بالنظام


سمير عطاالله
النهار
30052018

يتأخر هذا النظام دائماً، ومن ثم يصل على الدوام. يُغلَقُ البرلمان عامين، أو يَفرَغُ قصر الرئاسة عامين ونصف العام، وفي النهاية، يستيقظ النظام وتَقِفُ المؤسسات للنشيد الوطني ويُرفعُ العلم على شكل أرزاتٍ مختلفة. وأبرَزُ ما في مسارات الإقتراع أنها شكلياتٌ مقدسة عند اللبنانيين كمِثلِ تبادل التهاني في الأعياد والهدايا في الأعراس. يُتهم، يُهاجَم، يُلعَن، يُستَنكَر، وفي نهاية الأمر يُستدعى كمظلةٍ تقي الحر الشديد، أو الجليد الشديد بين اللبنانيين، تبعاً لمراحل الخلاف والإيحاءات وأحياناً الإملاءات.

لذلك يظل البرلمان في الحروب وفي السلم وفي الأزمات الخانقة، المخرج الأول والمرجع الأخير. وكما يحدث في مجلس الأمن أو البرلمانات التي هي أقرب إلى الهيئات التنفيذية منها إلى المجالس التشريعية، فإن ما يجري من ترتيباتٍ خلف الكواليس لا يقلّ أهميةً عن النقاشات العلنية. وفي بدايات هذا النظام أعطيت رئاسة المجلس للشيعة، باعتبارهم فئةً لا تتمتع بالشراكة الكاملة في الحكم. فأخذوا الوجاهة من حيث المرتبة الثانية، فيما استقرت الشراكة الحقيقية لزمن طويل بين الموارنة والسنة. وحتى هذه الشراكة كانت تراوح مقاييسها ومفاعيلها وفق طبائع الأشخاص. وقد اختلّت أحياناً إلى درجة المقاطعة، أو القتال، بسبب تأثيراتٍ اقليمية أو سباقات محلية، وهكذا بقيت الرئاسة الشيعية نوعاً من الحكم أو الوسيط. إما الوسيط الهادىء مثل صبري حماده وإما الوسيط الحاد مثل كامل الأسعد. مع الرئيس حسين الحسيني حدث تغييرٌ أساسي في دور الرئاسة ومكانتها السياسية، وتحققت شراكةٌ ثلاثيةٌ تلقائية للمرة الأولى منذ الإستقلال. وفي رعايته للطائف حرص، على طريقته، على أن يضمنَ حقوقَ الجميع من خلالِ ضمان حق الشيعة.

ستة وعشرون عاماً من رئاسة نبيه بري حوّلت الرئاسة الثانية من وسيطٍ إلى حَكَم. ومن شريكٍ إلى رُكن. ومن تشريعٍ روتينيٍّ باهت في غالب الأحيان إلى قرارٍ أساسيٍّ في المِحَن، كما حَصل في اتفاق الدوحة، أو الأزمات التي تلت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

لم يقدِّم الرئيس نبيه بري دائماً أفضل ما عنده، لكنه قدَّم دائماً أقصى ما لديه. ودائماً تجاوز الحواجز بالإلتفاف إذا تعذَر عليه العبور، وجعل نفسه شخصيةً برلمانية لا يمكن العثور عليها بين المقاعد العادية. فهو دائماً جسر الحوار الذي لا ينقطع، ولا يغرقه فيضان ما. وفيما يدور الزمن على مؤسسات الجمهورية الأخرى، فتنتهي العهود أو تسقط الحكومات برئيسها وهو يدخل إلى لقاء الرئيس الأميركي. أبقى نبيه بري لرئاسته دوراً لا يمكن الإستغناء عنه. وفي فوضى هذا الصراع السني الشيعي الذي ملأ العالم العربي، أعطى نبيه بري للرئاسة أفقاً عربياً لم يكن لها من قبل، وأبقاه خارج نيرانها الحارقة، ومستنقعاتها الكثيرة. ليست الغرابة أن يظلّ رجلٌ في هذا المنصب نحو ثلث قرن، لكنها في أن لا نرى منافساً طبيعياً له بعد كل هذا الوقت.

