوقّعه المؤلّف الساعة 6.30 مساء الأربعاء في الـ29 من حزيران في حديقة حرم العلوم الطبيّة في الجامعة اليسوعية (طريق الشام)، بدا الدكتور طنب مواكباً لعصر الثقافة المتشعّبة المناهضة لزمن الانكسار ومحاولة عزلنا عن العالم بحدود رقعة الألم.

في مكتبه في الحرم المذكور، عرض طنب أهمية هذا البحث التاريخيّ للختان، الذي أصدرته سلسلة “ماذا أعلم؟” الرائدة في عالم الكتب الفرنسية، ومهمّتها تزويد القارئ بمعلومات موثّقة يتناولها خبير في هذا المجال.

“هذا الكتاب يعتمد على وصف تاريخيّ موثّق لبدايات ممارسة الختان وصولاً حتى القرن الحالي”، قال طنب. وأشار إلى أنه لا يقحم نفسه في جدل عقيم بل يسلّط الضوء على بعض المراحل التاريخية للختان، ممّا يجعل قراءة الكتاب مفيدة لكلّ الأعمار والتخصّصات على حدّ سواء.

لِمَ أدخل نفسه في عالمَي التاريخ والفلسفة؟

بادر إلى الإجابة بأنّ الذكاء الاصطناعي سيتفوّق على الطبيب في مجالات عدّة، منها إلمامه بقراءة كلّ من الصور الطبية للأشعة، وفحوصات الأنسجة، والاستعانة بقدراته لدعم القرار الطبيّ لإجراء العمليّة.

شدّد على أن الطبيب لا يجوز أن يتقوقع في مهنته ليتحوّل إلى مجرّد تقنيّ، مع الإشارة إلى أنّ مهامه لا تنحصر بتشخيص حالة مرضيّة محدّدة بل لديه دور مهمّ جداً في رعاية صحّة الإنسان وسلامته، ممّا يرتّب عليه الانفتاح على العلوم الإنسانية بمتفرّعاتها…

نسأل الآن: ِلمَ الفلسفة؟ والسؤال يتعلّق بمنهجيّة الفلسفة وهدفها. الجواب المباشر – وفقا ًلطنب – أنّ هذه الدراسة مبنيّة على الشكّ، وتحفّز منهجيّة التفكير النقديّ في قضايا حياتيّة ووجوديّة، لخّصها “كانط” في طرحه معاني الحياة والموت ومهمّة الإنسان على هذه الأرض.

لنعد إلى موضوع الكتاب!

أكّد طنب أنّنا عهدنا منذ 50 عاماً تغييراً ملحوظاً في ممارسة الختان، الذي كان حكراً على المسلمين من خلال لجوئهم إلى مطهّر قانونيّ، فيما اعتمد أتباع كلّ من الدينين الإسلاميّ والمسيحيّ في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي على إجراء الختان في المستشفى بعد الولادة بحجة أنّهم تأثروا بالنظام الجديد المعتمد للمولود الذكر الحديث الولادة في الولايات المتحدة، مبرّرين أنّ له فاعليته في توفير وقاية صحيّة… ووضعه في خانة الختان “غير الديني”، الذي تغيّرت أسباب اعتماده عبر القرون والأعوام، ليبقى قائماً بحدّ ذاته في بعض البلدان المتأثرة بالنظام الأميركيّ…

ونبّه طنب إلى أنّ الختان من أهمّ الأسس التي تقوم عليها الديانة اليهودية، وهو طقس منتظم يفرض الالتزام بممارسته في اليوم الثامن بعد الولادة، مشيراً إلى أنّه عادة رائجة لدى أتباع الدين الإسلاميّ، بالرغم من أنّه لم يُذكر في القرآن الكريم، ويُمارس في أعمار مختلفة، ووفقاً لطقوس كلّ بلد…

