الرئيسية / home slide / باي باي لبنان: حكم إعدام جماعي ومغلف ينهي حياة مريض سرطان

باي باي لبنان: حكم إعدام جماعي ومغلف ينهي حياة مريض سرطان

 مريم مشتاوي
القدس العربي
23072020 

لا أعرف من أين أبدأ، وطني ليس بخير، شعبه يحتضر، اقتصاده منهار مثل أبنائه، طرقاته تضيق من تراكم النفايات، هواؤه مسرطن، زعماء الطوائف يجتمعون يتفقون يختلفون في جحورهم وحين يظهرون يلسعون من بقي حياً!
وطني ليس بخير، أطفأت أضواؤه، لا كهرباء، لا ماء، والأسعار حارقة بعد أن تخطى الدولار الواحد العشرة آلاف ليرة لبنانية.
المواطنون في الشوارع يصرخون منذ أشهر ولا أحد يسمعهم أو يأبه لصراخهم.
اعتقالات تهديدات ووعود كلها كاذبة.
المؤسسات الصغيرة أقفلت والكبيرة تصرف موظفوها تدريجياً.
منذ أيام بثت قناة «أم تي في» اللبنانية خبر صرف أكثر من 850 موظفاً من مستشفى الجامعة الأمريكيّة في بيروت، التي تعتبر واحدة من أقوى المؤسسات في لبنان، بسبب ميزانيتها والدعم الخارجي الكبير لها.. تناقلت الخبر الفضائيات وانتشر بسرعة البرق على مواقع التواصل الاجتماعي.
لم يكن عدد الأشخاص المطرودين فقط صاعقاً لكل من سمع الخبر وإنما مشاهدة هؤلاء الأشخاص وهم واقفون في حالة من الصدمة والانكسار والانهيار أمام المبنى الضخم، الذي يكاد يهوي من شدة الحزن عليهم، فالحجر في بلادي أشد رأفة من بعض البشر.
لكل من هؤلاء الموظفين عائلة يعيلها. لكل واحد قصة أقسى من الأخرى. دموع منهمرة ساخنة لا يشعر بها إلا من في قلبه رحمة وإنسانية. وهذه صفات مفقودة في حكامنا. صفات منقرضة منذ أكثر من ثلاثين سنة. أمراء الحروب لا يهمهم سوى حساباتهم البنكية، التي يحرصون على سريتها، كي لا تنكشف تلك الأرقام الكبيرة والمخيفة لسرقاتهم، أمام شعب هاجر في معظمه وبعضه يستعد للهجرة وآخرون يموتون من الجوع أو الانتحار في الوطن المنكوب.

دعاء من قلب محروق

من أين نبدأ؟
هل نحكي قصة تلك السيدة التي كانت تردد:
ثورة ثورة. هيدي الحكومة الفاشلة.
كانت تصرخ وتشهق بالبكاء باحثة عن صديقتها كي تسند عليها طولها المهزوم وانهيارها بعد أن طردت من العمل فجأة.
تبكي لأنها لا تعرف كيف ستؤمن الدواء لوالدتها المصابة بالسرطان ووالدها العجوز، فهما يحتاجان لأكثر من مليونين ليرة شهرياً لشراء الأدوية التي تبقيهما على قيد الحياة.
تضمها صديقتها وهي تصرخ: أختي أيضاً طردوها ولكنها مرمية في الطوارئ بفعل الصدمة. كلنا في وضع أسوأ من السيء. لقد فقدنا القدرة على الكلام. ماذا يحدث؟ من سيعيلنا؟ رئيسنا أو وزراؤنا أو نوابنا؟
ثم تضيف وهي تتشقق وتتفتت أمام الميكرفون كصخرة تدحرجت من أعلى الجبل وسقطت على غفلة:
إن شاء الله كل الرؤساء والزعماء يشتهون اللقمة وحبة الدواء ولا يجدونها كي يعرفوا قيمة الفقير.

أنا مريض سرطان

وفي الناحية الأخرى من الطريق يقف رجل يحاول إخفاء صلعته التي أتعبها المرض.. يحاول مقاومة وجعه وخيبته بقبعة صغيرة.
ترى في عينيه دموعاً تغلي من شدة الحرقة وهي عالقة فقط بفعل الكبرياء. تكاد تنزلق في أي لحظة.
يقول والغصة تخنقه: أنا مريض سرطان.. لقد أصابني في النخاع الشوكي وحالتي خطيرة. أحتاج كل شهر لدواء كلفته ست ملايين ليرة لبنانية.
هكذا استلم دون سابق إنذار من إدارة المستشفى مغلفاً أنهى خدمته بعد سبع وعشرين سنة من العمل والتفاني كمساعد ممرض. مغلف قد ينهي حياته أيضاً.
لم يكترث رؤساؤنا لحاله، فالموتى في بلادي كثر. يبدو أنهم المواطنون الحقيقيون. كان صوته يرتجف من تحت الكمامة وهو يؤكد أنه لم يغب يوماً طيلة عمله في المستشفى، رغم المرض والتعب. وها هو يجد نفسه مطروداً أمام البوابة الكبيرة.
حكم على 850 موظفا مع عائلاتهم بالإعدام في لحظة واحدة. لم يرحمهم أحد. ولم نسمع تعليقاً واحداً من الحكومة التعيسة بحقهم. لم يخرج أي مسؤول ليعرض عليهم المساعدة أو حتى ليدلي بكلمة تعاطف، على الأقل، لحفظ ماء الوجه.
أما الوجوه على طريق فكانت كلها صفراء. كل المطرودين باتوا يتقاسمون الملامح نفسها وكأنهم أخوة من رحم واحدة. هي رحم الألم.

كيف سأشتري لطفلتي الحليب؟

تقترب المذيعة من شاب يحاول إخفاء ضعفه قائلاً:
لي طفلة صغيرة اسمها ميا. عمرها سنة واحدة فقط. وهي تنتظرني في البيت. تحتاج الحليب والحفاضات. كنت أطعمها ضد الأمراض في المستشفى بشكل مجاني لأني أعمل فيها.
كيف سأحمي ابنتي من الأمراض وأين أطعمها بعد اليوم؟
ماذا يريدون منا: هل يريدوننا أن نسرق أو نهاجر؟

لا يا أخي لن نسرق أبداً. نعم سنهاجر. لأنهم سلبونا الوطن.
باي باي لبنان!

كاتبة لبنانيّة

مريم مشتاوي