كان نبيه بري بين الذين ثاروا على النظام. بل ذهب أبعد من ذلك ليعلن الحرب على الميثاق. لكنه بعكس الكثيرين لم يخرج من الحرب إلى هدنات متقطعة، وإنما إلى سلامٍ دائم كان هو إحدى علاماته ومرافقه. لم يقدّر للبنان أن يبقى على سدة الفكر القومي والوطني فيه عملاقٌ مثل الإمام موسى الصدر. لكنه ترك لجميع الأسر والمكونات اللبنانية رسالةً عبقريةً يغترفون منها إلى ما شاء الله. ولا شك في أن نبيه بري كان أحد أبرز حواريِّيه ومريديه والمؤمنين بمفهومه العالي للصيغة اللبنانية، التي تتجاوز ببعيد، المنصوص عليه والمنصوص ضده. غيّبت الإمام الصدر مجموعة من القوى والدوافع التي كانت تخشى أن يعطّل رجال مثله فكرة الحياة وقيامة لبنان. وقد تجاوز في قامته المشاعر الطائفية لدى الجميع في ذروة احتدامها. ورأى فيه الجميع أيضاً نقطة ارتكازٍ دائمة تعود من حولها الدولة والوطن معاً. وقد ضرب على من عرفه من اللبنانيين وسواهم سحر الجاذبية القومية المترفعة والقائمة على قواعد النبل والقيم. وكان هذا كثيراً على بلدٍ صغيرٍ مثل لبنان وحربٍ كبيرةٍ مثل حربه.

على رغم كل شيء، ظلَّ هذا البلد تجربةً انسانيةً رائعة. كان سليم الحص استاذاً للإقتصاد في الجامعة الأميركية. وفي الحرب أصبح رئيساً للوزراء. وكان أهل اليسار يقولون إنه الأمل الأخير في الوصولِ إلى بلدٍ بلا اقطاع ولا فساد ولا طائفية. لكن سليم الحص نفسه كان يقول إن بقاء لبنان من بقاء النظام. وعندما نقول النظام، لا يعرف أحدنا اطلاقاً ماذا تعني الكلمة، أو ماذا يتضمن أو ماذا يرفض. لكننا، مثل جميع البسطاء، نتطلع فنرى لبنان خرج من حربٍ دامت عشرين عاماً من غير ان يركع على ركبيته. ونتطلع فنرى بقعةً صغيرة من الأرض قادرة على تحمّل تبعات المآسي العربية. ولم يعد “مرقد عنزة” رومانسياً لغرض الشعر والتفاخر، بل خرج من محنة خلف أخرى، متماسك البنيان المعنوي والمجتمعي. وفيما كان يشكو من الإقطاع كان هو أيضاً الدولة الوحيدة في العالم العربي التي يصدر فيها الحزب الشيوعي جريدته ومجلته، ويعقد المؤتمرات السنوية. وقد امتلأت السجون العربية بالمعتقلين السياسيين، ودجّنت الحكومات جميع الأفكار والحريات، وظلّ في امكان لبنان أن يُصدِرَ صحافةً مُعتَرِضة. ولم يكن كل الإعتراض ذهباً بل كان في السياسة والصحافة بذاءَةٌ كثيرة وسفاهةٌ مُقَزِزة ووقاحاتٌ قاهرة للأخلاق والقيم. غير أن الهيكل العام للصيغة الوطنية ظلَّ محلّ غبطةٍ وحسد. وعلى رغم الفساد المريع الذي أصبح أمراً طبيعياً بعد الحرب، بقيت ثمة ثقةٍ عالميةٍ بالنظام، وبقيت المصارف تزدهر وحركة العمران تتسع، وظلّ المجتمع ينتصر على موجات الشلل التي تضرب البلد من الداخل أو الخارج. وما أكثرها وما أفظعها.

الديموقراطية مغامرة لا نعرف غالباً من تختار. لكن الديكتاتورية ضمانة أن لاخيار فيها! يقول الكاتب الجزائري كمال داود، إن ترامب رئيس منتخب ولم يهبط من السماء. لكن أيضاً كيم – جون أون رئيس غير منتخب وقد طلع وريثاً من الأرض. هذا الوجه الديموقراطي للنظام، مثل “وجهه” العربي، أثبت دائما أنه الملاذ. نذهب وننتخبهم ويذهبون وينتخبون. دائماً ننتخب من هم مثلنا، وهذا عدل، وقليلاً ما ننتخب من هم أحسن منا، وهذا حظ ورضى من الله. لأن الأولى غريزة طائشة والثانية نعمة.

نبيه بري في خانة الحظوظ والثوابت الوطنية ما دام يساند الديموقراطية بقدر ما يمكن، ويعمل للحريات الدستورية بقدر ما يستطيع. أما كيف يلائم بين أن يكون صوت الشيعة وصورة لبنان، ففي الممارسة كما قال تشرشل.

الآن وقد نجحنا في امتحان النظام، يبدأ امتحان الحكم، وهو امتحان صعب بعد أعوام طويلة من الغرق في التضارب والنزف الاقتصادي والاجتماعي. وليس المطلوب معجزة لأنها من عمل القديسين. ولكن المطلوب من السياسيين الحد الأدنى من السلوك التوافقي، والرؤية العملية المتواضعة للمصير. وأن يكونوا مع اللبنانيين وحياتهم وضروراتهم، أما لبنان نفسه فليس في حاجة إليهم، لأنه قد أتقن دراما البقاء. على رغم ما أحبط من هبّات الزوال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*