قاطعناه متسائلين عن سبب إغفال البحث الواقع التاريخيّ المضرّج بالألم والوجع في ختان الإناث، وحصره بالذكور فقط، فأشار إلى أنّ #ختان الذكور يُمارس على نطاق أوسع في العالم ليطال نحو مليار شخص بمعدّل 1 من أصل 4 ذكور، مشيراً إلى أن منظمة الصحة العالمية اتّخذت موقفاً حاسماً ومناهضاً لختان الإناث، الذي لا يتبناه أيّ دين، وهو ظاهرة منتشرة في بعض البلدان، التي تمارس ختان الذكور أيضاً، في حين تنتشر هذه الممارسة على الذكور دون الإناث في بلدان عدّة كما الحال في لبنان، سوريا وتونس وسواهما.

خصّص طنب قسماً من كتابه التاريخيّ والبحثيّ للنظرة المختلفة في الحضارات والأزمنة العديدة، مشيراً – على سبيل المثال لا الحصر – إلى أنّه لا يمكن الجزم بأنّ الختان كان منتشراً في مصر الفرعونيّة، بالرّغم من أن بعض الكهنة كانوا يُمارسونه في ذلك الحين…

الأهم – وفقاً له – أنّ الإغريق والرومان كان لهم نظرة دونيّة إلى الختان، معتبرين أنّ ممارسة الشعب اليهودي لهذه العملية هي بمثابة جرم ممارس بحق مَن يخضع للختان طبعاً.

توقّف طنب عند مجريات القرن التاسع عشر، الذي اعتُبر فيه الختان إجراءً وقائياً من العادة السريّة والجنون والأمراض النفسيّة مع ما يرافق ذلك من نظريات داعمة لسمات النظافة الجسديّة والصحيّة جرّاء هذه العمليّة، مشيراً إلى أن الأقاويل ذهبت إلى أبعد من ذلك لتعتبره عاملاً وقائياً في مواجهة الأمراض التناسليّة والسرطانيّة من دون الاستناد إلى إثبات علميّ في ذلك…

ما رأي الجمعيّات الطبيّة في ما قيل فعليّاً؟

أكّد طنب أن البعض منها تبنّت هذه النظريات غير الموثوقة، وتراجعت عن دعمها…

وتوقّف عند تجاهل فاضح للختان في كلّ من أوروبا، الصين، واليابان، في حين عمدت بعض البلدان في شمال أوروبا على غرار ألمانيا، النمسا، الدانمارك وإيسلندا إلى حظره، ممّا أثار جدلاً قويّاً في المجتمع، تعود بعض رواسبه إلى شعور بعض الطوائف بأنّها مستهدفة لكونها تمارس الختان، وهذا أمر نتفهّمه كلياً.

في ما خصّ العرب، لفت طنب إلى أن بعضهم انشغل بهذا الأمر، وبرز ذلك من خلال ما أثاره امرؤ القيس، الذي توفّي قبل انتشار الدين الإسلامي، عن الإمبراطور البيزنطيّ واصفاً إيّاه بالأغلف أيّ غير المختون.

أكد أنه في حال أردنا التعمّق في هذه الممارسة من خلال مراجعة لسان العرب، لرأينا أن “ختن” يدلّ على الختان أو التطهير، وهي كلمة عاميّة متداولة، لها دلالة على الزواج أو المصاهرة… ممّا يدلّ فعلياً على أن الختان ظهر في المجتمعات قبل اليهودية والإسلام.

خلص إلى الاعتبار أنّه كمؤرّخ وطبيب يرى ضرورة الفصل بين الطقوس الدينية المرتكزة على حرية المعتقد والدين، الذي لها منّا الاحترام الكامل، والممارسة الطبيّة للختان، التي لا مبرّر صحيّاً لها بالرغم من كلّ ما قيل وما كتب…

قبل أن نغادر، علمنا من طنب أنّ مؤلّفه هذا يترجم حالياً إلى اللغة الإيطالية، ويتمّ التداول بإعداد نسخة إلى اللغة الإنكليزية مع تفكير جدّي لتعريبه…

‏Rosette.fadel@annahar.com.lb

‏Twitter: @rosettefadel